مرصد كتب "المجلة"... جولة على أحدث إصدارات دور النشر العربية

مرصد كتب "المجلة"... جولة على أحدث إصدارات دور النشر العربية

نتعرف من خلال هذه الزاوية إلى أحدث إصدارات الكتب العربية، في الأدب والفلسفة والعلوم والتاريخ والسياسة والترجمة وغيرها. ونسعى إلى أن تكون هذه الزاوية التي تطل كل أسبوعين مرآة أمينة لحركة النشر في العالم العربي.

الكتاب: مقالات في الحب

الكاتب: آلان دو بوتون

ترجمة: الحارث النبهان

الناشر: دار التنوير للنشر والتوزيع – لبنان

في كتابه "مقالات في الحب"، والذي يمكن اعتباره رواية فلسفية، يعالج الكاتب والفيلسوف آلان دو بوتون واحدة من أكثر التجارب الإنسانية استعصاء على الفهم: الحب. لكنه يتناوله باعتباره تجربة نفسية وفكرية تتجلى فيها طبيعة الإنسان، بما تحمله من رغبات ومخاوف وتناقضات، وليس بوصفه حكاية عاطفية عن اللقاء والافتتان والشوق فقط.

تبدأ الرواية بلقاء عابر بين الراوي وكلوي على متن طائرة، ثم تتطور العلاقة من الانجذاب الأول إلى الحب، لتدخل تدريجيا في تفاصيل الحياة العاطفية بما تنطوي عليه من ترقب وغيرة وشكوك وتوقعات. ومن خلال هذه العلاقة، يتأمل الكاتب الوقائع اليومية، ويتوقف عند اللحظات التي نعبرها عادة من دون أن نفكر في معانيها ودلالاتها: لماذا ننجذب إلى شخص بعينه، وكيف نفسر سلوكه، ولماذا تتحول بعض التفاصيل الصغيرة إلى علامات نقرأ من خلالها مستقبل العلاقة أو مآلاتها.

ثمة تداخل بين السرد والتحليل، فمن خلال الحكاية يشرّح المشاعر، فيتيح له التفكير الفلسفي أن يكشف عن المسافة بين ما نعيشه حقيقة، وما نعتقد أننا نعيشه، فنضع أنفسنا في مواجهة مع ذواتنا وما نتصوره عن أنفسنا، وكذلك مع الصورة المثالية التي نحاول إضفاءها، أو أننا نضفيها فعلا على من نحب.

يقدم "مقالات في الحب"، إضافة إلى الحدث الروائي، قراءة أدبية وفلسفية للعاطفة، ومن خلال ذلك يكتشف القارئ أن الحب هو تأمل في أنفسنا، وفي الطريقة التي نحب بها

بعد اللقاء الأول وما يصاحبه من شعور بالمصادفة الاستثنائية، يجد الراوي نفسه منشغلا بتفاصيل علاقته بكلوي، بدءا من الإشارات التي يتبادلها الطرفان وصولا إلى اختلاف أذواقهما وطرائق تعبيرهما عن المشاعر، وما إلى ذلك، وتتحول مواقف تبدو عادية، كموعد غرامي أو نقاش حول أمر بسيط، إلى موضوعات مستقلة يتوقف عندها السرد، ويستكشف ما تحمله من معانٍ معلنة وأخرى ضمنية. ويخصص دو بوتون حيزا لمسائل مثل المثالية الرومانسية، ودلالات الإغواء، والتردد في التعبير عن الحب، والشعور بالذنب، واضطراب العلاقة حين لا تعود المشاعر متطابقة بين طرفيها. ومن خلال هذا التدرج، تبدو العلاقة بنية تتكشف تفاصيلها النفسية والفكرية مع كل مرحلة من مراحلها.

غلاف مقالات في الحب

لا يسير السرد في خط روائي تقليدي ينشغل بتطور الأحداث، وإنما يتوقف مرارا عند لحظة بعينها ليحللها ويفكك عناصرها قبل أن يعود فيستأنف الرواية. وفيما يدخل الراوي في تفاصيل العلاقة الحميمة، فإنه يقدم إحالات إلى الفلسفة والأدب والفكر، وفي الوقت نفسه تتداخل المواقف العاطفية مع محاولات الراوي تفسير ما يحدث له وما يصعب عليه فهمه. وحين تبدأ العلاقة في التعثر، تتغير طبيعة هذه التأملات بدورها، فتنتقل من نشوة البدايات إلى القلق والخيبة والألم الذي يرافق انحسار الحب وتراجعه. الأمر الذي يتيح للكتاب أن يتناول التجربة العاطفية في مراحلها المتباينة، من الافتتان الأول إلى التصدع والانفصال.

يقدم "مقالات في الحب"، إضافة إلى الحدث الروائي، قراءة أدبية وفلسفية للعاطفة، ومن خلال ذلك يكتشف القارئ أن الحب هو تأمل في أنفسنا، وفي الطريقة التي نحب بها، وفي المعاني التي نمنحها للعلاقة ونضفيها عليها.

الكتاب: تحولات اليسار في لبنان والعالم

الكاتب: شادي منصور

الناشر: دار زمكان للطباعة والنشر - لبنان

ينتقل كتاب "تحولات اليسار في لبنان والعالم" للكاتب اللبناني شادي منصور من تتبع تاريخ الماركسية أو الحركات الشيوعية، إلى تتبع اليسار بصورة عامة بوصفه تيارا فكريا وسياسيا واجتماعيا تداخلت طرقه وأحواله بين الثورات والانتصارات والانقسامات والهزائم. ينتقل منصور من الجذور الفكرية المرتبطة بالمساواة والعدالة الاجتماعية، إلى التجارب اليسارية في لبنان والعالم العربي، ثم فرنسا وأوروبا وأميركا اللاتينية وكوبا والولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وصولا إلى الصين.

يحتل لبنان موقعا محوريا في الكتاب، إذ يتناول المؤلف نشأة الحركة العمالية والنقابية، وتاريخ "الحزب الشيوعي اللبناني"، وصعود اليسار الجديد والحركة الوطنية، وعلاقة القوى اليسارية بالقضية الفلسطينية والحرب الأهلية والاجتياح الإسرائيلي عام 1982. كما يتوقف عند التغيرات التي أعقبت الحرب، وتراجع الحضور السياسي والتنظيمي لليسار، وذلك في سياق التطورات الإقليمية والاقتصادية والاجتماعية التي شكلت الحياة اللبنانية من جديد.

تجارب اليسار ليست متجانسة كما قد يُظن، وإنما متباينة في استجاباتها للتغيرات الاقتصادية والسياسية، وفي قدرتها على التوفيق بين الفكر والممارسة

تتيح هذه المناقشة النظر إلى التجربة اللبنانية ضمن سياق يتجاوز ظروفها المحلية، من حيث أن صعود اليسار في لبنان ارتبط في مراحله المختلفة بقضايا التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية ومواجهة التفاوتات الاقتصادية، كما تأثر بالصراعات الإقليمية وبالتحولات التي أصابت الحركة الشيوعية العالمية. ومن هنا، تبرز أهمية العلاقة بين الفكر والممارسة من حيث كيفية تحويل الأحزاب والتيارات اليسارية مبادئها النظرية إلى برامج سياسية واجتماعية، وتأثير الصراعات الداخلية والحروب والتحالفات في قدرتها على تحقيق ما تطلعت إليه وأعلنته في برامجها.

وعلى امتداد هذه الجغرافيا، ينأى منصور عن تصوير التجارب اليسارية باعتبارها حكايات عن البطولة والفداء، ويدخل في تناقضاتها، وأسئلة السلطة والديمقراطية والحزب الواحد، وأثر انهيار الاتحاد السوفياتي وصعود النيوليبرالية، وباقي المشاريع التي طبعت نهايات القرن العشرين بطابعها. إذ إن التحولات التي شهدها العالم منذ نهاية الحرب الباردة لم تقتصر على تغيير موازين القوى فحسب، لكنها غيرت، ربما، المفاهيم التي استندت إليها الحركات اليسارية في فهم المجتمع والدولة والاقتصاد. فاقتصاد السوق وهيمنته، وتراجع نماذج التخطيط المركزي، أديا إلى أن وجد اليسار نفسه مضطرا للنظر في أفكاره عن التغيير، وكذلك في أدواته التنظيمية نفسها، في الوقت الذي تفاقمت فيه التفاوتات الاجتماعية، وهي الفكرة الرئيسة التي انطلق اليسار لمعالجتها جذريا.

غلاف تحولات اليسار في لبنان والعالم

انطلاقا من هنا، فإن المقارنة بين التجارب المختلفة بدت غاية في الأهمية، فاليسار في أوروبا لا يتطابق مع اليسار في أميركا اللاتينية أو العالم العربي، كما أن التجربة الصينية في العلاقة بين الحزب والدولة والسوق مختلفة في وجوهها كافة عن اليسار في العالم. وهذا يوضح أن تجارب اليسار ليست متجانسة كما قد يُظن، وإنما متباينة في استجاباتها للتغيرات الاقتصادية والسياسية، وفي قدرتها على التوفيق بين الفكر والممارسة.

قد يكون الكتاب إجابة عن السؤال: ماذا بقي من اليسار في عالم تغيرت فيه بنية الطبقات الاجتماعية، وبنية الرأسمالية، وهل تراجعت الحاجة إلى أفكاره، في ظل اتساع الفجوات الاجتماعية، وتراجع الضمانات المرتبطة بالعمل، وزيادة الفقراء فقرا والأغنياء ثراء، وهي قضايا تقع في القلب من الفكر اليساري.

الكتاب: سرديات الذات - قراءات في كتابات الذات التونسية

الكاتب: شفيع بالزين

الناشر: شركة الأمينة للنشر والتوزيع - تونس

في كتابه "سرديات الذات - قراءات في كتابات الذات التونسية"، يتناول الباحث التونسي شفيع بالزين هذا الحقل الأدبي المثير من حيث اشتماله على تجربة فردية بما تنطوي عليه من ذاكرة وتاريخ وتصورات اجتماعية وثقافية، وقد تكون سياسية أيضا.

فالكتابة عن الذات هي عملية معقدة من الانتقاء والترتيب والتأويل. فالكاتب لا يستحضر ماضيه كاملا، وإنما يعيد بناءه من موقعه الراهن، مستعينا بذاكرة تنتقي وتستبعد، وبلغة تمنح التجارب معاني قد لا تكون اتضحت لحظة وقوعها. وهكذا تصبح الذات المكتوبة مختلفة، إلى حد ما، عن الذات الواقعية التي عاشت التجربة. هنا تتحول الحياة برمتها إلى مطرح سردي بالغ الاتساع ومحمل بقيم ومعان شتى.

ففي محور السيرة الذاتية والسيرة الروائية، تحضر أسماء آمال مختار وزهرة الظاهري وحياة الرايس وشكري السلطاني، بما يتيح مساءلة العلاقة بين التجربة المعاشة والتجربة المعادة سرديا، وبين استعادة الماضي وصياغة صورة الذات في النص. فالسيرة ليست نقلا محايدا للحياة كما يمكن أن يُظن، وإنما هي بناء كتابي تتدخل فيه الذاكرة واللغة والانتقاء، وبذلك يتشكل معنى التجربة الشخصية.

الكتاب يتيح قراءة متعددة للذات التي تظهر لا بصوت واحد، ولا بصورة ثابتة، بل بطرائق مختلفة ومتنوعة، الأمر الذي يتيح قراءة المجتمع التونسي من جوانب عدة

أما أدب الرحلة ومحكيات السفر، فيتسع ليشمل كتابات حياة الرايس ونجاة البكري وفتحية دبش ومسعودة بو بكر وحفيظة قارة بيبان. وهنا تغادر الذات حدود المكان المألوف المعاش لتواجه أمكنة وثقافات وتجارب جديدة، فتغدو الرحلة مطرحا لاكتشاف الآخر، والتعرف على الذات نفسها. فالمسافر لا ينقل صورة المكان فحسب، بل يقدم أيضا نظرته إليه، ضمن إطار الخلفية الثقافية التي تحدد علاقته بما يراه ويعيشه.

وفي اليوميات الخاصة، تتجلى الذات في كتابات فاطمة بن محمود وحفيظة قارة بيبان، حيث تكتسب التفاصيل اليومية واللحظات العابرة قيمة توثيقية وتعبيرية، ويصبح تدوين الحياة اليومية محاولة للقبض على ما يتفلت من الذاكرة.

بينما يكشف محور الرسائل والمراسلات الخاصة، من خلال أسماء سنيا الفرجاني ووحيدة المي ومحمد الهادي الجزيري ومحمد بوحوش، عن وجه آخر للكتابة عن الذات، من حيث ظهورها في علاقتها بالآخر، عبر البوح والحوار والتعبير عن المشاعر والأفكار والمواقف.

غلاف سرديات الذات - قراءات في كتابات الذات التونسية

ويكتمل هذا التنوع مع الشهادات الأدبية لدى أمينة زريق وحبيبة محرزي وإيمان السافي، حيث تتخذ الكتابة طابعا شخصيا تستعيد التجربة من وجهة نظر صاحبها.

وبطبيعة الحال، لا توجد قائمة منتهية لكتاب خاصين بباب من الأبواب، إنما ثمة تداخل، فمن يكتب شهادة أدبية، يكتب أدب رحلة، ويوميات خاصة، وهكذا.

تتجلى أهمية كتاب شفيع بالزين في اهتمامه بكتابات الذات التونسية فيما يتيحه هذا المجال من إمكانات للنظر في علاقة الأدب بالذاكرة والتاريخ والمجتمع. فالنص الذي يروي فيه الكاتب حياته يكشف عن تفاصيل شخصية، وكذلك عن حياة مجتمع في مرحلة معينة من تاريخه.

من هنا فإن الكتاب يتيح قراءة متعددة للذات التي تظهر لا بصوت واحد، ولا بصورة ثابتة، بل بطرائق مختلفة ومتنوعة، الأمر الذي يتيح قراءة المجتمع التونسي من جوانب عدة.

الكتاب: ماهية الفلسفة - الرؤية الفلسفية للعالم

الكاتب: فلهلم دلتاي

ترجمة: د. منال محمد خليف

الناشر: دار أبكالو للطباعة والنشر والتوزيع – العراق

هذا كتاب يبحث في تحديد ماهية الفلسفة، وبشكل أكثر دقة، في: كيف يمكن تحديد ماهيتها على الرغم من تعدد مذاهبها واختلاف تصوراتها عبر التاريخ. ولأجل ذلك فإن الفيلسوف الألماني فلهلم دلتاي (1833–1911) في كتابه "ماهية الفلسفة - الرؤية الفلسفية للعالم" الذي ترجمته عن الألمانية دكتورة منال محمد خليف، يتخذ من تاريخ الفلسفة منطلقا لفهم ماهيتها. فمن خلال تتبع تطورها منذ الفكر اليوناني مرورا بالعصور الوسطى وصولا إلى العصر الحديث، يستخلص السمات المشتركة التي تمنح النشاط الفلسفي خصوصيته، ويستكشف الوظيفة التي يؤديها ذلك النشاط في حياة الإنسان الفكرية والثقافية. وهكذا يصبح تاريخ الفلسفة مدخلا إلى فهم ماهيتها، وليس مطرحا لسجال المذاهب والأفكار وتحديد التعريفات المسبقة وفرضها على الفكر.

ينتقل دلتاي من التاريخ إلى الحياة الروحية، فيحللها، ويدرس موقع الفلسفة في علاقتها بالدين والفن والأدب والعلم

ينتقل دلتاي من التاريخ إلى الحياة الروحية، فيحللها، ويدرس موقع الفلسفة في علاقتها بالدين والفن والأدب والعلم. فهذه المجالات، على اختلاف مناهجها ووسائل تعبيرها، تكشف عن طرائق متعددة يتفاعل بها الإنسان مع العالم ويضفي على حياته معنى.

غلاف ماهية الفلسفة - الرؤية الفلسفية للعالم

هنا يعرف القارئ أن الفلسفة تتميز بنزوعها إلى صياغة رؤية مترابطة تتجاوز المعارف الجزئية، وتحاول فهم العلاقات التي تجمع الخبرة الإنسانية في كل مترابط أكثر شمولا. لكن هذا الطموح إلى الكلية لا يعني، في نظر دلتاي، إمكان بناء نسق ميتافيزيقي نهائي يحتكر الحقيقة المطلقة، فوجهات النظر الفلسفية في العالم تتشكل في سياقات تاريخية وإنسانية متغيرة، وتعبر عن طرائق مختلفة في فهم الواقع والقيم والحياة. ومن هنا فإن دلتاي يناقش أنماطا من وجهات النظر تلك، أبرزها النزعة الطبيعية، والمثالية الموضوعية، وغيرها، من دون أن يجعل من أحدها خاتمة نهائية للفكر الفلسفي.

دلتاي، في هذا الكتاب، لا يناقش أفكار الفلسفة، ولا يدخل في سجالات حول مقولاتها، ولا يتساءل إزاء ما تقوله، بل يبحث في كيفية تشكلها، وفي موقعها بين أشكال المعرفة الإنسانية، ويركز، في الوقت نفسه، على أهمية التفكير في الروابط التي تجمع المعارف الإنسانية هذه، وعلى الإنسان الذي ينتجها ويبحث من خلالها عن فهم أكثر اتساعا للعالم.

الكتاب: حتى الجدران بكت

الكاتبة: إيمان القصيري

الناشر: دار بسمة للنشر الإلكتروني - المغرب

في رواية "حتى الجدران بكت"، للكاتبة المغربية إيمان القصيري، يتجلى المكان على شكل ذاكرة، وتظهر الجدران بوصفها شاهدا على حكايات هي من القسوة حتى إنه لا يمكن أن تروى ببساطة. فمن خلال سرد تراجيدي واقعي، تنسج الرواية حكاية عائلة أنهكها الفقد والخيانة، حيث روابط الدم تنجدل مع أسرار الماضي، وتتشابك مشاعر الحب مع الخذلان.

تدور الحكاية حول كرستيان، الذي ولد في "بلدة فرنسية هادئة تدعى شارتر" عام 1920، وتتكشف تفاصيل عالمه عبر ذكرياته، في قصة تحركها رغبة أساسية: العثور على أمه. غير أن رحلة البحث هذه لا تقوده إلى الإجابات التي ينتظرها فحسب، بل تضعه أمام حقائق موجعة تتجاوز قدرته على الاحتمال: لقد ماتت أمه. وهكذا يتحول البحث عن الأم إلى رحلة في أعماق الذاكرة العائلية، حيث يتحول الماضي ليكون قوة حاضرة لا تنفك تشكل حياة من يحاولون، عبثا، الإفلات منه.

حكاية عن الأمومة والبحث والانكسار، وعن أمكنة لا تنسى من سكنها، وأوجاع معلقة في تفاصيلها وإسمنتها

تتخذ الرواية من مزرعة قديمة مطرحا للسرد تتراكم داخله طبقات الماضي طبقة إثر أخرى بلا نهاية، حيث الأرض وأشجار الزيتون والمعصرة علامات مرتبطة بحياة عائلة منهكة من الحزن والخذلان. في هذا المكان تتحول الأشياء إلى شواهد على علاقات انكسرت، وأسرار بقيت محبوسة داخل جدران من الصمت، وعلى حياة حفرت فيها الأحداث ندوبا لا تمحوها السنوات.

غلاف حتى الجدران بكت

تبرز الخيانة في الرواية بوصفها جرحا مضاعفا، من حيث إنه لا يصدر عن الغرباء، بل قد يصدر عن الأشخاص الذين نمنحهم ثقتنا ونظنهم مصدر أماننا. أما الفقد، فلا يقتصر على الغياب المادي، وإنما يمتد إلى ذلك الثقل العاطفي الذي يرافق الإنسان طيلة حياته حين يظل متعلقا بمن يحب دون أن يجد سبيلا للتصالح مع غيابه. فالأب فقد أمه، والبنت فقدت أباها، ولم يتمكن أي منهما من التصالح مع ذلك الغياب.

تنتهي الرواية بعبارة تلخص كل شيء: "في النهاية لم يبق من تلك العائلة سوى بيت مهجور، وأشجار عطشى، وامرأة وبناتها أنهكهن الفقد، وذكريات ثقيلة تتجول وحدها في مزرعة كأرواح لم تجد طريقها إلى الرحيل".

"حتى الجدران بكت" حكاية عن الأمومة والبحث والانكسار، وعن أمكنة لا تنسى من سكنها، وأوجاع معلقة في تفاصيلها وإسمنتها، فحين يعجز الإنسان عن الكلام، يتحول المكان إلى ذاكرة ناطقة، وحين يفيض الألم عن حدود الاحتمال، فإنه حتى الجدران تبكي.

font change