في مرآة الحلاق

في مرآة الحلاق

استمع إلى المقال دقيقة

تفاجئنا ملامح وجوهنا في مرآة الحلاق، على النقيض من المرايا التي عكست وجوهنا من قبل، ومنها مرايا الدار، مرايا المصاعد، مرايا سيارات الأجرة والحافلات والقطارات، مرايا حمامات العمل أو المقاهي والحانات، مرايا المحلات في الشارع أو في المتاجر.

وفيما نتأمل وجوهنا على نحو مباغت، نتقصى الأثر الطارئ للزمن، تجاعيد كانت أو ندوبا أو نتوءات، نسافر في اللحظة ذاتها إلى طفولتنا، لا لنقف عند أول تجربة قص شعر في تاريخنا الشخصي وحسب، إن خطر ذلك، إنما لنقف عند هذا الشخص المنعكس الآن في مرآة الحلاق والذي تفصلنا عنه فترة آخر لحظة حلاقة، أسبوعا كان أو أكثر، وتتضاعف حدة السؤال: ما الذي تغير؟ ما الذي طرأ؟ ما الثابت والمتحول؟ ما الراسخ وما المنزاح؟ ما السابق وما اللاحق؟

يغدو الوجه كتابا منذورا للقراءة بإمعان، ونحن نسلم رؤوسنا عن اختيار لأصابع الحلاق، وهو يشرع في عمله، وعمله لا يقف عند حدود قص شعرك، فهو حتما يجيد شيئا آخر، لا بد أن يتحفك به، عن مهارة، هو الحكي، الحكي كيفما اتفق، وغالبا ما أن يبدأ الحكي حتى تخاله لن ينهيه أبدا، وإيقاع الحكي يتناغم مع طقطقة مقصه، في تواطؤ يخلق من اللحظة ذاتها تجربة تزاوج بين الموسيقى والمسرح، وهي تجربة إما تستسيغها أو تتجشم عناءها إن كانت ثقيلة، وفي الحالتين، أنت مقحم فيها عنوة، وإن كنت أنت من اختار أن تطأ قدمك دكانه، عن مصادفة أو عن معرفة مسبقة.

كيفما حاولت أن تكون طرفا في الحوار، الحلاق بدهائه أو طبيعة مهنته لا بد أن يكون ساردا، لا مسرودا له، وهذا الموقع من سلطة الحكي ما يجعله يأخذ مكانه الذي يرتضيه لنفسه أولا، وثانيا هو بذلك يلطف عن ثقل اللحظة ما يراه ملائما كي تمضي برهة حلاقتك سلسة، أنيقة، وذات معنى.

وفيما تتحول ثرثرته إلى نشاز، تمعن أنت في كتاب وجهك أمامك، في متغيراته المقلقة، تستغرق في حكي آخر، ينبع من أعماقك، وأنت ترى وجهك مضاعفا، لا في مرآة الحلاق، إنما في مرآة لا مرئية، هي في داخلك، شبيهة بقرارة بئر، تحتفظ بجميع وجوهك، عبر أطوار حياتك، وأثر كينونتك مترسب كحصوات في مائها، وما من طريق للوصول إليها سوى الاستغراق فيها، في تأرجح بين الذاكرة والوجدان.

الحلاق بدهائه أو طبيعة مهنته لا بد أن يكون ساردا، لا مسرودا له، وهذا الموقع من سلطة الحكي ما يجعله يأخذ مكانه الذي يرتضيه لنفسه

تغفل عما يرطن به لسان الحلاق، وتكاد لا تسمع حتى طقطقات مقصه، إلى أن يوقظك أخيرا، وهو ينذرك بانتهاء الحصة، ويا له من امتحان وجودي قلما نفكر فيه بجدية، إذ نأخذ برهته محمل شيء عابر، ولكن البرهة في الواقع، مختبر للزمن، إذ تزج بك اللحظة هاته، لتواجه نفسك، في مرآة لا تشبه المرايا، وعليك أن تواجه نفسك في معبر قلق، وأسئلة تعود بك إلى ماضيك، مستشرفا بتوجس ما سيأتي.

معبر قلق إما تخرج من سديمه متفائلا على سبيل الوهم، أو متشائما على سبيل الحقيقة، وفي الحالتين، ثمة لعبة لا تساهم المرآة وحدها في نسجها، بل حكي الحلاق كيفما كان، وأكثر من ذلك طقطقة مقصه، فكل ما يحدث في مسرح اللحظة، رهين بإيقاع مقصه.

ما كل معابر القلق في لحظات الحلاقة تمر بخير، نحتفظ منها بذكرى طيبة، إذ ثمة معابر دامغة السوء، تجعلك شخصا غير الذي كنته قبل ولوج دكان الحلاقة، هذا حينما يخطئ الحلاق ويجني على شعرك بطريقة قص بشعة، غير لائقة، ليست هي التي كنت تأملها على الأقل. الأسوأ من ذلك، إن ارتكب خطأ أفدح، وقص طرف أذنك أو جرحك موس حلاقته في أي موضع، وقس على ذلك من حوادث جانبية، لكن أثرها السوداوي أبقى.

دم هذه الأخطاء أو ندوب الموسى على الوجه، ما يجعل سيرة بعض الحلاقين مريبة، وفي كل الأحوال، ما من عبور لمطهر كهذا إلا وله مضاعفاته، نفسية كانت أو غير ذلك.

لعل البرهة التي يمكن أن نرى فيها أنفسنا على نحو مزدوج، هي في معابر الحلاقة، نعم، فهي البرهة التي تهبك أن ترى وجهك وقفاك في آن، ففي الوقت الذي تستغرق في قراءة وجهك وعلاماته الجديدة والقديمة، ثمة مرآة في الخلف، تعكس قفاك، ولا تني تختلس النظر إليها، بين الحين والآخر، لا لتتذكر كم يدا صفعت قفاك، أو ربتت عليه، كم حجرا شدخه أو كم وسادة وكرسيا أغدق عليه بمنام سعيد أو بكابوس مرعب، ولكن لتكتشف ظل رأسك، تلك الناصية من كينونتك المنسية، المهملة، التي لا تستطيع النظر إليها في محفل يومك، بل حياتك عن بكرة أبيك، إلا فيما ندر.

لعبة لا تساهم المرآة وحدها في نسجها، بل حكي الحلاق كيفما كان، وأكثر من ذلك طقطقة مقصه، فكل ما يحدث في مسرح اللحظة رهين بإيقاع مقصه

لعبة الوجه والقفا هذه، وغيرها مما سبق أعلاه في مرايا الحلاقين، ما حاول الكثير من الكتاب الوقوف عندها، في تاريخ الأدب، وفي طليعتهم قصة "المرآة المشوهة" لأنطون تشيخوف، ومسرحية "حلاق إشبيلية" لجواكينو روسيني، وقصة "عن الحلاقين" لمارك توين، على سبيل المثال لا الحصر.

font change

مقالات ذات صلة