سايومي كاماكورا لـ"المجلة": الناس بحاجة إلى الهايكو في زمن الضجيج الرقمي

فن الإصغاء إلى العالم

سايومي كاماكورا لـ"المجلة": الناس بحاجة إلى الهايكو في زمن الضجيج الرقمي

ولدت الشاعرة اليابانية سايومي كاماكورا عام 1953، وبدأت كتابة قصائد الهايكو وهي طالبة في جامعة سايتاما، ثم درست على يد شاعرَي الهايكو توشيرو نومورا وشو هاياشي. وسرعان ما لفتت موهبتها الأنظار، فنالت جائزة "أوكي سانغو" عام 1983، ثم حصلت في 2001 على جائزة جمعية الهايكو الحديثة.

لعبت كاماكورا دورا مهما في تطوير شعر الهايكو المعاصر والتعريف به، وفي 1998 أسست مجلة متخصصة في شعر الهايكو اسمها "جينيو" بالاشتراك مع الشاعر بانيا ناتسويشي، وتولت رئاسة تحريرها. وساعد ارتباطها بجمعية الهايكو العالمية في تعزيز التواصل بين شعراء الهايكو اليابانيين والشعراء والقراء في مختلف أنحاء العالم.

صدر لها العديد من المجموعات الشعرية نذكر منها "نداوة" (1984) و"صليب الماء" (1987) وفي 2016 صدر لها "الأعمال الشعرية الكاملة"، الذي جمع قصائد من مراحل متعددة في مسيرتها الشعرية. هنا حوار "المجلة" معها.

ما الذي جذبك إلى الهايكو تحديدا، بدلا من التانكا أو الشعر الحر؟

أعشق الهايكو بما ينطوي عليه من بهجة ومرح، وتلك الإثارة الكامنة في الجمع بين كلمات لا حصر لها لصوغ تعبير يلامس شغاف القلب. أقدر أيضا ذلك الصراع الداخلي الذي يخوضه المرء لنظم هذا البيت الشعري الفريد.

لحظة الهايكو

عندما تكتبين الهايكو، هل تولد القصيدة عادة من لحظة رصد بعينها، ثم تحاولين الحفاظ على جوهر تلك اللحظة أثناء صوغها، أم أن القصيدة تخضع لاحقا لإعادة كتابة وتنقيح قد يغيرانها كليا؟

بحسب تجربتي، ما يتشكل في تلك اللحظة هو في الغالب أفكار لا كلمات، وأتساءل: ما الذي أريد كتابته في قصيدة الهايكو؟

الكلمات التي يختارها الشاعر، والطريقة التي يستخدمها بها، تكشفان عن الكثير من جوهره وشخصيته

 أحيانا قد تتبادر إلى ذهني عبارة عفوية ومفاجئة، بينما أضطر في أحيان أخرى إلى استحضار كثير من الكلمات وتدوينها على الورق، ثم تنقيحها بشكل متواصل.

بصفتك محررة وشاعرة، ما الذي تبحثين عنه في نتاج شاعر هايكو شاب أو ناشئ، ويخبرك بأن لديه شيئا مميزا يريد قوله؟

بدلا من الاكتفاء بالتفاعل مع جو وإيقاع قصيدة هايكو واحدة، أستمتع أكثر بقراءة مجموعة من القصائد، سواء كانت عشر قصائد أو عشرين، أو حتى مجموعة، أوديوانا كاملا، وبإدراك أن المؤلف يحمل في جعبته مشاعر صادقة يود التعبير عنها. فالهايكو، في جوهره، يقوم على استخدام كلمات قليلة، لكن اختيار كل كلمة وترتيبها يتمتعان بأهمية كبيرة. وأنا شخصيا أؤمن بأن الكلمات التي يختارها الشاعر، والطريقة التي يستخدمها بها، تكشفان عن الكثير من جوهره وشخصيته.

هايكو نسوي؟

هناك شاعرات هايكو يابانيات وصفن بانتقاص بأنهن شاعرات مطبخ بسبب تركيزهن على التجربة المنزلية واليومية للمرأة. هل يوجد في اليابان ما يمكن أن نسميه تقليدا متميزا للهايكو النسائي، أو حتى النسوي؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي يميزه تحديدا؟

صحيح أنه كانت هناك فترة شجعت فيها النساء على اتخاذ المطبخ -  وهو حيز مألوف لديهن - موضوعا لقصائد الهايكو، بهدف جعل هذا الفن أكثر قربا وتناولا. ومع ذلك، كانت هناك بالتأكيد نساء، حتى في تلك الحقبة، تجاوزن حدود المطبخ وكتبن قصائد عكست تجاربهن الحياتية الخاصة. وإذا عدنا إلى الوراء أكثر، وتحديدا إلى عصر ماتسوو باشو، نجد نساء استلهمن الإبداع من ذلك المعلم الكبير وسافرن في أنحاء البلاد لكتابة الهايكو وتعليمه. لذا أرى أنه من الضروري فهم هذا التاريخ، وأن تفكر النساء في ما يرغبن في التعبير عنه وكيفية ذلك عند إبداع قصائد الهايكو.

يصف النقاد ديوانك "سبعة غروبات" بأنه يعبر عن عالم حلمي. ما الذي يجذبك إلى إضفاء المشاعر والسلوك البشريين على أشياء تكتفي قصائد الهايكو الكلاسيكية عادة بذكرها، من دون أن تمنحها حياة أو حركة؟

يسود في اليابان اعتقاد بأن الحياة والروح لا توجدان في الحيوانات والنباتات فحسب، بل تحلان أيضا في عناصر الطبيعة وظواهرها، كالصخور والأحجار والأنهار والرياح. يعرف هذا المفهوم بـ"الإحيائية" (Animism)، إلا أنني أطمح إلى التعبير عن تلك الظواهر كلها كأنها جزء لا يتجزأ من ذاتي. وليس هناك ما يسعدني أكثر من أن تنجح قصائد الهايكو التي أنظمها في نقل ولو قدر يسير من ذلك الإحساس إلى القارئ.

غلاف "تاج من الورود"

الهايكو في العالم

غالبا ما يعزى انتشار الهايكو عالميا إلى مترجمي باشو، ثم إلى تبني شعراء حركة "البيت" لهذا الشكل الشعري في خمسينات القرن الماضي. هل أثر هذا التلقي الغربي للهايكو بدوره في نظرة الشعراء اليابانيين المعاصرين إلى تقاليدهم الشعرية؟

للأسف، لا يحظى شعراء "جيل البيت" (Beat Generation) بمعرفة واسعة في أوساط شعراء الهايكو اليابانيين. فعلى مدى عشرين أو ثلاثين عاما، عرفت من طريق محاضرات وكتابات الشاعر بانيا ناتسويشي أن فن الهايكو قد لاقى قبولا واهتماما في بلدان مثل الولايات المتحدة وفرنسا، وأن قصائد هايكو متميزة تنظم هناك.

قصائد الهايكو التي تكتب خارج اليابان غالبا ما تقابل بالتجاهل، إذ ينظر إليها باعتبارها شيئا مختلفا ومغايرا عن الهايكو الذي يبدعه اليابانيون أنفسهم

 ومع ذلك، يؤسفني القول إن قصائد الهايكو التي تكتب خارج اليابان غالبا ما تقابل بالتجاهل، إذ ينظر إليها باعتبارها شيئا مختلفا ومغايرا عن الهايكو الذي يبدعه اليابانيون أنفسهم.

حين يكتب الهايكو في لغة بعيدة عن الثقافة اليابانية وتقاليدها الشعرية، ما العناصر التي ترين أنه لا يمكن الاستغناء عنها، وما العناصر التي يمكن الشاعر أن يتحرر منها؟

في نهاية المطاف، لا أعتقد أن الكلمات الدالة على المواسم، أو عدد المقاطع الصوتية هي العناصر الأهم في قصيدة الهايكو. بالنسبة إلى المبتدئ، قد تكون الكلمات الدالة على موسم معين مفيدة في استحضار صورة أو إحساس بعينه عند نظم القصيدة، فهي بمثابة نقطة انطلاق، ذلك أنها تلمح إلى القصائد التي كتبت من قبل باستخدام الكلمة نفسها، أما بالنسبة لي فإنها تساعدني في اكتشاف الاتجاه الذي يمكن أن أسلكه في قصيدتي. وبدأت أدرك أخيرا أن الأهم لي هو أن أقدر كل كلمة وأن أختارها بعناية، وألا يقتصر اهتمامي على الكلمات الدالة على المواسم وحدها. صحيح أنني قد أستبعد، أثناء نظم قصيدتي، كلمات كثيرة بحثا عن التعبير الأدق عن شعور معين، لكن هذا لا يعني أن أتخلى عنها بلا تفكير، فالمسألة في النهاية تتعلق بحسن اختيار الكلمات.

ما الذي يبقى من قصائدك حين تترجم إلى لغات أخرى، وتفقد الأصوات والإيقاعات الخاصة باللغة اليابانية؟

ترجمت أعمالي إلى لغات مختلفة على مر السنين، ورغم وجود لغات عديدة لا أفهمها، إلا أنني آمل أن يكون جوهر قصائد الهايكو التي كتبتها قد وصل عبر كل منها. ففي هذه العملية، ثمة دائما ما يفقد وما يكتسب، وتتفاوت النتائج باختلاف المترجم، ولذا لا توجد طريقة واحدة صحيحة للقيام بذلك.

الهايكو يلتقي القرن الحادي والعشرين

شاركت في مهرجانات للهايكو والشعر في بلدان مختلفة. ما الذي وجدته لافتا في الطريقة التي يتلقى بها الشعراء خارج اليابان الهايكو، وفي الكيفية التي يطورونه فيها؟

لدى كل إنسان شيء يريد التعبير عنه، ولذلك ينتقي كلماته بعناية، ساعيا إلى أن يقول الكثير بأقل عدد ممكن منها، وبأكبر قدر من الدقة.

الأهم بالنسبة لي هو أن أقدر كل كلمة وأن أختارها بعناية، وألا يقتصر اهتمامي على الكلمات الدالة على المواسم وحدها

 ورغم أن كثيرا من اليابانيين يميلون إلى نظم قصائد هايكو وهم يشعرون بقيود "الكيغو" (الكلمات الدالة على الفصول)، فمن الرائع أن أرى هؤلاء الشعراء يسعون بدلا من ذلك إلى صقل أساليبهم التعبيرية الخاصة، لينقلوا ببراعة مشاعرهم الشخصية من حزن وفرح وروح دعابة.

SKamakura-facebook
الشاعرة سايومي كاماكورا

الما والكيرجي

هل تحرصين على استحضار مفهوم "الما" ma في قصائدك عن وعي وقصد، أم أنه يتشكل فيها بصورة عفوية أثناء الكتابة؟

أثناء نظم قصيدة الهايكو، تكتسب "الما" (أي الوقفة، أو الفاصل الزمني) التي تتشكل بين الكلمات أهمية بالغة. وبالنسبة لي، أحاول استثمار الإيقاع الياباني من خلال إيلاء اهتمام واع لهذه الوقفة، وأشعر بسعادة غامرة حين ينجح الأمر.

يتحدث أحد النقاد عن استخدامك الخاص لكلمة القطع المنطوقة (kireji) في قصائدك. ماذا تفعل كلمة القطع تحديدا داخل الهايكو، وكيف تستخدمينها بطريقة تختلف عن الشعراء الآخرين؟

أعتبر "الكيرجي" عنصرا جوهريا لاستثمار الإيقاع المتأصل في اللغة اليابانية، ولإحداث وقفة أو مساحة فاصلة بين الكلمات، إذ يحدث استخدام "الكيرجي" صدعا واسعا، أو بتعبير آخر - وإن كان في ذلك شيء من المبالغة -  هوة سحيقة بين الكلمات.

 وآمل أن تحفز هذه الفجوة القارئ على التوقف للحظة، أو تتيح لأجنحة خياله التحليق بعيدا نحو آفاق أرحب. أما في قصائد الهايكو التي أكتبها، فقد يكون من الأدق القول بوجود فسحة واسعة بين الكلمات، بدلا من النظر إلى الأمر حصرا باعتباره "كيرجي".

قيود وآثار

يعمل الهايكو ضمن قيود صارمة، من حيث عدد المقاطع الصوتية واختزال التعبير. ما الذي يستطيع الهايكو، تحديدا بفضل هذه القيود، أن يحققه ولا تستطيع الأشكال الشعرية الأخرى أن تفعله؟

آمل أن يترك الأثر الناجم عن اجتماع الكلمات في قصيدة الهايكو الواحدة صدى في نفس القارئ ويحرك مشاعره، ومع ذلك، أنا لا أستخدم في الحقيقة لغة تتسم بالقسر أو الحدة المفرطة لإحداث هذا الأثر.

ما الذي يقدمه لنا الهايكو والشعر بعامة في عصر تدفق نهر المعلومات، والضجيج الرقمي الذي لا ينتهي، وغرق الحقيقة في المياه الرقمية العكرة؟

ما يقدمه هو أنه يساعد الإنسان في أن يتأمل أعماق قلبه في هدوء، ويسأل نفسه: من أنا؟ ولماذا أعيش؟

أشعر بأن الناس سيحتاجون، من الآن فصاعدا، إلى مزيد من هذا التأمل الذي يتيح لهم أن يتوقفوا مع أنفسهم ويقرأوا ذواتهم

أشعر بأن الناس سيحتاجون، من الآن فصاعدا، إلى مزيد من هذا التأمل الذي يتيح لهم أن يتوقفوا مع أنفسهم ويقرأوا ذواتهم.

إذا كان بإمكانك أن تورثي شيئا واحدا فقط مما تعلمته عن الهايكو خلال أربعة عقود، إلى من سيخلفك في مجلة "جينيو"، أو إلى أي شاعر شاب، فما هو هذا الشيء؟

لم أصل إلى تلك المرحلة بعد، وقد يبدو كلامي متعاليا بعض الشيء، لكن بإمكاني أن أشدد على أنه من المهم أن نفهم الكلمات بأبعادها ومعانيها كلها.

font change

مقالات ذات صلة