اليمن بين أميركا وإيران... سباق الوساطة والتصعيد

الخشية من تصعيد حوثي أوسع يضاعف معاناة تعز ويهدد أمن الخليج والملاحة في باب المندب

المجلة
المجلة

اليمن بين أميركا وإيران... سباق الوساطة والتصعيد

لا بد أنه السباق مع الزمن لمنع انزلاق الشرق الأوسط، واليمن جزء أساسي منه، إلى ما هو أسوأ مما شهده خلال جولات الحرب السابقة بين إيران من ناحية والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ثانية. يحدث هذا في وقت تحاول الدبلوماسية القطرية بذل مساعيها التي قد تكون الأخيرة أملاً في خلق فرصةٍ لتفاوض غير مباشر بين أميركا وإيران، رغم تبادل الطرفين الإيراني والأميركي مطالب تعجيزية من بعضهما لا يمكن النظر إليها على أنها نوعٌ من المناورة المتعارف عليها قبل بدء أي عملية تفاوض.

فالمشهد كله اليوم مختلفٌ، والمسألة الآن ليست مجرد زوبعة صغيرةٍ في فنجان السياسة والإعلام. طهران تقول إنها مستعدة لهذه المواجهة، فقد أصدر "المرشد" الإيراني، مجتبى خامنئي، أوامر لقادة جيشه بالرد "المباشر والفعال دون قيود جغرافية مع تحديث بنك الأهداف"، فيما يقول وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي في أكثر تصريحاته غير الدبلوماسية حدةً وتشدداً إن "قواتنا ستوجه ضربة مدمرة لمن يجرؤ على مهاجمة بلادنا، ولا خطوط حمراء بعد الآن".

ومن جانبهما أكملت واشنطن وتل أبيب استعداداتهما العسكرية لتوجيه الضربة الأقوى لطهران، ولم تعد التصريحات المراوغة للرئيس دونالد ترمب أساسا يمكننا أن نبني عليه التوقعات، أو قادرة على التمويه عن تحركات الجيشين الأميركي والإسرائيلي وجاهزيتهما للضغط على الزناد فهذا الأمر بحكم الشواهد العملية والدلائل الميدانية بات شبه مؤكد سواء تم بالتزامن أو التوالي.

أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة، في 28 يوليو 2026

استعدادات إيران للحرب قد لا تعني أن تقديرات طهران للموقف في غير محلها، فوجود 50 ألف عسكري أميركي و20 سفينة حربية في المنطقة، بتكلفة للعمليات تتراوح بين مليارين وثلاثة مليارات دولار شهرياً ليس بهدف إقامة حملة محدودة، ولكن لبلوغ ما لم تحققه الحملات الجوية السابقة من أهداف، أقلها هذه المرة، بحسب التصريحات الإسرائيلية والأميركية، إزاحة الكابوس النووي لإيران بشكل نهائي حتى لو كلف ذلك إعادتها نصف قرنٍ إلى الوراء، أي إيران بلا أنيابٍ ولا مخالب ودون أذرع على كل الصعد الأيديولوجية والعسكرية والاقتصادية.

إذا حدثت الحرب، قد لا تكتفي بلدان المنطقة بمجرد ممارسة حقها في الدفاع عن النفس بل إلى الرد والردع في إطار هذا الحق المكفول لها في القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة

هنا ليس من الحكمة تجاهل تهديدات الخصم الإيراني على الرد بما يتيسر من قدرات للوحش الجريح المحاصر إذا لم يكن من الانتحار والموت بد. وهذا ما قد لا تُلقي له بالاً كلٌ من تل أبيب وواشنطن إلا أنه لا يبدو كذلك بالنسبة لحلفاء الولايات المتحدة الآخرين في منطقة الخليج حيث أدرجت إيران وفقا لما نقلته شبكة "سي إن إن" الأميركية عن مسؤول أمني كبير أن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في المنطقة "ضمن قائمة أهداف محتملة لضربات انتقامية في حال تعرضها لهجمات أميركية أو إسرائيلية". وأضاف المسؤول الإيراني قوله: "إن استهداف البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد يخلف عواقب تتجاوز أزمة الطاقة ومضيق هرمز، ويمتد تأثيره إلى العالم"، وأن تجدد الصراع سيحوله إلى حرب مفاجآت طويلة الأمد، "لن تتبع خلالها إيران، سلوكاً يمكن التنبؤ به" على حد قوله.

ولكن ما احتمال هذا؟ وما قدرة دول الخليج العربية على التعامل معه خصوصاً إذا واجهت هذه الدول هجمات مزدوجة عليها من جهات ثلاث، إيران مباشرة وبواسطة الفصائل الشيعية في العراق ومن خلال الميليشيات الحوثية في اليمن؟

الدبلوماسية القطرية في سباق مع طبول الحرب بين واشنطن وطهران

في اليمن يتابع مراقبون تطورات ما يجري في المنطقة وذلك في ظل الحرب التي تعانيها بلادهم ولكن دون اكتراث لافت به فالجحيم اليومي الذي تمر به حياتهم اليومية يجعل اهتمامهم ينصب أكثر على مستقبل الوضع في بلادهم والانعكاسات المحتملة لتجدد المواجهة المسلحة بين واشنطن وطهران عليها. وفي دول الخليج، كان التوتر المتصاعد بين طهران والحليفين الأميركي والإسرائيلي يطغى على نقاشات النخب السياسية ووسائل الصحافة والإعلام في المنطقة حيث يؤخذ هذا التوتر على محمل الجد عند كل حكوماتها التي لا بد أنها تستعد لمثل هكذا تهديدات سواء من خلال الاستعانة بحلفائها أو بما تقدر عليه بإمكاناتها الذاتية.

رويترز
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يلتقي أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في موسكو، روسيا، 27 أكتوبر 2026

من المؤكد أن دول المنطقة، تظل تراهن على إمكان أن تحقق الجهود الدبلوماسية الاستثنائية المبذولة حالياً من قبل الحكومة القطرية قدراً من التهدئة وخفض التصعيد وتأجيل الصدام العسكري المتزايد الاحتمالات، رغم أن المواقف بين الجانبين، الإيراني والأميركي، لا تزال متباعدة، وشبح شيطان التفاصيل لن يختفي وسوف يظل متربصاً تحت طاولات التفاوض في حال تم البدء فيه وأخذ الطرفان يخوضان في الملفات الخلافية الأكثر تعقيداً.

ولكن إذا حدثت الحرب، وهي ما لا يتمناه أحد، فقد لا تكتفي هذه البلدان بمجرد ممارسة حقها في الدفاع عن النفس بل إلى الرد والردع في إطار هذا الحق المكفول لها في القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. والإشارات التي يطلقها مختلف الأطراف المعنية عن تقدم في المساعي القطرية وأجواء "إيجابية" تسود اتصالات الدوحة بالطرفين الإيراني والأميركي لا تحمل وحدها على التفاؤل فهي أمرٌ روتيني واعتيادي في مثل هكذا مناخات دبلوماسية تفاوضية، لكنها لا تغير شيئاً في واقع الاستعدادات العسكرية التي تتقدم بسرعة واضحة نحو المواجهة ولا تكفي لمنع حدوثها أو حتى مجرد تأجيلها، فمئات الملايين من الدولارات التي يتم إنفاقها على هذه التجهيزات ليس منطقياً أن يتم صرفها بهدف التوصل إلى اتفاق كان ممكناً، إذ لو كان هناك مجالٌ لهذا لما جرى تخصيص كل هذه الأموال لتحريك ثلاثٍ من حاملات الطائرات وحشد ونقل عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين إلى محيط المنطقة.

اليمن أجمع يتخبط جراء "حرب التصعيد" التي أعلنها الحوثيون مع الداخل والخارج بلا هوادة أو حدود وضوابط خصوصاً في محافظة تعز، إلا أن هذه المحافظة تظل الجبهة التي تدفع الكلفة الأعلى لهذه الحرب

المواقف على طاولات التفاوض بين واشنطن وطهران ليست فقط متضادةً أو على طرفي نقيضٍ فحسب بل متجابهة حد الاشتباك بكلمات التهديد والوعيد وذلك من قبل تبادل إطلاق النار في ساحات القتال، فطهران التي تشترط وقفاً للحرب قبل أي تفاوضٍ وتعلن رفضاً مطلقاً لمناقشة ملفها النووي مع واشنطن تقابلها الأخيرة برفض أي تفاوض معها لا يكون البرنامج النووي لطهران في صلب ملفاته، ومع واشنطن يتفق أغلب دول العالم وقواه الرئيسة في الغرب على أنه لا يجب السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي.

أ.ف.ب
مقاتل موالٍ للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً يطلق النار من سلاح مثبت على شاحنة صغيرة باتجاه موقع على خطوط المواجهة مع الحوثيين، في محيط جبل الميدان بمحافظة تعز غربي اليمن، 26 أكتوبر 2026

الهوة إذن شاسعة بل وسحيقة ولا يمكن ردمها أو جسرها ببساطة وسهولة لا بالتفاوض المتحذلق غير الجاد ودون توفر الإرادة الشجاعة والاستعداد الحقيقي لتحمل آلام التنازل المتبادل ولا بالقتال بين موقفين، إيراني يرى في الاحتفاظ بمشروعه النووي معركته المصيرية، وأميركي لا مشكلة لديه في أن تكون المواجهة المتوقعة مجرد معركة في حرب مفتوحة أو جولة في صراع لا مانع لديه في أن يطول، لكن المشكلة في كلتا الحالتين أن طهران تدفع ثمن ذلك من نخاع عظم اقتصادها ومقدراتها، أما واشنطن فهي تدفع ثمن ذلك من فائض الثروة والقوة وليس من رأس المال.

ما علاقة هذا بما يجري في اليمن؟

أما في ما يتعلق بالحرب في اليمن، وهي أخطر التحديات أو الأعراض الجانبية المحلية للصراع الإيراني-الأميركي كما يراها ترمب، فبرغم إصرار الميليشيات الحوثية على ربط هذه الحرب بالسعودية مع إدراكها أن أزمتها الحقيقية، في جوهرها، هي مع اليمن واليمنيين لا مع السعودية، لكنها مع هذا تعمد على نحو أوضح إلى تركيز معظم مجهودها الحربي على مضيق باب المندب في محافظة تعز تحقيقاً للأطماع الإيرانية في المضيق. هذا أيضاً ما يؤكد بشكل قاطع على ارتباط هذه الحرب بالصراع الأوسع بين الخصمين اللدودين، إيران والولايات المتحدة الأميركية، ويمثل اشتداد حرب الحوثيين الإيرانية، بالقرب من مضيق باب المندب في محافظة تعز اليمنية وتكرار اعتداءات ميليشياتهم على السعودية مؤشراً لقياس درجة الحمى التي تعيشها طهران في استماتتها للعودة إلى هدا المضيق الاستراتيجي بأي ثمن وفي أسرع وقتٍ ممكن لعل ذلك يمنحها شيئاً من الأفضلية خلال المواجهة المرتقبة مع الولايات المتحدة.

صحيح أن اليمن أجمع يتخبط جراء "حرب التصعيد" التي أعلنها الحوثيون مع الداخل والخارج بلا هوادة أو حدود وضوابط خصوصاً في محافظة تعز، إلا أن هذه المحافظة تظل الجبهة التي تدفع الكلفة الأعلى لهذه الحرب وتتحمل إيران ووكلاؤها الحوثيون دون سواهما القسط الأكبر من المسؤولية عن كل ما يتم ارتكابه في هذه المحافظة واليمن كله.

لهذا السبب وغيره لا يأبه أغلب اليمنيين لما تواجهه إيران اليوم من حصار عسكري وسياسي خانق ولا لما يمكن أن تؤول إليه مواجهتها المحتملة مع الولايات المتحدة وإسرائيل لكن هنالك في الواقع خشية من تعرض الحكومة اليمنية، لهجمات وضغوطٍ عسكرية أكثر خطورة قد تنشغل بمواجهتها وإن كانت هجمات الحوثيين عليها جزءًا لا يتجزأ من تلك المخاطر أيضاً.

font change

مقالات ذات صلة