شكلت انتخابات التجديد النصفي الأميركية في 3 نوفمبر/تشرين الثاني تحولا سياسيا كبيرا، بعدما نجح الديمقراطيون في انتزاع السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ من الجمهوريين، في خسارة انتخابية واسعة للحزب الذي يقود البيت الأبيض. وجاءت النتائج وسط استياء من ارتفاع تكاليف المعيشة، وتداعيات الحرب على إيران، وسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب التجارية، لتتحول الانتخابات إلى استفتاء على أداء إدارته خلال العامين الأولين من ولايته الثانية.
ولم تقتصر الخسارة على تبدل الغالبية داخل الكونغرس، إذ امتدت إلى معاقل جمهورية تقليدية. وفاز الديمقراطيون بمقاعد بارزة في ولايات مثل كانساس وتكساس وكارولاينا الجنوبية، في تحول عكس تراجع قدرة الجمهوريين على الاحتفاظ بقاعدتهم الانتخابية السابقة. ومع ذلك، لا تزال بعض السباقات، ومنها مقعدا مجلس الشيوخ في ألاسكا وميسيسيبي، تنتظر الحسم، مما يعني أن الحجم النهائي للغالبية الديمقراطية لم يتضح بعد.
حاول ترمب تقليل دلالة النتائج، قائلا إنه لم يكن مرشحا في الانتخابات، وإن الجمهوريين كانوا سيحققون فوزا كاسحا لو كان اسمه على ورقة الاقتراع. وأبدى استعدادا للعمل مع الديمقراطيين، لكنه أشار إلى أنه سيستخدم حق النقض ضد التشريعات التي يعارضها. كما حمّل أسعار الوقود المرتفعة وبعض المرشحين الجمهوريين مسؤولية جانب من الخسارة، مع إقراره بأن الحرب مع إيران أثرت في خيارات الناخبين.
أما نائب الرئيس جي دي فانس، فذهب أبعد في تشخيص أسباب الهزيمة، إذ حمّل الحرب مع إيران المسؤولية الأساس، معتبرا أن تكلفتها السياسية لا يمكن فصلها عن خسارة الجمهوريين السيطرة على مجلس الشيوخ لست سنوات مقبلة. ويكشف هذا الموقف عن تباين في قراءة أسباب الهزيمة داخل المعسكر الجمهوري، كما يضع الحرب والسياسة الخارجية في صلب النقاش حول مستقبل الحزب وقيادته.
تعني النتائج أن الرئيس سيدخل النصف الأخير من ولايته أمام كونغرس معارض، بعدما استفاد خلال العامين الماضيين من سيطرة حزبه على المجلسين لتمرير تشريعاته وتعييناته. وسيتمكن الديمقراطيون من رئاسة اللجان، وفتح تحقيقات في أداء الإدارة وقراراتها، واستدعاء مسؤولين ووثائق، فضلا عن تعطيل أو تأخير المصادقة على مرشحي الرئيس للمناصب الحكومية والقضائية، بما فيها أي شغور محتمل في المحكمة العليا.
وقد يواجه ترمب أيضا ضغوطا في شأن الحرب مع إيران، والرسوم الجمركية، والإنفاق الفيديرالي، والهجرة. ويمكن مجلس النواب، إذا توافرت له الأصوات، إطلاق إجراءات عزل الرئيس، لكن إدانته وإقالته تتطلبان موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ، وهو حاجز مرتفع سياسيا.
لكن خسارة الغالبية لا تعني فقدان ترمب سلطاته التنفيذية. فهو يحتفظ بحق النقض الرئاسي، وقيادة القوات المسلحة، وصلاحيات واسعة في إدارة السياسة الخارجية والهجرة والتجارة، وإصدار الأوامر التنفيذية. كما أن الديمقراطيين لا يملكون وحدهم القدرة على تجاوز الفيتو الرئاسي، الذي يتطلب إبطاله موافقة ثلثي أعضاء كل من المجلسين. وتظل غالبية التشريعات في مجلس الشيوخ خاضعة لقاعدة الستين صوتا لإنهاء المماطلة، مما يحد من قدرة الغالبية الجديدة على تمرير برنامجها منفردة.
لن تنتقل السلطة التشريعية فور إعلان النتائج. يستمر الكونغرس الحالي في ممارسة مهامه خلال الفترة الانتقالية، فيما تبدأ الغالبية الجديدة عملها رسميا في 3 يناير/كانون الثاني 2027، مع انعقاد الدورة الجديدة للكونغرس. وحتى ذلك الحين، يحتفظ الجمهوريون بالسيطرة على المجلسين، مما يمنحهم فرصة أخيرة لتمرير تعيينات وتشريعات قبل تسليم القيادة.
جاء رد فعل الأسواق متباينا في البداية، قبل أن تستعيد الأسهم الأميركية والعالمية مكاسبها مع اتضاح نتيجة الانتخابات. وتراجع الدولار، وانخفضت عوائد سندات الخزانة الأميركية، وهبطت أسعار النفط بأكثر من 8 في المئة في جلسة 4 نوفمبر/تشرين الثاني، وسط رهانات على أن التحول السياسي قد يحد من الإنفاق الحكومي ويخفف التوترات المرتبطة بالحرب مع إيران. لكن التراجع لم يقتصر على النفط، إذ تعرضت أسهم شركات التكنولوجيا والرقائق لضغوط بفعل مخاوف من تشديد الرقابة على مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.
ولا تعني هذه التحركات أن الأسواق حسمت تقييمها للتداعيات الاقتصادية. فالمستثمرون يواجهون احتمال تعطل التشريعات، والمساومات على الموازنة وسقف الدين، وتصاعد المواجهة بين البيت الأبيض والكونغرس. وقد يؤدي تراجع الإنفاق والتوترات التجارية إلى تخفيف بعض الضغوط التضخمية، لكن الجمود السياسي قد يعرقل معالجة ملفات اقتصادية ملحة.
