صباح الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني 2026، بدأت شاشات الشبكات الإخبارية الأميركية ترسم ملامح تحوّل في ميزان السلطة بواشنطن. لم تكن النتائج التي أظهرت فوز الديمقراطيين بالسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ مجرد تبدّل دوري في توزيع المقاعد، بل إيذان بمرحلة جديدة من الحكم المنقسم، تبدأ مع انعقاد الكونغرس الجديد: رئيس جمهوري في البيت الأبيض، تقابله أغلبية ديمقراطية في الكونغرس. غير أن تبدّل موازين القوة يطرح سؤالاً يتجاوز هوية المنتصر: هل منح الناخبون الديمقراطيين تفويضاً للحكم، أم استخدموا التصويت لهم وسيلةً لمعاقبة الجمهوريين وكبح الرئيس؟
من منظور علم الاجتماع السياسي، لا يكفي انتقال الأغلبية من حزب إلى آخر للاستدلال على تحوّل أيديولوجي في المجتمع الأميركي. فقد تعبّر النتيجة عن رفض أداء الحزب الحاكم أكثر مما تعبّر عن الثقة ببديله. وهنا تكمن إشكالية التصويت السلبي: أن يعرف الناخب مَن يريد معاقبته، من دون أن يجد بالضرورة مَن يثق بقدرته على تقديم البديل. وإذا صحّت هذه القراءة، فإن مكاسب الديمقراطيين لا تعني تجاوز أزمة الثقة، بل انتقال عبء مواجهتها إلى مؤسسات تتوزع السيطرة عليها بين الحزبين.
في هذا المشهد، تتداخل خيبات الأمل الاقتصادية مع الاستقطاب الاجتماعي والحزبي، فيما يفتح انقسام السلطة الباب أمام مسارين متنافسين: تسويات تفرضها الحاجة إلى إدارة الدولة، أو صدام تتقدم فيه معارك التعطيل والتحقيق على فرص التشريع. ولفهم أي المسارين قد يغلب، ينبغي النظر إلى ما وراء توزيع المقاعد، وتفكيك الدوافع الاجتماعية والسياسية التي حملت الناخبين على إعادة رسم حدود السلطة.
حين يصوّت الناخب ضد ما لا يريد
تطرح التحولات الانتخابية الأميركية المتعاقبة منذ عام 2016 سؤالاً عن طبيعة الدافع إلى التصويت: إلى أي مدى يختار الناخب مرشحاً اقتناعاً ببرنامجه، وإلى أي مدى ينتخبه لمنع خصمه من الوصول إلى السلطة؟ ليس المقصود أن البرامج والرؤى فقدت أثرها، بل إن رفض الطرف الآخر قد يصبح أكثر قدرة على التعبئة من الثقة بالمرشح الذي يمنحه الناخب صوته. عند هذه النقطة، يتحول الاقتراع من اختيار البديل المرغوب إلى محاولة تجنّب البديل الأكثر إثارة للخوف أو النفور.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة جانب من التأرجح بين الحزبين بوصفه تداولاً للعقاب الانتخابي، لا انتقالاً مستقراً في الولاء. ففي قراءة انتخابات 2016، يبرز سؤال الاحتجاج على المؤسسة السياسية التي مثّلتها هيلاري كلينتون؛ وفي قراءة انتخابات 2020، يبرز أثر رفض أداء ترمب وخطابه، إلى جانب التأييد الذي حظي به جو بايدن. أما العودة إلى ترمب في 2024، فتطرح بدورها سؤال خيبة الأمل من الإدارة الديمقراطية وقدرة الحزب على إقناع الناخبين باستمراره في الحكم. ولا تختزل هذه القراءة نتائج الانتخابات في سبب واحد؛ وإنما تلفت إلى احتمال أن يكون التصويت ضد الحاكم أحياناً أقوى من التصويت لمصلحة منافسه.
وفي ضوء هذه الفرضية، ينبغي الحذر من اعتبار مكاسب الديمقراطيين في انتخابات 2026 تفويضاً مفتوحاً لبرنامجهم، فضلاً عن اعتبارها تبنياً لأجندة الجناح اليساري داخل الحزب. فالفوز يثبت أن مرشحيهم نالوا أصواتاً كافية للانتصار، لكنه لا يكشف وحده مقدار ما حملته تلك الأصوات من تأييد لهم أو اعتراض على خصومهم. وقد تكون الرسالة الأوضح لدى قطاع من الناخبين هي الرغبة في تقييد الإدارة الجمهورية، لا منح الديمقراطيين ثقة غير مشروطة.
هنا يكمن مأزق التصويت النكائي: أن يلتقي ناخبون على رفض طرف، من دون أن يجمعهم تصور واضح لما ينتظرونه من الطرف الآخر. وإذا عجز الفائز عن تحويل هذا الرفض إلى ثقة، ظلت أغلبيته عرضة للتآكل، وعادت الانتخابات التالية مناسبة لمعاقبته. هكذا قد يتبدّل الحزب الحاكم، فيما تستمر أزمة التمثيل والثقة التي أسهمت في إسقاط سلفه.
