الآن، وبعد أن وضعت حرب الانتخابات النصفية أوزارها، حانت ساعة الحساب في الحزب الجمهوري بعد أن مني بهزيمة، ربما كانت متوقعة، لكن نطاقها ووقعها كان مذهلا للجمهوريين ومفاجئا ﻟلمحللين.
فقد ﺗﺟﺎوزت اﻻﻧﺗﺻﺎرات اﻟﺗﻲ حققها اﻟدﯾﻣﻘراطﯾون الحدود التقليدية لدوائرهم لتخترق المعاقل التاريخية للجمهوريين رغم ما فعلوه من إﻋﺎدة ﺗرﺳﯾم للكثير من الدوائر وﺗﺿﯾﯾق اﻟﺧﻧﺎق ﻋﻠﻰ ﻗطﺎع ﻛﺑﯾر ﻣن اﻟﻧﺎﺧﺑﯾن.
هذا الانتصار الساحق سيمكن الديمقراطيين في كلا المجلسين من كافة أدوات التحقيق والرقابة والتمويل الكفيلة بتكبيل يدي الرئيس دونالد ترمب خلال النصف الثاني من ولايته، علاوة على عرقلة التصديق على ترشيحاته للمناصب الهامة، بما في ذلك المحكمة العليا.
ويخرج الجمهوريون من هذه التجربة المريرة وقد أدركوا مدى العبء الذي بات ترمب يشكله على الحزب ومستقبله بل وتكاد مصالحهم تلتقي مع الديمقراطيين في العمل على كبح جماح السياسات المدمرة التي انتهجها، لاسيما فيما يتعلق بالشؤون الخارجية.
وحتى يتجاوز الجمهوريون هذه المحنة، ينصب تفكيرهم الآن على إعادة ترتيب أوراقهم والانفطام عن الولاء المطلق لرغبات الرئيس الذي لم يعد لديه ما يخشاه سوى حرصه على توريث سدنة "ماغا" القيادة الحزبية.
وقد تشهد المرحلة القادمة حالات انفصال عديدة عن الدوران في مجرة ترمب بعد أن تبين، وباعتراف منه ومن نائبه، أن سياساته لاسيما فيما يتعلق بالحرب مع إيران والتقارب مع روسيا والدعم المطلق لحكومات إسرائيل، إلى جانب أسلوبه، كانت السبب الرئيس وراء هزيمة الجمهوريين.
بل إن رئيس اللجنة القومية للحزب الجمهوري ريتشارد هودسون نفسه، والمنوط به الحفاظ على أغلبية حزبه بالكونغرس، لم ينج من المذبحة الانتخابية حيث مني بهزيمة مفاجئة أمام الديمقراطي ريتشارد أوخيدا في نورث كارولينا التي طالما ظلت واحدة من قلاع الجمهوريين. وكان من بين نقاط الضعف التي استهدفه منها خصمه الديمقراطي دعمه المطلق لسياسات ترمب، خاصة تأييده للحرب على إيران. وفاز المرشح الديمقراطي رغم كل ما يتمتع به هودسون من علاقات سياسية ودعم من مليارديرات الحزب ومؤازرة المؤسسة الحزبية نفسها، ورغم أنه أمضى سبع دورات متتالية ممثلا لدائرته في مجلس النواب.
وفيما يعيد الحزب الجمهوري حساباته ويخطط لخوض الانتخابات الرئاسية والنصفية القادمة عام 2028، قد يجد أن ترمب نفسه أصبح عقبة أمام وضع برنامج جديد يتلافى فيه بعض السياسات التي كبدت الحزب هذه الخسائر والتي أصبحت من ملامح ميراث ترمب، وهي الحرب الباهظة التكاليف، والارتباك الاقتصادي الناجم عن التعريفات الجمركية المتفاوتة والمتقلبة التي فرضها، وشبهات الفساد التي تحوم حول المعاملات التجارية لأفراد من عائلته.
وفيما اجتاحت الموجة الزرقاء ولايات شديدة الاحمرار مثل تكساس وساوث كارولينا وأيوا وكنساس، ألقى ترمب ومساعدوه باللوم على قناة "فوكس" الإخبارية بسبب استضافتها للديمقراطيين، على حد قوله، وأيضا على المرشحين بسبب "كسلهم" و "تقاعسهم" وتواكلهم على الرئيس الذي ادعى أن الحزب كان سينجح لو أنه- أي الرئيس- هو المرشح. كما ذهب بعض الموالين للرئيس إلى حد إلقاء اللوم على الكونغرس ذي الأغلبية الجمهورية الذي قالوا إنه لم يفعل شيئا يتعلق بتحسين مستويات المعيشة للأميركيين. وربما ينطوي هذا على بعض الحقيقة، إلا أن الكونغرس يتحرك بإيعاز من الإدارة التي يفترض أنها على اتصال بالشعب الذي انتخبها كما انتخب أعضاء الكونغرس. بيد أن الواقع هو أن الكونغرس الجمهوري ظل متصلا بالبيت الأبيض ومنفصلا عن الجماهير ولم يسن تشريعا واحدا لصالح الطبقة المتوسطة والفقيرة.
وإذا واصل الجمهوريون السير على نفس المنوال خلال ما تبقى من ولاية ترمب، فإن خسارتهم القادمة في انتخابات 2028 ستكون أكبر وأشد قسوة.
ومن ثم فإنهم في حاجة إلى النظر في المرآة ومواجهة الواقع والاستماع إلى ناخبيهم ووضع سياسات ملموسة تغير حياتهم للأفضل.



