طهران تمد يدها لـ«الشيطان الأكبر» في ميونيخ

برعاية الاستخبارات الألمانية..

نائب الرئيس الأميركي بايدن أثناء إلقائه كلمته في المؤتمر

طهران تمد يدها لـ«الشيطان الأكبر» في ميونيخ

برلين: رغم النفي المتبادل، إلا أن هناك مؤشرات على عقد محادثات سرية بين ممثلي كل من الولايات المتحدة وإيران برعاية ألمانية، أثناء انعقاد مؤتمر ميونيخ مؤخرا وكانت أفغانستان هي كلمة السر في التقارب الذي حدث بين البلدين، حيث يبحث أوباما عن شرطي لمنطقة بحر قزوين، ووجد ضالته في إيران التي وجدت في العرض الأميركي فرصة للخروج من العزلة الدولية التي خسرت من جرائها الكثير. كما أنها ستزيد من نفوذها كقوة إقليمية تطول أنيابها يوما بعد يوم. بما يجعلها في غنى عن البرنامح النووي الذي لم يجر عليها إلا الويلات حتى الآن.

وقد احتوت حقيبة المفاوض الإيراني على تنازلات غير مسبوقة، إضافة إلى عتاب رقيق احتوى عليه الخطاب المعلن طالبا مراجعة السياسات التي تم التعامل بها مع بلاده.

بداية  الحوار كانت في فتح قنوات الاتصال الخلفية، فقد التقى فريق أوباما الأمني مع مسؤول إيراني في جنيف، وهو صادق خرازي المقرب من المرشد علي خامنئي، وتباحث معه حول إمكانية بناء تفاهمات جديدة وتجاوز العقد في العلاقات الثنائية، خاصة أن هذا المسؤول كان قد أشرف على تفاهمات إيرانية مع «سي آي إيه»بداية الحرب على أفغانستان وقبل احتلال العراق. والأمر الثاني في اللقاءات الأمنية الإيرانية - الأميركية في العراق التي أشرف عليها روبرت غيتس وزير الدفاع الأميركي، وهو ذو علاقة سابقة مع إيران، والثالث تصريحات المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة سوزان رايس، حول اعتماد الحوار الدبلوماسي مع إيران، والوساطة الألمانية ومبادرتها للحوار مع طهران، حيث أشرفت المخابرات الألمانية على ملف الأسرى لحزب الله، وكانت لها حوارات خاصة مع المسؤول الأمني. في السفارة الإيرانية في بيروت.

الحراك الإيراني في الأيام القادمة بدأ للتو في التعاطي مع السياسة الأميركية، فوزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي رحب بالحوار الدبلوماسي، ولكن بشروط، وذلك على هامش مؤتمر دافوس الذي عقد مؤخرا، ورئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني أعلن عن استعداد طهران لبحث ملفها النووي مع واشنطن. وأضاف: «بشروط». وفيما يتعلق بالداخل الإيراني يتوقع فوز محمد خاتمي في الانتخابات الإيرانية القادمة على الرئيس أحمدي نجاد، كبادرة إيرانية للتعامل مع العالم بأسلوب مختلف عن طريقة نجاد المعروفة.

كل المعلومات تشير إلى أن لقاء سريا عقد على هامش مؤتمر ميونيخ الدولي للسياسة الأمنية بين علي لاريجاني كبير المفاوضين الإيرانيين من ناحية، وجو بايدن نائب الرئيس أوباما وجيمس جونز مستشار الأمن القومي الأميركي من ناحية أخرى. وتم عقد هذا اللقاء برعاية الاستخبارات الألمانية، في إطار مساعي برلين للتوسط لبدء حوار بين واشنطن وطهران، هذا اللقاء رتبته الاستخبارات الإيرانية منذ فترة ثلاثة أشهر عندما سعت لعقد لقاء بين فريق أوباما الأمني ومسؤول إیراني في جنیف اتفق حينها على أن تطلق ألمانيا مبادرة لمعالجة أزمة الملف النووي الإيراني، وقد اشتملت المبادرة الألمانية على ضمان تقديم إيران بصورة مقبولة للمجتمع الدولي وعقد علاقات دولية مميزة معها مقابل التخلي عن البرنامج النووي المثير للجدل.

يضاف إلى هذا بحث التعاون بين البلدين، فيما يتعلق بالملف الأفغاني، حيث ترغب الولايات المتحدة في أن تلعب إيران دور الشرطي في منطقة بحر قزوين، كما سبق أن لعبته في الخليج العربي، وهذا الشرطي مدجج بأسلحة عسکرية لوجستية تجعله لا يحتاج لأسلحة نووية، وهو ما وضح من خطاب لاريجاني أمام المؤتمر الذي يشي بإمکانية استغناء بلاده عن هذا البرنامج الذي تسبب لها في أضرار جمة قبل أن يبدأ. وتسعى واشنطن لإطلاق يد إیران في أفغانستان للخروج من  المأزق الذي تعاني منه القوات الأميركية وقوات الناتو. وفي المقابل تقدم أميركا الضمانات التي تراها طهران مناسبة بعدم تعرض الأخيرة لأية تهديدات من جراء الوجود الأميركي في أفغانستان وبهذا يغلق ملف الدعم الإيراني للجماعات المنشقة في افغانستان، بغرض استنزاف القوات الأميركية وضمان عدم تهديدها، وفي نفس الوقت تنجو طهران من فخ مجلس الأمن الذي ينتظر نتائج تقرير البرادعي خلال أيام. كما بحث الجانبان بعض القضايا المشتركة، ومنها العراق وتأمين احتياجات أميركا من النفط الإيراني.

ومن جانبه قدم لاريجاني شروط بلاده لبدء محادثات رسمية ومد يدها لإدارة أوباما التي بادرت بعرض الحوار. ووضع الإطار العام لهذه الشروط في ضرورة تغيير سياسة العصا والجزرة التي تستخدمها أميركا مع بلاده. يضاف إلى هذا توفير ضمانات بعدم تحريض إيران لأية تهديدات نتيجة الوجود الأميركي والدولي في دول الجوار. کما طالب بنصيب بلاده من الكعکة الأفغانية بأن يتم توسيع دائرة سيطرة الفصائل الموالية لطهران في أعقاب تقارير أمنية تشير إلى أن الرئيس الأفغاني حميد كرزاي بات غير مناسب، وفقا لوجهة النظر الأميركية.

فتش عن أفغانستان

يعتبر الملف الأفغاني هو الأكثر تعقيدا في أجندة أوباما، بعد أن تم حسم الملف العراقي. وقد صرح جيمس جونز مستشار الأمن القومي الأميركي بأن بلاده في حاجة إلى استراتيجية جديدة وشاملة للتعامل مع الوضع في أفغانستان، وقال على هامش مؤتمر ميونيخ، إن حلول الأزمة التي تعيشها واشنطن في أفغانستان لن تكون من جانب واحد. وإنما من خلال أطراف متعددة. أما مایكل مولن قائد القوات المشتركة في أفغانستان فقد أعلنها صريحة بأن الطريق لحل أزمة أفغانستان يمر عبر إيران. وقال إنه يفضل حلا إقليميا للأزمة يتضمن إيران على الرغم مما تفرضه طموحات إيران النووية من صعوبات. ووضح أن إيران دولة حدودية مع أفغانستان، ويمكن أن تقوم واشنطن بالتحاور معها وإیجاد اهتمامات متبادلة وتعکس تلك التصريحات بيانا مشابها لشيفر الأمين العام لقوات حلف الناتو، وديفيد بترايوس قائد القوات الأميركية في الشرق الأوسط.

ومن جانبه يری المحلل الأفغاني أحمد رشيد أنه لن يمكن تحقيق الاستقرار في أفغانستان دون الاستعانة بإیران. وأضاف أن تدخلها سیزید الضغط على باكستان والدول المجاورة للتعاون مع كل من قوات حلف الناتو، والقوات الأميركية في المنطقة. يضاف إلى هذا أن إيران ستكون معبرا آمنا للإمدادات الأميركية وإمدات الناتو نظرا لوجود موانئ کبری على بحر قزوين ولكن المراقبين يعتبرون مرور إمدادات عسكرية عن طريق إيران مستبعدا إلى حد ما، ولا تمانع الحكومة الأفغانية، حيث صرح داود مراديان المستشار البارز في وزارة الخارجية الأفغانية بأنه إذا ما استقرت العلاقة بين واشنطن وطهران فإن الأمور ستتحسن کثيرا في أفغانستان، واعتبر إسهامات إيران بناءة وإيجابية في القضاء على طالبان.

يأتي هذا في الوقت الذي لا تغيب فيه إيران عن مسرح الأحداث في أفغانستان، فقد صرح دبلوماسي من حلف الناتو أن ثمة تناميا لنفوذ الدولة الشيعية داخل جارتها السنية، حيث تظهر عبوات ناسفة إيرانية الصنع في الأراضي الأفغانية ويعتقد أن عناصر من الحكومة أو الجيش الإيراني تقوم بتقديم تلك العبوات.

وثمة هدف آخر ترمي إليه واشنطن بحوارها مع طهران، هو القضاء على استراتيجية الاستنزاف التي تتبعها إيران حيت تدعم الجماعات المنشقة في أفغانستان لإنهاك القوات الأميركية، واستخدام تلك الجماعات كقوة يمكنها أن تعوق أي نية للتدخل العسكري على خلفية البرنامج النووي، ومن المرجح أن يقابل العرض الأميركي بقبول إيراني، نظرا لأنه يوجد اتفاق جوهري في مواقف البلدين بالنسبة لأفغانستان التي أصبحت مسرحا حقيقيا لتلاقي المصالح المشتركة للبلدين، بحسب تحليل نشرته صحيفة «كريستيان ساینس مونيتور»، يشير إلى الدور البارز الذي سبق أن لعبه تحالف الشمال الذي تدعمه إیران في تسهيل غزو أميرکا  لأفغانستان وإسقاط نظام طالبان، وثمة أهمية اقتصادية لطهران تتمثل في أنها إذا قررت وقف تصدير السلع لكابول فإن الأسعار سترتفع بصورة كارثية كما يشير رئيس الغرفة التجارية في محافظة هيرات، وبهذا يبرز الدور الإيراني في مثلث الأمن والاقتصاد والتجارة، ما يجعل التعاون معها مكسبا لواشنطن التي تريد الخروج من مستنقع أفغانستان.

محمد خاتمي

تفاصيل مشاركة المفاوض الماكر

لم يكن مدرجا مشاركة علي لاريجاني كبير المفاوضين السابق ضمن الوفد المتجه إلى ميونيخ، ولكن الفريق الأمني المتمرس رأی أنه الشخص الأنسب في تلك المستجدات الدولية لحمل الرد الإيراني على العرض الأميركي، وطالب هذا الفريق باتخاذ الحذر فيما يتعلق بالسياسات الخارجية، محذرين من أن تشدد نجاد قد يجر على البلاد ويلات يمكن بقليل من الحكمة تلافيها. ونجح الساسة، الذين أصبحوا فيما بعد برغماتيين في إقناع خامنئي بأن يكون لاريجاني هو واجهة بلادهم لدى المجتمع الدولي لا سيما في ظلل التغيرات التي تشهدها الساحة العالمية في إطار التغير في السياسة الأميركية، خاصة أن لاريجاني كان مسؤولا سابقا عن الأمن القومي الإيراني والملف النووي وعالم بكافة تفصيلاته. ولكن صقور إيران لم ترق لهم تلك الوفادة وبدأ المحافظون المتشددون في إبداء مخاوفهم من عدم تمكن كبير المفاوضين السابق من إرضاء طموحاتهم في المحادثات مع «الشيطان الأكبر»، بعد ثلاثين عاما كاملة من العلاقات المتوترة على المستوى العلني على أقل تقدير، ومن جانبه بدأ نجاد العمل على تعطيل مهمة غريمه اللدود لاريجاني، بأن أطلق موجة تصريحات تدل على مضي إيران قدما في تشددها بخصوص الملف النووي. ولم يجد حرجا في التعرض للسياسات الأميركية  بالانتقاد، فيما تتعالى هتافات الجمهور بسقوط أميركا، ونتيجة لضغوط المتشددين تقرر عدم مشاركة لاريجاني في الوفد، واعتذر قبيل بداية فعاليات المؤتمر بساعات قليلة، بسبب وعكة صحية ألمت به. كما أشارت وكالات الأنباء.

وتشير تقارير إعلامية إلى اتصالات أجرتها برلين مع طهران للرجوع عن قرار عدم مشاركة المفاوض الشهير، يضاف إلى هذا الضغوط التي مارسها الجناح المعتدل بين صفوف المحافظين، ليتوجه لاريجاني إلى ميونيخ، وكان التراجع عن القرار مشروطا بأن يحمل خطابه ولقاءاته لهجة ترضي المتشددين في إيران الرافضين لأية مفاوضات مع الولايات المتحدة. وكذلك أن يعلن لوسائل الإعلام أنه لن يلتقي أي مسؤولين أميركيين، وأن تتم أية محادثات بصورة سرية، وبالفعل صرح قبيل مغادرته طهران بأن رحلته إلى ألمانيا لا تتعدى المشاركة في جدول المؤتمر فحسب، دون إجراء أية محادثات توقع البعض حدوثها بعد مبادرة أوباما وإعلانه عن رغبته في إجراء محادثات مع إیران. کما أن الخطاب الذي ألقاه أمام المؤتمر، والذي يعتبر إيجابيا إلى حد کبير، على حد تعبير مستشار الأمن القومي الأميركي، اشتمل على انتقاد لسياسة الولايات المتحدة تجاه بلاده ولكن شتان بین خطابه وخطاب نجاد، فالأول لا يعدو كونه عتابا مهذبا، إذ يحمل في طياته بوادر طيبة للتعاون بين الدولتين، حيث إن المطالب الإيرانية ليست مستعصية على التنفيذ، فهي تتلخص في تغيير سياسة الترهيب التي تمارسها واشنطن ضد طهران فيما يتعلق بالملف النووي.

غزل متبادل يسبق المحادثات

وجاءت خطوة ميونيخ بعد أن غازلت كل من الدولتين الأخرى خلال الفترة الأخيرة.

من جهته أكد منوشهر متقي وزير الخارجية الإيراني أن بلاده مستعدة لدراسة المواقف والسياسات التي أعلنتها إدارة الرئيس أوباما. وأوضح- في معرض مشاركته في ندوة على هامش مؤتمر دافوس- أن أوباما سيحتاج إلى المزيد من الوقت لكي تتضح رؤيته للعديد من الحقائق الموجودة في العالم، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة يجب أن تغير سياستها بحيث يكون التغيير استراتيجيا، وليس تكتیكيا. وشدد على أن إیران لا تريد إثارة مشاكل للآخرين، بل تريد أن تعبر عن أهدافها ورغباتها بمنطق السلام والعدالة. واعتبر أن استئناف العلاقات مع واشنطن في ظل الظروف الجديدة يعد من الأهمية بمكان ولهذا فإن الإدارة الإيرانية تدرس تغير الموقف والسياسات الأميركية حتى يمكن إعلان موقف نهائي إلا أنه صرح أنه لا توجد أية خطة فورية للقيام بذلك في الوقت الراهن.

وجاء الترحيب الإيراني الحذر بعد أن أعلن أوباما أن بلاده تمد يدها للتعاون مع إیران، وتوالت التصريحات بعد ذلك من طاقم إدارته بهذا الصدد وأشارت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية إلى أن انفتاح الإدارة الأميركية الجديدة على الحوار مع طهران بات لا يقبل الشك. وأوضحت أن إيران لديها فرصة سانحة يجب أن لا تضيعها للانخراط بصورة مجدية في المجتمع الدولي، وهذا يشير إلى أن الرئيس أوباما قد رسم الاستراتيجية التي يجب انتهاجها تجاه إيران، على الرغم من أنه لم يعين بعد الأشخاص الذين يتولون إدارة الملف الإيراني بالكامل بحسب ما أكد جون وولفسثال خبير الحد من الانتشار النووي في مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية. وأضاف أن الكرة الآن في الملعب الإيراني فقد تقدم الأميركيون خطوة إلى الأمام، ولكن الكيفية التي سيتقدمون بها ستعتمد في المقام الأول على مسلك إيران وأنشطتها النووية. ولكن كان واضحا أن المبادرة الأميركية لفتح صفحة جديدة يكون الحوار عنوانها لم تنل استحسان كل الدوائر السياسية في إيران وفي مقدمة المعارضين يأتي رأس الدولة، حيث جدد الرئيس أحمدي نجاد هجومه على الولايات المتحدة وسياساتها، مستبعدا فكرة التحاور من الأساس. وبينما تلوح بوادر انفراجة في العلاقات بين البلدين صرح نجاد بأن بلاده مستعدة للتفاوض، ولكنها لن تتراجع عن استئناف مشروعها النووي، وهو ما ينسف أي مشروع للحوار.

 

احتراق ورقة نجاد

ويرى المحللون أن اختيار لاريجاني رئيسا للوفد الإيراني في ميونيخ له دلالاته على الوضع الداخلي في إيران، وعلى طبيعة العلاقة مع واشنطن في المرحلة المقبلة، ويشير المحلل الإيراني بهمان نيروماند إلى أن ثمة حالة من عدم الرضا عن سياسة نجاد الهجومية ومواقفه المتشدة. ليس من قبل الإصلاحيين فحسب بل إنها تقابل برفض المحافظين المعتدلين. ويشير إلى أن المرشد الأعلى علي خامنئي كان يحاول قدر استطاعته دعم نجاد، على الأقل بصورة شفهية، إلا أنه مند وقت قصير بدأ في التخلي عن دعم نجاد إلى حد کبیر، وهو ما یرجح وجود قرار بدعم الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي، بل إنه يسعى إلى تقييد رئيس الحكومة، حتى إنه تجاهل ممثلى الحكومة في المفاوضات مع الحكومة الروسية حول البرنامج النووي، وأرسل بدلا من ذلك علي أكبر ولايتي مستشار خامنئي للشؤون الخارجية.

ويظهر الخلاف الداخلي بشكل جلي في قيام الرئيس نجاد بإلقاء تصريحات نارية متزامنة في التوقيت مع خطاب لاريجاني الهادئ، حيث أكد الأول أن التوقف عن مواصلة البرنامج النووي يعتبر إهانة للجمهورية الإسلامية. وشدد على عزم بلاده على مواصلة البرنامج، ولن تؤثر في قرارها العقوبات ولا التهديدات الأميركية، ويبلغ الخلاف ذروته بإعلان وزارة الخارجية، بعد يوم واحد من خطاب نجاد، أن طهران مستعدة للتفاوض على كل شيء، كما أنها مستعدة لإيقاف عمليات تخصيب اليورانيوم. ويرى المحللون أن كل الظروف واتت لإقامة محادثات بين البلدين على هامش مؤتمر ميونيخ، فقد کان تمثیل كل منهما على مستوی رفيع، ما يمهد بشكل كبير للقاء يجمع مسؤولي البلدين.

ومن التاحية النظرية، فإن المؤتمر يعد فرصة مناسبة تماما لعقد مثل هذا اللقاء، فالمكان والزمان هما الأنسب؛ فالمكان هو ألمانيا التي تبنت الوساطة بين البلدين. أما الزمان فهو يأتي بعد ثماني سنوات عجاف للسياسة الأميركية والدولية، يسعى بعدها الرئيس أوباما لسد العديد من الجبهات التي أسهمت الإدارة السابقة في تركها على مصراعيها، وكان من الواضح أن الإجابة الإيرانية تشي بموافقة وترحيب باللقاء بالطرف الأميركي، وإن كان خطاب لا ريجاني قد احتوى على عبارات تحفظ ماء وجه طهران، فإنه في الوقت ذاته قدم ما يعتيره المحافظون تنازلات كبيرة. وفي بداية خطابه قام المفاوض الذي يعد من أكبر المدافعين عن البرنامج النووي بطمأنة المشاركين رفيعي المستوى من ممثلي الدول العظمی بأن بلاده لا تهدد إسرائيل ولا أوروبا ولا تدعم أي إرهاب. ثم قدم أولى بوادر حسن نية بلاده، بأن أعلن للمرة الأولى بصفته ممثلا رسميا لإيران أن بلاده سوف تقبل بتحديد سقف لعمليات تخصيب اليورانيوم بنسبة أربع درجات فقط، بما لا يتيح إلا إنتاج الوقود للمفاعلات النووية، حيث تحتاج صناعة القنبلة الذرية إلى يورانيوم مخصب إلى نسبة تصل إلى تسعين درجة. وأوضح أن هذا ليس عادلا. إلا أن طهران مستعدة للنزول عند رغبة مجلس الأمن حتى إلى هذا الحد، من أجل تحقيق السلام بحسب ما جاء في خطابه. وقدم لاريجاني البادرة الثانية، وهي قيام بلاده قبل یوم واحد من خطابه بإتمام نشر کل كاميرات المراقبة في المنشآت النووية. وكانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد طالبت بنصب تلك الكاميرات، ولكن إيران ماطلت وطالبت من جانبها بالاكتفاء بعدد معين منها، وبهذا الإجراء تمكنت الوكالة الدولية من مراقبة المنشآت الإيرانية بصورة مباشرة وبشكل مستمر. وأضاف لاريجاني أن كل المسائل المعلقة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية سيتم حلها خلال ثلاثة أسابيع فقط، ولكن المتشددين رأوا أن خطاب موفد بلادهم يقدم تنازلات لا داعي لها، ومن هنا طالب نجاد بانتظارأخبار قوية في التاسع من أبريل القادم؛ في إشارة لإعلانه دخول إيران نادي الدول النووية في ذات التاريخ من العام الماضي. ويرى المحللون أن نجاد لا يمتلك الصلاحيات للمجاهرة بتصريحات تخالف ما يراه المرشد الأعلى، ولكن المسألة لا تعدو كونها سيناريو معدا مسبقا بهدف خلق توازن بين التيارات المختلفة.

وفي إيران قد تختلف الآراء أحيانا، لكن الفيصل دوما يكون المرشد الأعلى الذي يكون رأيه هو فصل الخطاب. وفي الحالة الراهنة يسعى خامنئي لموقف يرضي التيارات المختلفة؛ فدعاة التقارب مع العالم الخارجي، لا سيما الولايات المتحدة، يجدون تحركات إيجابية تثير اهتمامهم، أما المتشددون فينتظرون مفاجأة نجاد الموعودة. ومن ناحية أخرى فإن طهران أصبح من الواضح أنها على استعداد لتنفيد ما وعد به لاريجاني، إذا وجدت المقابل مناسبا. لكنها في الوقت ذاته تريد أن تستغل المد الرافض كورقة على طاولة المفاوضات، حیث ستبدو کما لو کانت قدمت تضحيات كبيرة على غير رغبة الشارع.

الرئيس الأفغاني كرزاي يتوسط وزير الدفاع الألماني فرانس جوزيف ومستشار الأمن القومي الأميركي جيمس جونز في مؤتمر ميونيخ الأمني الخامس والأربعين

وساطة على الطريقة الألمانية

يتساءل الكثيرون عن سر اختبار هذا المؤتمر ليكون مسرحا للمحادثات الأميركية- الإيرانية، والإجابة أن الأمر لا يتعلق بالمؤتمر بل بالدولة المنظمة، فألمانيا تعتبر الوسيط الأكثر مصداقية لدى الطرفين، وقد سبق أن رحبت طهران بمحاولات الوساطة التي عرضتها الصين وروسيا وأخيرا تركيا، للتوسط بين طهران وواشنطن. ولكن أيا من تلك العروض لا تتوافر فيه مقومات الوسيط الموجودة في برلين. ويشير المحللون إلى أن المستشارة الألمانية ميركل فشلت خلال الأشهر الأولى من ولايتها في تحقيق إصلاح اقتصادي على المستوى الداخلي، إلا أنها نجحت بصورة ملحوظة في السياسة الخارجية. وحققت تقدما إلى حد ما في جهود الوساطة بين الولايات المتحدة وكل من روسيا وإيران، وسعت بشدة خلال رئاسة ألمانيا للاتحاد الأوروبي إلى أن تبعد خيار الحرب فيما يتعلق بالمسألة الإيرانية، بحسب تحليل «هيرالد تريبيون»الأميركية. وعملت منذ ذلك الحين على الاستعانة بروسيا نظرا لعلاقتها الوثيقة بإيران اعتمادا على أن موسكو لا ترغب في وجود حرب بالقرب من حدودها الجنوبية.

وذكر مسؤول ألماني للصحيفة أن ميركل سعت مرارا لإقناع الرئيس الأميركي السابق بوش بضرورة الدخول في محادثات مباشرة مع طهران إلا أنه لم يلق بالا لرأيها وتعتبر ميركل هي الأنسب لقيادة محادثات بين البلدين بحسب المحلل كونستانز ستلزنمولر، ويوضح أن معظم حكومات الدول الأوروبية الأخرى ما هي إلا «بطة عرجاء»بحسب وصفه، خاصة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية مع استثناء فرنسا التي تشارك بالفعل في دعم الموقف الألماني.

ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي تلعب فيها برلين دور الوسيط مع واشنطن، حيث سعی المستشار السابق جيرهارد شرويدر للعب هذا الدور بينها وبين العراق، لكنه فقد مصداقيته لدى الطرف الأميركي بعد هجومه المتكرر على الولايات المتحدة أثناء حملته الانتخابية في 2002. وقد أكد أحد نواب البرلمان الألماني (البوندستاغ) لدى عودته من إيران أن ميركل يتوجب عليها اتخاذ خطوة الوساطة على أن تبعث رسالة واضحة للطرفين.

وقد واجهت المستشارة الألمانية صعوبات جمة أثناء ولاية بوش، على الرغم من أن لها جهودا في تخفيف حدة التوتر وضمان عدم تطور الأمور لتصل إلى المواجهات المسلحة. ولكن الأمور أسهل تحت لواء أوباما الذي بادر بمد يده لإيران منذ انطلاق حملته الانتخابية. وكانت ميركل قد صرحت في ختام زيارتها للشرق الأوسط منذ أيام بأن باب المفاوضات لا يزال مفتوحا أمام إيران، وجددت التأكيد على أن الخيار العسكري غير وارد على الإطلاق، موضحة أن المجتمع الدولي مستعد لمواصلة الحوار مع طهران على الرغم من العقوبات التي فرضها مجلس الأمن على إیران، واعتبرت أن شرط الحوار هو إظهار الاستعداد لتحقيق تقدم إيجابي على سلوكها، وقد أشار خطاب لاريجاني إلى بلوغ حد کبير من التعقل الذي طالبت ميركل بأن تتحلى به الجمهورية الإسلامية.

ويشير المحللون إلى أن كلا من بريطانيا وفرنسا شريكتي ألمانيا في الترويكا الأوروبية التي تفاوضت مع إيران من قبل، تتخذان موقفا أكثر تشددا. وتريد كل من لندن وباريس أن تبادر طهران بوقف تخصيب اليورانيوم أولا. ولكن ميركل استطاعت إقناعهما بحث الدولتين على الجلوس على مائدة المفاوضات أولا قبل طرح أية شروط.

ولم تقتصر الوساطة على ألمانيا، فقد أشارت مصادر دبلوماسية إلى دور سري آخر تقوم به سويسرا لتحريك الأمور وإيجاد آلية جديدة للتوصل إلى أرضية مشتركة مع إيران، وتطالب سويسرا باستخدام سياسة الجزرة وليس فقط العصا، حيث تمت على أراضيها معظم اللقاءات السرية بين طهران وواشتطن.

 

مباحثات سرية في الفترة الانتقالية

ولم تكن مباحثات ميونيخ هي الأولى، فقد أثار الكشف عن عقد محادثات سرية أثناء الفترة الانتقالية ارتباكا في كل من واشنطن وطهران، وبادرت كل من الدولتين بنفي وجود مثل تلك المحادثات التي أفادت المصادر بأنها أجريت خلال الفترة الانتقالية التي سبقت تنصيب أوباما رئيسا للولايات المتحدة، وقد كشف مدير منظمة باجواش (pugwash)  البريطانية للأبحاث أن خبراء أميركيين في الانتشار النووي أجروا اتصالات على أعلى مستوى خلال الفترة الماضية مع مسؤولين إيرانيين من نفس المستوی. ومن أبرز المشاركين في تلك المحادثات السرية وليام بيري وزير الدفاع الأسبق أحد الأعضاء البارزين في حملة أوباما الانتخابية.

وأكد جيفري بوتويل مدير المنظمة التي سبق أن نالت جائزة نوبل في السلام عام 1995 أن المحادثات لم تقتصر على البرنامج النووي الإيراني وإنما كانت لقاءات موسعة لتذليل العقبات أمام تقديم إيران مقبولة للغرب، وتناولت اللقاءات المشاكل التي تسببت في حدوث انقسام بين طهران والغرب بصفة عامة. وتعرضت أيضا لعملية السلام في الشرق الأوسط وقضايا الخليج العربي. واعتبر بوتويل أن هذه اللقاءات كانت بمثابة إعادة ترتيب الأوراق لتقديم إيران جديدة للعالم مقابل أن تؤدي دورها في خدمة المصالح الأميركية في المنطقة، ولا سيما في أفغانستان، إلا أنه رفض الإفصاح عن شخصيات بقية المشاركين، واكتفى بالإشارة إلى أنهم شخصيات رفيعة المستوی في الأوساط السياسية الإيرانية والأميركية.

ولم تقتصر المحادثات السرية على إيران فحسب، فقد كشفت الأنباء أن لقاءات سرية أجريت بين واشنطن ودمشق، الحليف الأول لطهران في المنطقة، بحضور ممثلين عن فريق أوباما الانتقالي، وكان عدد من الخبراء في المجموعة الفكرية المعروفة باسم «معهد الولايات المتحدة للسلام»(USIP) قد التقوا الرئيس السوري بشار الأسد قبل أسبوع من تولي أوباما مهام منصبه فعليا. وضمت تلك المجموعة إيلين ليبسون عضو الفريق الانتقالي لأوباما الذي كان مستشارا في البيت الأبيض خلال ولاية الرئيس بيل كلينتون وأكد المسؤولون بالمعهد الذي يموله الكونغرس أن الاجتماع عقد تحديدا في الحادي عشر من يناير، وتناول عددا من القضايا التي تهم منطقة الشرق الأوسط، ويرجح أنه تعرض للدور السوري في ظل الشكل الجديد الذي ستتخذه العلاقة بين إيران والولايات المتحدة. ولكن هذه التسريبات سرعان ما قوبلت بنفي المسؤولين في الجانبين، فقد نفى البيت الأبيض هذه الأنباء، مشيرا إلى أن هذه اللقاءات تمت دون تكليف من الرئيس أوباما.

وقال مايك هامر المتحدث باسم مجلس الأمن القومي إن الرئيس قال للفريق الانتقالي بوضوح إنه لن تكون هناك أية اتصالات مع مسؤولي الحكومات الأجنبية خلال الفترة الانتقالية غير أن كثيرا من الدراسات قالت لتبدأ بسوريا ونفس النفي خرج من طهران حيث أكد غلام حسين محسني مدير الاستخبارات الإيرانية أنه حتى هذه اللحظة لا توجد أية محادثات رسمية بين البلدين، وأضاف أن وجود مثل تلك المحادثات يستلزم العديد من المتطلبات التي لم تتوافر حتى الآن. كما استبعد وجود اتصالات غير رسمية، قائلا إن هناك مؤتمرات دولية يشارك فيها مسؤولو الدولتين فيقومون بتحية بعضهم البعض ليس إلا. ولكنه قال إن مثل تلك المحادثات ربما تظهر في المستقبل القريب، بحسب ما يتفق مع مصالح بلاده.

وعلى صعيد التسريبات في هذه القضية ذكرت صحيفة «الغارديان»البريطانية أن أوباما ووزيرة خارجيته يصوغان رسالة إلى القيادة الإيرانية حول وعودهما بانتهاج مقاربة دبلوماسية معها، ولكن المتحدث باسم البيت الأبيض نفى وجود مثل تلك الرسالة، وقال إن أيا من أوباما أو كلينتون لم يطلب إعداد رسالة بهذا المضمون، كما لم يسبق أن اطلعا على مثلها.

font change