كنوز الثقافة السعودية: قوة ناعمة ومنصة للاستثمارات الإبداعية

كنوز الثقافة السعودية: قوة ناعمة ومنصة للاستثمارات الإبداعية

أسماء تلمع في عالم الكتابة والنشر والسينما والموسيقى والفنون التشكيلية وغيرها، أفلام تُرشح إلى جوائز دولية، عشرات دور السينما تفتتح، اكتشافات مهمة في عالم الآثار، مواقع جديدة تُسجّل في قائمة "اليونسكو"، استثمارات ضخمة، وتوقعات بعائدات كبيرة على الاقتصاد السعودي...، هذا كله قُدّمت من أجله منح، وصُرفت استثمارات رسمية بعشرات ملايين الريالات على المواهب والمقدرات الشابة،واتُّخذت خطوات وقرارات أولى من مثل إضافة ما يزيد على 400 مهنة ثقافية ضمن التصنيف السعودي الموحد للمهن، واستحداث إحدى عشرة هيئة مستقلة تحت مظلة الثقافة.

أما النتائج فأبعد مما توقعت "رؤية السعودية 2030"، حيث تحوّلت الثقافة إلى قوة ناعمة، على ما قالت لـ"المجلة"مستشارة التنمية الاقتصادية الدكتورة نوف عبدالعزيز الغامدي، وهذه القوة تعد في الوقت نفسه بعائدات اقتصادية كبرى، وفق الخبير والمحلل الاقتصادي محمد السويد.

خطوات أولى

لكي نتحدث عن تعزيز الثقافة من أجل النمو الاقتصادي، علينا أولا أن نعرّج على رؤية السعودية 2030 التي ترتكز على تحفيز الثقافة وخلق قطاع يشكل مسارا مهما ضمن مسارات النمو الاقتصادي الأخرى، مع تكريس الثقافة نمطا للحياة،وتعزيز مكانة المملكة دوليا من خلال الاستثمار في تنوعها التاريخي والتراثي والثقافي.

Getty Images
الرئيس التنفيذي لمهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، محمد التركي، يتحدث على خشبة المسرح خلال حفل توزيع جوائز ليلة الختام في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي في 8 ديسمبر 2022 في جدة، المملكة العربية السعودية.

بدأت الخطوات الفعلية في عام 2018، لأن رؤية بهذا العمق الاستراتيجي تتطلب عملا مؤسساتيا وخطوات تمهّد أولا للتحوّل في كيفية التعاطي مع الثقافة. في ضوء ذلك، فُصلت الثقافة عن وزارة الإعلام لتتأسس وزارة للثقافة بوصفها قطاعا مستقلا، وإعادة هيكلتها وتشكيل إداراتها وجعلها إلى جانب أدوارها الوطنية المهمة رافدامن روافد الاقتصاد الوطني.

قرارات جديدة

في مطلع عام 2020، استحدثت وزارة الثقافة إحدى عشرة هيئة مستقلة، هي: الأفلام، الموسيقى، المتاحف، الفنون البصرية، فنون الطهي، فنون العمارة والتصميم، المكتبات، التراث، الأزياء، المسرح والفنون الأدائية، الأدب والنشر والترجمة.

ودعمت تلك الهيئات بكوادر وطنية متخصصة، واستراتيجيات محددة، وخريطة طريق، ومستهدفات تحقق استراتيجية الثقافة في السعودية بأبعادها الفكرية والاقتصادية والمجتمعية.

ارتفع معدل إقامة المهرجانات والأيام الثقافية إلى 235 يوما ثقافيا على الرغم من أن رؤية 2030 توقعت أن تصل في عام 2020 إلى 61 يوما ثقافيا فقط

400 مهنة ثقافية جديدة

أدى ذلك الاستثمار في الثقافة إلى خلق فرص وظيفية من خلال السياحة الثقافية المتنوعة عبر إدراج ما يزيد على 400 مهنة ثقافية ضمن التصنيف السعودي الموحد للمهن،ممّا سمح باستهداف المبدعين من الشباب والموهوبين ونقل مواهبهم ومقدراتهم من مستوى الهواية إلى مستوى الاحتراف المهني. على سبيل المثال ارتفع إلى 5000 عدد الحرفيين المسجلين في جمعية الحرفيين السعوديين.

توازى ذلك مع إطلاق برنامج "مواسم السعودية" بواقع أحد عشر موسما ثقافيا تتضمن فعاليات أساسية، هي الترفيه والفعاليات الثقافية وفعاليات الأعمال والرياضة، التي كشفت عن تغيرٍ ملموسٍ في حجم الأرقام والتفاعل، الأمر الذي دفع إلى التوسع في الفعاليات في جميع مناطق المملكة.

وفي عام 2020 أعلن تطوير المكتبات العامة وتحفيز حراكها الثقافي، إلى جانب إطلاق معرض الفن السعودي المعاصر وأسابيع الأزياء. 

دوليا 

اتخذت المملكة خطوات فعلية لتعزيز حضورها الثقافي ومشاركتها في المحافل الدولية المهمة، مثل المشاركة في جولة "البينالسور" حول العالم، والمشاركة في مهرجان "كان" السينمائي، والعمل على الوصول إلى جوائز الأوسكار وغيرها من الجوائز الأكثر قيمة عالميا، وإقرار برنامج الابتعاث الثقافي، وتوجيه الدعوة الى أهم الكتاب والموسيقيين والمطربين والإعلاميين العالميين لحضور فعاليات المواسم المختلفة والمشاركة فيها. 

قد يكون قطاع السينما أكثر القطاعات الذي عكست نتائجه هذه التحولات الكبيرة، إذ شهد عام 2022 طفرة في جميع جوانب صناعة السينما، وتم تصوير ثلاثة أفلام هوليودية كبرى في المملكة وثمانية أفلام روائية سعودية، كما حصلت شركة Ame العالمية على أول رخصة تشغيل للسينما في المملكة مع السماح بإصدار تصاريح لدور السينما.

AFP
 مدينة بوليفارد الترفيهية بالعاصمة السعودية الرياض، في 16 يناير 2023

تحوّل

في هذا السياق، توقعت هيئة الترفيه أن يصل حجم الإنفاق الإستهلاكي على الترفيه في السعودية في حلول 2030 إلى 36 مليارا و114ألف وظيفة مباشرة سيوفرها القطاع، و110 آلاف وظيفة غير مباشرة، علما أن الفعاليات الثقافية والفنية تشكل ركيزة مهمة في قاعدة الترفيه في المملكة.

وكشف تقرير نُشر بالتعاون بين "أوشن إكس"و"سقراط" أن "معدل إقامة المهرجانات والأيام الثقافية ارتفع إلى 235 يوما ثقافيا على الرغم من أن الرؤية توقعت أن تصل في عام 2020 إلى 61 يوما فقط، فيما تصدّر افتتاح دور السينما الاهتمام الأكبر فتمّ افتتاح 32 دارا للسينما في مختلف مناطق المملكة، بالتزامن مع إقامة عروض الفرق الوطنية للموسيقى، وافتتاح مركز موحد للخدمات والتراخيص الثقافية، وإقامة مسرح السعودية، وتأسيس أرشيف خاص بالأفلام، مع ارتفاع حركة التأليف في السعودية فوصل عدد المؤلفات المحلية من 6124 مؤلفا في عام 2016 إلى 17570مؤلفا في نهاية عام 2019 بنسبة تصل إلى 187%.

الاهتمام بالتراث

وضعت وزارة الثقافة التراث في قمة اهتماماتها، لكونه يشكل مع المواقع التاريخية رافدين مهمين للاقتصاد والجذب السياحي، فارتفع عدد المواقع الأثرية المكتشفة من 241موقعا في عام 2017 إلى 354 موقعا في عام 2020، في حين وصل عدد مواقع التراث العمراني المسجلة في سجل التراث الثقافي الوطني إلى 1000 موقع في عام 2020 مقارنة بـ 400 موقع في عام 2016، كما تم تخزين 2151 قطعة أثرية وفنية ابتداء من عام 2020، وتسجيل 340 سمة أثرية واكتشاف 1949قطعة أثرية في مشروع دادان الأثري. 

وارتفع عدد المواقع السعودية المسجلة في قائمة منظمة الأمم المتحدةللتربية والتعليم والثقافة "اليونسكو" إلى 6 مواقع: جدة التاريخية، موقع الحجر الأثري في العلا، حي الطريف في الدرعية التاريخية، الفنون الصخرية في حائل، واحة الاحساء، ومنطقة حمى الثقافية في نجران.

AFP
رحلة على الدراجات الهوائية في موقع الحجر الأثري في مدينة العلا السعودية، لاستكشاف العديد من المقابر النبطية المنحوتة في الصخور الرملية في 3 فبراير 2023.

المرأة والثقافة

ولم تغب المرأة السعودية عن هذا الحراك الثقافي، فهي شريكة في تحقيق الإستراتيجة الثقافية الوطنية من خلال إسهاماتها المتنوعة، فبرزت أسماء عدة من المبدعات السعوديات، لا سيّما في قطاع السينما، وفي مقدمتها المخرجة السعودية شهد أمين، التي رُشح فيلمها "سيدة البحر" لأوسكار أفضل فيلم دولي، فيما حضرت المخرجة هناء العمير بمسلسلها "وسواس". كما دعمت الثقافة صانعات الأفلام السعوديات عبر مسابقة "ضوء" لدعم الأفلام .  

وكان للعديد من السعوديات مشاركات متميزة في مسابقة "لباس كأس السعودية"، ومن أهم تلك المبادرات مشاركة خبيرة الأزياء الدكتورة ليلى بسام والفنانة التشكيلية نوره السمحان.

كما برزت أسماء لسعوديات في قطاع الموسيقى من خلال كتابة القصائد المغناة، وعبر ظهور أصوات غنائية جديدة، وكذلك في مجال العزف، كالطبيبة السعودية والعازفة والمؤلفة الموسيقية نادية دنذشي وغيرها.

 

القطاع الخاص

وفي مبادرات منظمة، استطاعت وزارة الثقافة تعزيز مشاريعها الثقافية مع القطاع الخاص الذي وجد في الرؤية الجديدة للاستثمار الثقافي في السعودية طريقا ممهدا لضخ رؤوس أموال تدعم المواهب الشابة وتشارك في الهوية الثقافية بأفكار مختلفة، ممّا دفع الوزارة إلى توفير رخص لمزاولة الأنشطة في مختلف القطاعات الثقافية.  

 

مستقبل الثقافة

وقالت مستشارة التنمية الاقتصادية الدكتورة نوف عبدالعزيز الغامدي في حديثها  إلى "المجلة" إن المنظومة الثقافية السعودية في المملكة تعمل على زيادة وتيرة وحجم التمويل والاستثمار عبر جميع القطاعات الفرعية. فعلى سبيل المثال يرعى صندوق التنمية الثقافي نظاما يشجع الاستثمار ويعزز الاستدامة ويعيد تأكيد دور الثقافة كمحرك للنمو، وذلك بأكثر من 180 مليون ريال من المنح التي قدمها خلال عام 2022 تحت مظلةٍ إستراتيجيةٍ داعمةٍ للقطاع الخاص ستؤمّن 2.5 مليار ريال من الاستثمار الخاص في الثقافة بحلول عام 2030.

وأوضحت الغامدي أن المملكة تسعى لتقوية القطاعات الثقافية الستة عشر التي حدّدتها  الإستراتيجية الوطنية للثقافة وهي: التراث، المتاحف، المواقع الثقافية والأثرية، المسرح والفنون الأدائية، الكتب والنشر، فنون العمارة والتصميم، التراث الطبيعي، الأفلام، الأزياء، اللغة والترجمة، فنون الطهي، المهرجانات والفعاليات الثقافية، الأدب، المكتبات، الفنون البصرية، الموسيقى، وذلك من خلال برامج تمويل متخصصة،على أن تكون موجهة إلى مجالات ثقافية متنوعة كتطوير التعليم والتدريب، وصناعة المحتوى، والتسويق للمخرجات الثقافية، والعمل على البنية التحتية، وتمكين التحوّل الرقمي، وتكوين شراكات استراتيجية مع جهات عدة في القطاع الحكومي كنوع من الدعم لدور المنشآت الصغيرة والمتوسطة بما يحمل من أثر إيجابي على اقتصاد المملكة تزامنا مع رفع كفاءة القطاع الثقافي على المستويات كافة.

شهد عام 2022 طفرة في جميع جوانب صناعة السينما وصوّرت ثلاثة أفلام هوليودية كبرى في المملكة وثمانية أفلام روائية سعودية

قوة ناعمة

وتتطلع الغامدي "إلى أن يكون للثقافة الوطنية حضور بارز ومهم على المستوى الدولي كإحدى أهم وسائل القوة الناعمة المؤثرة، ونقل هويتنا الثقافية وإبداعاتنا وتصوراتنا وأفكارنا عن الحياة والإنسان والعالم إلى الآخر".

وتؤكد الغامدي "حرص المملكة على تعزيز ثقافتها الوطنية، عبر البرامج والمشروعات واستراتيجيات التنمية الثقافية المستدامة من خلال وزارة الثقافة والهيئات التابعة لها والبرامج والمشروعات المختلفة، ولذلك فليس بمستغرب أن نلحظ سعيها المتسارع لدعم الثقافة وتمويل مشاريعها وبرامجها، فحضور المملكة في عالم الثقافة والإبداع من شأنه أن يعزز نجاح المشاريع الاستراتيجية التي تطمح إليها المملكة". هذا ما جاءت به رؤية 2030 التي وضعت في أولوياتها أن تتصدر المملكة مكانة مؤثرة في الثقافة الدولية.  

ومن الأمثلة الحية على المشاريع العملاقة في برنامج التحول التي تمثل الثقافة جزءا محوريا فيه، بوابة الدرعية، ونيوم، والقدية، والبحر الأحمر وغيرها من المشاريع التي تحمل هوية السعودية وإرثها وحضارتها الثقافية. 

AFP
صورة تظهر مدينة بوليفارد الترفيهية بالعاصمة السعودية الرياض ، في 16 يناير 2023.

العائد المادي

أما في ما يتعلق بالعائد المالي للاستثمار الثقافي في السعودية، فأشار الخبير والمحلل الاقتصادي محمد السويد في حديثه لـ"المجلة" إلى أن "دعم الاستثمار في قطاعات الثقافة يذهب في المسار الصحيح، فهذه القطاعات ولاسيما الأفلام والأزياء تعتبر قطاعات اقتصادية مهمة ويمكن أن تكون لها مساهمة فعالة في الاقتصاد، وتمثل هذه القطاعات في الوقت نفسه عناصر متكاملة مع بقية القطاعات الاقتصادية مثل السياحة والترفيه مما يعني أن تأثيرها على النمو الاقتصادي يمكن أن يكون مضاعفا ويسهم في نمو قطاعات أخرى في السعودية بسبب هذا التكامل".

ويلفت السويد إلى أن العديد من التقديرات تشير إلى إضافة قطاع السياحة والترفيه نسبة أكبر من 5% إلى الناتج المحلي حتى سنة 2030، ممّا يعني أن العائد من الاستثمار في هذه القطاعات يعتبر فكرة جيدة، ناهيك بمساهمة هذا القطاع الاجتماعي في رفع جودة الحياة في المدن السعودية وفي تطوير ثقافة  الفرد السعودي وشخصيته. وتدعم هذه العناصر بعضها بعضا في الاقتصاد ليكون لها عوائد مالية وتنموية أيضا على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.

لقد أثبتت كل هذه الجهود المدعومة برؤية طموحة، قدرتها على تغيير المفاهيم القديمة حول "الثقافة" من قطاع يقوم على الدعم الحكومي فقط، إلى قطاع يشكل مسارا اقتصاديا مهما يتوازى مع أهمية مساره الفكري، وهذا ما خلق تصورا جديدا عن الثقافة كرافدٍ من روافد الاقتصاد والتنمية.

font change

مقالات ذات صلة