عن ضحايا الزلزال الذين ماتوا مرتين

لا كلمة تصف المشهد سوى القيامة

Eduardo Ramon
Eduardo Ramon
كان الموت في سورية خلال السنوات الماضية أمرا يدعو الى التعاطف فقط، ولا أحد يستطيع منع ذلك، حتى بات الأمر كأنه قدر حقيقي للسوريين

عن ضحايا الزلزال الذين ماتوا مرتين

"لم أر مثل هذا الرعب في حياتي"، يحدثني صديقي الذي عاد أخيرا للعيش في مدينتنا عفرين. فكرتُ بالرجل الذي عاش الحرب كلها، في أمكنة تحت قصف براميل النظام المتواصل لأشهر، ارتحل من مكان إلى آخر مع عائلته، شاهد بأم عينه الحرب بكل ألمها وحقارتها، رأى الأبنية تنهار كقطعة بسكويت، وأشلاء الأطفال ممزقة تحت الركام. فكرت بصديقي الذي شاهد كل شيء ويصف الزلزال بهذه الجمل المرعبة، ليقرّب لي حجم الرعب.

انتقل صديقي من بيت إلى بيت محاولا التمسك بعمله، ومدارس أطفاله الثلاثة، ليعود أخيرا إلى مدينتنا الجميلة التي نفاخر نحن أبناءها بأنها عاصمة زيت الزيتون في سورية، ونفاخر أيضا بأن لزيتها سمعة عالمية. حين كنا نتحدث، كان يرسل إليَّ صور الزيتون والرمان والتين، ولا يترك مناسبة لا يغريني فيها بالعودة إلى الينابيع الصافية كما نسميها، حيث الصباح له طعم مختلف عن أي مكان في العالم. لا نتوقف عن ممارسة الحنين الى طفولتنا، الى الأمكنة التي دمرها الزلزال بعد نجاتها من الحرب.

كنت أحسده لعيشه في الجنة على الرغم من أن فصائل معادية لها ولثقافتها الكردية تحتلها، لكننا كنا متفقين بأنهم ككل الغزاة سيرحلون ذات يوم نتمناه قريبا.

Getty Images
منظر جوي للمباني المنهارة في جنديرس، التابعة لمنطقة عفرين في محافظة حلب، سوريا بعد زلازل بلغت قوتها 7.7 و 7.6 درجة ضربت عدة محافظات في تركيا وسوريا في فبراير الماضي.

تحت الركام

صباح الزلزال رأيت صديقي معفرا بالتراب يحاول المساعدة في إنقاذ الأرواح تحت ركام بيوت بلدة جنديرس. بيديه العاريتين يعمل مع شباب الدفاع المدني الذين حظهم بالمعدات ليس أكثر من حظ صديقي؛ أياد عارية وقلوب مليئة بالحب. يقول لي: "الموت تحت الركام لا ينتظر وصول فرق الإنقاذ التي تمتلك كل الوسائل، يجب أن نفعل شيئا".

مذ كنا في الجامعة كان صديقي يسبقنا إلى الأمكنة التي تحتاج إلى مساعدة، ويقول جملته الشهيرة: يجب أن نفعل شيئا.

كانت جنديرس أكثر الأمكنة تضررا. أكثر من نصف بيوت البلدة دُمرت وباقي البيوت لا يمكن العيش فيها. الموتى بالمئات، وبالآلاف هم الجرحى، والذين أصابهم هلع وخوف سيعيش تحت جلدهم. أشعر بأنني سأموت لا محالة مع الأجساد التي لم يسمع العالم صرخات استغاثتها، وتقددت مختلطةً مع الاسمنت والحديد والتراب. الجثث في كل مكان، الممرات في المستشفيات مليئة بالموتى المبتوري الأعضاء في انتظار تعرّف ذويهم عليهم ودفنهم. لا يمكن وصف المشهد بسوى القيامة، التي تخيلتها تماما كما حدثت في سورية؛ اثنتا عشرة سنة من الحرب، فاخرت روسيا بأنها جربت ثلاثمئة نوع من سلاحها الفتاك، عرضت بيعه لدول العالم، وحين بدأت حربها على أوكرانيا تحولت هذه الأسلحة إلى خردة حقيقية، ولم يبق إلا السلاح النووي تهدد به العالم. كان يجب أن تضيف روسيا إلى إعلان تجريبها الأسلحة في سوريا، أن أسلحتها مخصصة للفتك بالأطفال والمدنيين العزل فقط.

من وحّد سوريا هذه المرة هو شعبها الذي لم ينتظر أي شيء من العالم، اندفع بإعلان بلده موحدا دون الالتفات إلى السياسة التي عرفنا أنها ستجعلنا ندفع أيضا ثمنا باهظا


لا ننتظر شيئا من العالم

كان الموت في سورية خلال السنوات الماضية أمرا يدعو الى التعاطف فقط، ولا أحد يستطيع منع ذلك، حتى بات الأمر كأنه قدر حقيقي للسوريين الذين صدمتهم فكرة وحدتهم وتخلي العالم عنهم. لذلك في اللحظات الأولى للزلزال، انقسمت سوريا كما هي مقسمة بين كل أطراف السياسة، لكن الذي وحدها هذه المرة هو شعبها الذي لم ينتظر أي شيء من العالم. فهو اندفع بإعلان بلده موحدا دون الالتفات إلى السياسة التي عرفنا أنها ستجعلنا ندفع أيضا ثمنا باهظا. سنُترك مرة أخرى تحت الركام الى حين اتفاق الأطراف الذين يمسكون أمر فتح المعابر بأيديهم، يحتكرون المساعدات التي ستصل إلى سورية ويحولونها إلى مشاريع سياسية بامتياز. لا يهم عدد البشر الذين من الممكن انقاذهم لو سمحوا لفرق الإنقاذ بالوصول إلى شمال غرب سورية في إدلب وعفرين وباقي المناطق المتضررة في الشمال الغربي من سورية، وباقي المناطق في حلب واللاذقية وحماه. المناطق المتضررة وتخضع لحكم النظام، كان حظها أفضل لكن ليس بالكثير. نعم هبطت مئتا طائرة تحمل مساعدات في مطارات سورية، لكن المتضررين وصلهم عشرة في المئة من هذه المساعدات والباقي تبخر كما هي العادة في سماء الفساد الواسعة.

REUTERS
سوريون يعيشون في تركيا، يتجمعون مع أمتعتهم بعد عبورهم الحدود إلى سوريا عند معبر باب الحمام الحدودي في مدينة عفرين سوريا، 17 فبراير / شباط 2023.

النظام سيستغل هذه الكارثة. إردوغان سيفعل الشيء ذاته في الانتخابات. سيمنع مرور فرق الإنقاذ إلى الشمال ويسمح بعبور جثث السوريين الذين ماتوا تحت أنقاض منازلهم في المدن التركية العشر المصابة بالزلزال. الفصائل المسلحة المتناقضة في الشمال، التي تحكم بطريقة النظام نفسها، ستستغل موت الناس أيضا.

حتى اليوم السادس للزلزال فتحت معابر الشمال فقط لإدخال جثث السوريين الموتى تحت الأنقاض في تركيا. أكثر من ألف جثة أدخلت خلال أسبوعين، غير الذين دفنوا هناك وفي مقابر تركية، ولا يزال هناك المزيد من السوريين تحت الأنقاض والمختفين في تركيا كما في سوريا.

في اليوم السادس للزلزال بدأت المحادثات بين كل الأطراف في سورية تُثمر، وبدأت المعابر تُفتح بشكل خجول، لكن الموتى لم ينتظروا، لقد ماتوا مرة أخرى، ومن كان ينتظر الإنقاذ مات للمرة الأولى وبدأ يستعد للتفسخ تحت الركام.

بشر يحملون على أكتافهم ذنوبهم وحسناتهم، يعبرون البرزخ بين الجحيم والجنة، شعب بأكمله متروك لقدره وتجار المساعدات والنهابين الذين لم يتركوا لهم حتى الأكفان

مزاح ثقيل

اليوم، السوريون يفاجئون العالم بمزاح ثقيل كالزلزال. إنهم غير مرئيين بالنسبة الى العالم الذي لا يحب أسياده مزاحهم، كما لا يحبون طريقة انشغالهم بالأمل الذين ينبتونه من الصخر. قامت فرق الدفاع المدني، "القبعات البيض"، بفعل البطولة الممكن الوحيد في مثل هذه الظروف. بالأيدي أُنقذ ما يمكن إنقاذه من أرواح، بمعدات بدائية. وفي المدن السورية كاللاذقية وحلب، عمل شباب وصبايا سورية ليل نهار دون اكتراث لإيصال تبرعات السوريين الفقراء الذين قاسموا أهلهم الفرش والبطانيات والألبسة والطعام والدواء. تقاسمت سورية خلال الأسبوعين الماضيين كل شيء، وأعادت توحيد البلاد التي يعتقد العالم بأن وجودها مقسمة ومحتلة من روسيا وإيران وإسرائيل وأميركا وتركيا خلال عشر سنين شيء طبيعي.

AFP
خيم بلاستيكية تأوي المتضررين من الزلزالين المدمرين، والخائفين من الهزات الارتدادية.

اعترفت الأمم المتحدة بالتقصير والعجز، لكن ماذا يفيد الموتى الآن الاعتذار. لا شيء جديدا. لقد ماتوا. وسيصل الضحايا السوريين إلى رقم لن نصدقه في الأيام الأولى بعد إغلاق دفتر الموتى، وسنتعامل معه بعد أيام على أنه طبيعي ولا شيء للتبليغ عنه في كل الجهات والمدن السورية. سيقول العالم إنهم مجرد سوريين ماتوا من الهلع ولم يصمدوا تحت الأنقاض مدة كافية لتصل إليهم كلابنا البوليسية المدربة.

ما تبقى من أنطاكيا ركام يُدمّر القلوب. ما تبقى من مرعش، من أرسوز، من باقي الأمكنة التركية المدمرة، صور وذكريات تصاعدت مع الموتى في صعودهم إلى السماء. لا يمكن إلا أن تشعر بأن قدر الموت غير المتساوي ظالم دوما. أصدقائي الأتراك مصابون بصدمة حقيقية. من شدة الموت، لا شك في أن تعاطف العالم سيجبر خاطرهم المكسور، لكن لا شيء سيعيد إليهم أحبابهم.

AFP
متضرر من الزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا يحمل مراتب وزعتها منظمة غير حكومية، لقاطني المخيم المؤقت في مدينة عفرين في الجزء الذي تسيطر عليه المعارضة من محافظة حلب في 16 فبراير 2023.

في سورية، بعد الهزة الثانية منذ بضعة أيام، بقي كل السوريين في الشوارع. تخيلت مشهد حشرهم يوم القيامة كما تصفه الكتب المقدسة، بشر يحملون على أكتافهم ذنوبهم وحسناتهم، يعبرون البرزخ بين الجحيم والجنة، شعب بأكمله متروك لقدره وتجار المساعدات والنهابين الذين لم يتركوا لهم حتى الأكفان. نعم حتى الأكفان نهبوها. نعم شعب يحمل صليبه في طريقه إلى القيامة عاريا من أي دنس.

 

font change

مقالات ذات صلة