نقطة انطلاق مشتركة لأوروبا والعالم العربي في سوريا

لدى المجتمع المدني السوري ما يقدمه في المباحثات الدولية

Reuters
Reuters

نقطة انطلاق مشتركة لأوروبا والعالم العربي في سوريا

من المفترض أن يشجع النهج الجديد لجامعة الدول العربية الأوروبيين على تبني موقف أكثر جرأة في التعامل مع الأزمة السورية.

وعلى الرغم من اختلاف النهجين الأوروبي والعربي، يمكن لكليهما الاعتماد على بعض المراجع المشتركة ومن بينها أن تؤخذ رغبات المجتمع المدني السوري في الاعتبار بشكل أكبر، حيث تعتبر مدونة السلوك لعيش سوري مشترك أحد أوجه نشاطات المجتمع المدني في سوريا.

عادت سوريا إلى جامعة الدول العربية بعد 12 سنة من العزلة بمشاركة الرئيس بشار الأسد في القمة العربية الـ32 بمدينة جدة السعودية يوم 19 مايو/أيار. حيث اختارت الدول الأعضاء، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية التي تسعى منذ فترة لاستعادة دورها كقوة رائدة في المنطقة، اتباع منهج "سياسة الأمر الواقع" في التعامل مع الأزمة السورية وإعادة دمج سوريا في "الحضن العربي" بعد أن حاول عدد من الدول العربية دون جدوى لسنوات زعزعة استقرار نظام الأسد. هذه الحسابات الاستراتيجية الجديدة تبرهن أن للدول العربية بالفعل سياسة سورية عكس معظم الدول الغربية.

وفي مقال نشر يوم 9 مايو/أيار لميشيل ديكلو، سفير فرنسا السابق لدى سوريا، تحليل دقيق لدوافع وتحديات هذا النهج العربي الجديد. وتحدث عن عودة عربية لسد الفراغ الغربي بسبب "عدم اهتمام الدول الغربية بالقضية السورية لسنوات"، ودعا السفير السابق إلى سياسة أوروبية جديدة "أكثر جرأة". ومع ذلك، فإن دول الاتحاد الأوروبي بعيدة كل البعد عن اتخاذ موقف موحد تجاه سوريا. البعض يدافع عن التقارب مع دمشق والبعض الآخر لا يزال يرفع "ثلاث لاءات" أمام الرئيس السوري بشار الأسد، مصرين على رفض التطبيع مع النظام، ورفض رفع العقوبات، ورفض التمويل الأوروبي لإعادة إعمار سوريا ما دام الأسد لا يزال على رأس السلطة ولم يظهر إرادة حقيقية لتقديم تنازلات سياسية، بما في ذلك إطلاق سراح المعتقلين في السجون السورية.

اقرأ أيضا: "رسائل عربية" من الأسد وزيلينسكي إلى الحلفاء... والأعداء

عادت سوريا إلى جامعة الدول العربية بعد 12 سنة من العزلة بمشاركة الرئيس بشار الأسد في القمة العربية الـ32 بمدينة جدة السعودية يوم 19 مايو/أيار. حيث اختارت الدول الأعضاء، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية التي تسعى منذ فترة لاستعادة دورها كقوة رائدة في المنطقة، اتباع منهج "سياسة الأمر الواقع" في التعامل مع الأزمة السورية 

وقعت بعض دول الاتحاد الأوروبي اتفاقيات مع سوريا، وهذه الخطوة تبرز الانقسام الأوروبي مقابل إجماع أو اتفاق عربي في سياسة التعامل مع الأزمة السورية. في الواقع، الدول العربية ليست متفقة بشكل كامل فيما بينها على النهج الذي تبنته جامعة الدول العربية، لكنها قررت بالأغلبية إعادة العلاقات مع دمشق، دون المساس بطبيعة هذه العلاقات التي تختلف باختلاف كل بلد. قد يكون هذا التغيير "رمزيا أكثر من كونه حقيقيا" كما ذكر ديكلو في مقاله السابق ذكره.

AP
الصورة الجماعية للقادة بالقمة العربية الـ32 في جدة


لا تزال أسئلة كثيرة دون إجابات في هذه المرحلة، وتفضل الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية تركها معلقة. وهكذا، فإن نظرنا إلى خطوة إعادة دمج سوريا في جامعة الدول العربية كتغيير رمزي يمكننا القول إن النهج الأوروبي ليس بعيدا عن نهج العالم العربي على ما يبدو. بل يشبهه إلى حد كبير، حيث تظل الخطوط الرئيسة لهذا المنهج الأوروبي رمزية إلى حد كبير، بينما تفسره كل دولة من الدول الأعضاء على طريقتها الخاصة.


لماذا يجب أن تكون السياسة الأوروبية "أكثر جرأة"؟ يمكننا أن نناقش مطولا متى فقدت أوروبا نفوذها في "دول الجوار الجنوبي"، وهل بالإمكان عكس هذا الوضع؟ كما يمكننا أيضا أن نساند فكرة أن الواقعية تقتضي توقف أوروبا عن الرغبة في التأثير على الدول الأخرى والرضا بدور المشاهد.

لا يزال من الضروري- سواء في سوريا أو في أي مكان آخر– القدرة على التأقلم سياسيا. والعالم العربي مهم هنا. فصورته كبؤرة للأزمات المتكررة، والتي لا تزال منتشرة في أوروبا، لم تعد تتوافق مع الواقع الجيوسياسي.

كما أظهر العدوان الروسي على أوكرانيا بوضوح أننا لا نختار جيراننا لكنهم موجودون.

الهجرة، والأمن الداخلي والخارجي، والتغيرات المناخية، وإمدادات الطاقة- كل هذه القضايا الاستراتيجية لا يمكن فصلها عن علاقاتنا مع العالم العربي. لذلك، يتطلب الشرق الأوسط اهتماما استراتيجيا مستداما من الأوروبيين، وتظل سوريا عاملا حاسما هناك، نظرا لأن معظم القضايا التي ذكرناها موجودة هناك.

: الدول العربية ليست متفقة بشكل كامل فيما بينها على النهج الذي تبنته جامعة الدول العربية، لكنها قررت بالأغلبية إعادة العلاقات مع دمشق


على أي أساس يجب إقامة حوار حول سوريا مع الدول العربية؟ على الرغم من خلافاتهم الجوهرية، يمكن للأوروبيين وشركائهم العرب أن يتوصلوا إلى اتفاق على مبادئ معينة. وقد فعلوا ذلك بالفعل من خلال إعادة تأكيد تبنيهم لقرار مجلس الأمن رقم 2254 الذي يطالب بحل سياسي لسوريا. ويمكن أن يذهبوا إلى أبعد من ذلك من خلال الاعتماد على المبادئ التي صاغها المجتمع السوري، أو لنقل مجموعة كبيرة من ممثليه، ونقصد هنا "مدونة السلوك لعيش سوري مشترك".


هي وثيقة فوق دستورية تم التوقيع عليها في برلين خريف 2017، والإعلان عنها في يناير/كانون الثاني 2018 من قبل ممثلي مختلف الطوائف السورية، خصوصا العلويين والسنة. تحتوي هذه الوثيقة على أحد عشر بندا بسيطا وسهل الفهم. من أبرز بنود هذا الميثاق- الذي غالبًا ما تقتبسه الصحف الدولية- أنه "لا غالب ولا مغلوب" في الأزمة السورية. وهذا يعني أن الشعب السوري هو الخاسر ولا يحق لأي فئة في المجتمع، ضمنا أو صراحة، أن تعتبر نفسها منتصرة.


وتدعو بنود أخرى إلى تحديد المسؤولية الفردية عن الجرائم المرتكبة، وحق عودة اللاجئين والنازحين داخليا، واستعادة الممتلكات المصادرة/ جبر الضرر، والكشف عن مصير السجناء والمفقودين وغيرهم من الضحايا، أو حتى الاعتراف بالتنوع الديني والعرقي والثقافي للمجتمع السوري.


ما يجعل هذا الميثاق فريداً من نوعه هو ظروف نشأته وهوية الموقعين الأوائل عليه. فقد اجتمع قادة مجتمعيون وزعماء قبائل ومسؤولون سابقون ومفكرون من مختلف مكونات الشعب السوري، سرا في الخارج للتفاوض على أسس عقد اجتماعي جديد. ومن بين الموقعين أعضاء ينتمون إلى عائلات كانت جزءا من حركة الكتلة الوطنية، أول حركة استقلال ضد الانتداب الفرنسي، مثل السيدة بسمة قضماني التي توفيت هذا العام. ومع ذلك، لا يطالب الموقعون على المدونة بأي تفويض أو شرعية ديمقراطية، لأن الوضع الحرج لسوريا هو الذي سمح لهم بالتصرف نيابة عن إخوانهم وشركائهم في الوطن من السوريين.

مجلس المدونة السورية هو حركة نتجت عن هذا العمل، ويمثل اليوم منبرا لإيصال أصوات المجتمع السوري بكل تنوعه. كما أن لأعضائه علاقات جيدة مع صناع القرار في دول الخليج، وفي بلاد الشام، وفي أوروبا أيضا. ويناقش المجلس في جلساته بهدوء وصراحة ودون محرمات سياسية مستقبل البلاد والدور الذي يمكن أن يلعبه المجتمع السوري فيه.

 

يمكن للأوروبيين وشركائهم العرب أن يتوصلوا إلى اتفاق على مبادئ معينة. وقد فعلوا ذلك بالفعل من خلال إعادة تأكيد تبنيهم لقرار مجلس الأمن رقم 2254 الذي يطالب بحل سياسي لسوريا.


وعلى الرغم من الاختلافات السياسية بين أعضاء مجلس المدونة السورية، فبعضهم من الثوار الأوائل، وبعضهم "رمادي" برغماتي، والبعض الآخر يمثل، بشكل افتراضي، القاعدة الشعبية للدولة السورية، إلا أنهم اتفقوا على أن السياسة الدولية وحدها لا تستطيع حل أزمة بعمق الأزمة السورية، وأن المجتمع الذي لعب دورا مهمًا في تفتيت البلاد، يجب أن يلعب أيضًا دورًا رئيساً في التسوية.


لا يترك مجلس المدونة السورية في بياناته أي مجال للشك في أن مصلحة المجتمع فقط- على المستوى الإنساني وما بعده- هي التي تحفز التزامه. ولا يدعي أنه يملي على القوى الأجنبية وسائل تحقيق هذا الهدف. إنه يذكر الفاعلين السياسيين فقط بوعودهم والتزاماتهم. قد تعتقد بعض القوى أن إقامة علاقات دبلوماسية مع سوريا فقط هي التي يمكن أن تخفف من معاناة الشعب السوري، وقد يصر آخرون على أن إعادة إدماج سوريا يمثل خطأ استراتيجيًا أو سابقة خطيرة، لكن من المؤكد أن أعضاء المجلس لديهم آراء شخصية.. ومع ذلك، فهم لا يسعون إلى فرض وجهة نظر متشددة في هذه القضية.


توفر "مدونة السلوك لعيش سوري مشترك"، من وجهة نظرنا، أساسًا مشتركًا ونقطة انطلاق أخلاقية للتعاون الأوروبي- العربي بينما تظل أداة مرنة. يمكن للقوى الأوروبية والعربية أن تستلهم منها، أو حتى تعترف بها رسمياً كوثيقة ذات طبيعة "فوق دستورية"، مكملة ولا تنافس جهود الأمم المتحدة في إطار "اللجنة الدستورية". ويمكن للقوى الأوروبية والعربية، بغض النظر عن قرارها بشأن علاقاتها الرسمية مع دمشق، أن تستخدمها كمرجع وتصر على قيام القادة السوريين بواجبهم في فحص أي عمل سياسي بما يعود بالنفع على السوريين والسوريات.

Reuters
صور للرئيس السوري بشار الأسد في شوارع دمشق، مايو 2021.

 

رغم الاختلافات السياسية بين أعضاء مجلس المدونة السورية، إلا أنهم اتفقوا على أن السياسة الدولية وحدها لا تستطيع حل أزمة بعمق الأزمة السورية، وأن المجتمع الذي لعب دورا مهمًا في تفتيت البلاد، يجب أن يلعب أيضًا دورًا رئيساً في التسوية

وقد استفاد "مجلس المدونة السورية" في السنوات الأخيرة من استقبال طيب من جانب الدول الأوروبية والعربية. فهذه الحركة تمثل جزءا مهما من المجتمع السوري يحمل استقلالية كافية لأفكاره لتشكل نقطة انطلاق موثوقة لتسوية الأزمة السورية. سيبقى المجتمع السوري في سوريا، حتى بعد رحيل قوات احتلال وساسة اليوم. ويبدو أن المجلس قد اختار تيترابيليون تدمر الشهير كرمز ليؤكد هذه الحقيقة، فهذا الرمز هو معلم ومنارة لآلاف السنين لمن يعبرون الصحراء السورية.


لقد حان الوقت لمنح المجتمع السوري مكانة معتبرة في المداولات الدولية، ومكاناً ملائماً يتماشى مع أهميته الحقيقية، وليس مكاناً استشاريًا أو رمزيًا بحتًا، كما كان الحال في الماضي. ولدى المجتمع السوري، كما أوضح "مجلس المدونة السورية"، شيء يقدمه للمجتمع الدولي في المقابل.

font change

مقالات ذات صلة