مصطفى البلكي يسرد تحولات مصر بين ثورتين

عبر روايته الجديدة "واد جدّه"

Nesma Moharam

مصطفى البلكي يسرد تحولات مصر بين ثورتين

القاهرة: "من الذي خذلك؟ سألني مصلح السؤال نفسه الذي لفّ جسدي قديما، هو نفسه الذي كلما ظهر بدّد وجودي، وجعلني أقف على أبواب الوهم الذي كنت ألمسه قديما وأعود لمعناه".

ربما يكون هذا السؤال هو أساس رواية "واد جدة... سجين قشرة البندق"، وهو نص سردي لا يعبأ بفكرة الترابط الزمني ولا يهتم بسرد الحدث وفق ترتيب يسمح للقارئ بتوقّع القادم؛ نص أراد كاتبه أن تكون الدهشة أهم عناصره. تبدأ الرواية في 1952 وتنتهي في 2011 الذي شهد ثورة 25 يناير، الحدث الأبرز في مصر الحديثة، وتسرد رحلة شاب اسمه "الخياط" يتعرّف القارئ من خلاله إلى التغيّرات السياسية والاجتماعية التي شهدتها مصر بين ثورتين.

حب القراءة والمعرفة الذي زرعته الجدّة في حفيدها منذ الطفولة، كان سبب شقاء بطل الرواية: "حكاياتها، جعلتني أحب الكتب، فخلقت زاوية في غرفتي، عندما يكون الوقت فيه سعة أختفي فيها". تختطفه العصابة لأن زعيمها يريد أن يقرأ له "واد جدّه/الخياط" الكتب المتكومة في القصر العتيق الذي استولى عليه. في هذا الطرح تحديدا رمزية كبرى، إذ اراد الكاتب أن يكشف للقارئ محطات أساسية كان لها دور حاسم في التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية في مصر.

 جزء من التاريخ هو سطوة القوة التي لا تستند إلى المعرفة، وهذا ما أطرحه في سياق لحظة تاريخية كان للتحولات فيها فعل السحرعلى الناس، حينما كبرت أحلام الشعب عقب ثورة 1952


سطوة القوة

عن سبب تناوله هذه الحقبة التاريخية يقول مصطفى البلكي لـ"المجلة": "جزء من التاريخ هو سطوة القوة التي لا تستند إلى المعرفة، وهذا ما أطرحه في سياق لحظة تاريخية كان للتحولات فيها فعل السحرعلى الناس، حينما كبرت أحلام الشعب عقب ثورة 1952".

تحتلّ شخصية الجدّة جزءا أساسيا من الرواية. بصورة عامة، المرأة حاضرة دوما في أعمال مصطفى البلكي، وهي ليست مخلوقا ضعيفا بل عنصر مؤثر في الحدث السردي. وعلى الرغم من أن الكاتب ابن محافظة أسيوط بصعيد مصر حيث تُصوَّر النساء على أنهن مهمشات، يقول البلكي: "أنا صنيعة النساء، نشأت في كنف جدة منحها الله موهبة الحكي، نالت حظّا وافرا من الحزن فأصبح جدارا تخشى دائما تجاوزه، وعلى الرغم من ذلك كانت المقاومة فعلا خاصّا بها، فظلت تنتقل بمهارة بين السكون والحركة وهي تحمل حزنها وتقول لمن حولها: لا منطق في وجه امرأة ترغب في الحياة، وتنقل الحب بين مكان وآخر برحابة صدر، ولأني كنت أتابعها، أرى أنّ المقاومة مفرحة على الرغم من الألم، لأنها تحمل جينات الحياة، فكبرت وأنا مؤمن بأن المرأة محور الكون، وهي الحب، وهي الصبر والمقاومة".

غربة وحنين

ابتعدت الجدّة عن بيتها بقرار من الحفيد الذي أراد أن يسكن بيتا جديدا، فشعرت المرأة المسنّة بالغربة والحنين، حتى أنها قرّرت الفرار: "انتبهت لها وهي تركض، كانت أسرع مني، مرت من الشرفة إلى الشارع". عن قسوة هذا القرار وكيف أنه أراد أن يشعر القارئ بقوة رفض الجدّة الواقع الجديد يقول البلكي: "الجدة في هذا النص ترمز إلى الأصالة بكل ما تعنيه الكلمة، فهي الجذور الممتدة في أرض عرفتها وارتبطت عليها، وفي تلك الأرض ارتبطت بالبيت، وكما يقال من يعرف كيف يبني بيتا سيعرف كيف يعمره، وفي هذا البيت وجدت الحب الذي جمعها بفهيم زوجها وحينما فقدته اختفت رغبتها في الحياة".

من خلال هذا الطرح يمكن أن ندرك الدمج بين العام والذاتي في النص السردي، بين تأثير شخصية جدّة البطل، الخياط، وتأثير جدّة الكاتب مصطفى البلكى عليه. يوافقني الكاتب في هذا الطرح ويقول: "أنا ابن المرأة التي كانت تشتري حبي لها بالحكايات، نحن جميعا أبناء نساء وأحفاد جدات وأزواج نساء، كلهن يملأن لحظاتنا ويمنحننا نوعا من السعادة، لذلك حينما يقال قدر الرجل امرأة، فهذه حقيقة تصل حدّ اليقين، وهي في وجودها وحركتها الدائمة تقاوم كل العوامل التي من شأنها هدم البناء الذي تعاني من أجله، البناء الذي هو الآخر، يسرق منها سنواتها، فهي عمود الخيمة التي تضم الأسرة بكل أفرادها".

نحن جميعا أبناء نساء وأحفاد جدات وأزواج نساء، كلهن يملأن لحظاتنا ويمنحننا نوعا من السعادة، لذلك حينما يقال قدر الرجل امرأة، فهذه حقيقة تصل حدّ اليقين 

مصطفى البلكي

تغير وحشي

رحلة البطل الطويلة بين المعرفة ومعايشة الأحداث، جعلته يقرر العودة إلى القرية بعد سنوات طويلة من الابتعاد، بما يرمز إلى قسوة ما مر به المجتمع المصري من تدهور في كل مناحي الحياة. فحتى القرية لم تسلم من هذا التغيير الوحشي، فلم تعد الشوارع كما هي ولا عادت البيوت كما يتذكرها: "لا أعرف على وجه الدقة ماذا أريد في كل مرة أقول فيها، أريد أن أرقد في سلام. هل أريد النهاية، أم أريد أن أعرف المزيد".

على الرغم من دراسة مصطفى البلكي العلوم، إلا أنه يتكئ على التاريخ كعنصر أساسي في البناء السردي في معظم أعماله. كما يمكن قراءة النص على مستويات عدة، فهو يستغل الحدث التاريخي كموضوع أساسي ومن خلال أبطال العمل يحاسب الشخصيات التاريخية من وجهة نظر اجتماعية وسياسية. على سبيل المثل، بطل الرواية، الخياط، يمثل المجتمع الذي اختطفته التيارات اليمينية المتطرفة والفساد السياسي، والذي يعرف ما يحدث حوله، وتلك المعرفة سبب شقائه. أما الحبيبة راجية، فترمز إلى الوطن. بطل الرواية يصف ما تمر به حبيبته: "فهمت أنها تتحرك تحت وطأة قوة غامضة تعيش بداخلها".

الكاتب المصري مصطفى البلكي

حول مقاربته للكتابة يقول: "الكتابة عندي شرفة مفتوحة على الحياة، على الماضي والحاضر والمستقبل، الماضي هو التاريخ، أصل الوجود. وهو الحريق الذي انطلق منه الدخان الذي هو حاضرنا، والغد هو ابن شرعي لليوم، حينما أعود إلى الماضي فأنا أعود إلى الإنسان، هو من يعنيني، ولذلك لم أذهب يوما إلى تمجيد شخص، وأرى أن على المبدع عبء خلق حياة تخالف الواقع في صورته، وبناء عالم ثالث يكون نتاج تزاوج عالم الخيال وعالم الواقع، لحظة كسر الخط الفاصل هي ذاتها لحظة إدراك المبدع بأن اللحظة هي لحظة ولادة النص".

لدى مصطفى البلكي رصيد كبير من الأعمال المنشورة بين رواية وقصة قصيرة، منها "حكايات مبتورة" و"البهيجي"، وهو حاصل على جوائز عدة منها جائزة بهاء طاهر للرواية 2017 وجائزة إحسان عبد القدوس.

font change

مقالات ذات صلة