تفاؤل حذر حيال ارتفاع الطلب على النفط في 2023

جولة في النصف الأول ... وتوقعات النصف الثاني من 2023 على إيقاع الفوائد

رويترز
رويترز
شعار منظمة أوبك

تفاؤل حذر حيال ارتفاع الطلب على النفط في 2023

طُوي النصف الأول من السنة، فيما لا تزال حالة "عدم اليقين" والشكوك تطغى على توقعات توازن العرض والطلب ومستويات أسعار النفط، بسبب ارتفاع مستويات التضخم، وتشدد البنوك المركزية في السياسات النقدية ورفع الفوائد، مما قد يؤثر أيضاً على تكلفة إنتاج النفط واستثمارات المنبع (الاستكشاف والتنقيب).

وأخيرا تحرك هذا الأسبوع سعر خام برنت صعودا خارج النطاق السعري الضيق بين 72 و77 دولارا للبرميل، ليخترق حاجز الـ 80 دولارا عند الإغلاق الأسبوعي. ولكن من الصعب تقييم مدى استدامة هذا التحرك، وإن كان سيخرج من نطاق أرض السبعين دولارا وسقف الثمانين دولارا. جاء ذلك نتيجة انخفاض الدولار الأميركي الى أدنى مستوى له في 15 شهرا نظرا الى التوقعات بوقف رفع الفائدة الأميركية وسط تراجع التضخم.

ساهمت خفوضات "أوبك بلس" بنحو 300 مليون برميل من الامدادات على مدى شهرين، في امتصاص فائض المخزونات الذي بلغ أعلى مستوياته خلال نحو عامين، وفي تجنب تراكم المخزون حتى في ظل ضعف الطلب. وقد يكون هذا الخفض هو الذي دفع الأسعار إلى الارتفاع مع الإغلاق الأسبوعي.

وحققت أسعار النفط مكاسب بتقلبات صعودية منبسطة مع إغلاق الأسبوع الثالث على التوالي، وارتفاع سعر خام برنت فوق حاجز الـ 80 دولارا للمرة الأولى خلال شهرين ونصف الشهر بشكل طفيف، على الرغم من استمرار الرياح الاقتصادية المعاكسة المصاحبة لسياسات نقدية مشددة، خفضت على أثرها وكالة الطاقة الدولية توقعاتها لنمو الطلب على النفط.

ارتفع سعر خام برنت فوق حاجز الـ 80 دولارا للمرة الأولى خلال شهرين ونصف الشهر، على الرغم من استمرار الرياح الاقتصادية المعاكسة المصاحبة لسياسات نقدية مشددة

تتزايد المعنويات المتفائلة مع تضييق الإمدادات في السوق المادي (physical market) للعقود الفورية، وهذا ما عكسه تقرير صادر عن وكالة معلومات الطاقة الأميركية على المدى القصير، توقعت فيه أن يتجاوز الطلب على النفط العرضَ على مستوى العالم في النصف الثاني من السنة الجارية.

توقعات متفائلة  

بالتوازي، أفادت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها الشهري الأخير، أن الطلب العالمي على النفط يتجه نحو الارتفاع بمقدار 2,2 مليون برميل يوميا في عام 2023 ليصل إلى 102,1 مليون برميل يوميا في المتوسط، أي بانخفاض في الطلب مقارنة بما ورد في تقرير الشهر الماضي الذي توقع نمو الطلب 2,4 مليون برميل يوميا، وهذا أول خفض لتوقعات الوكالة هذا العام. كما أنه من المتوقع أن يؤدي خفض الإنتاج الذي أعلنته المملكة العربية السعودية وروسيا، إلى سحب فائض البراميل من السوق، مع ما يعكسه ذلك على الهياكل السعرية للأشهر المستقبلية للعقود الآجلة.

يتوافق تقرير منظمة "أوبك" لشهر يوليو/تموز الجاري مع توقعات وكالة الطاقة الدولية بنمو الطلب العالمي على النفط، حيث يتوقع التقرير أن ينمو الطلب 2,4 مليون برميل يوميا في عام 2023، بعد تعديل صعودي بنحو 0,1 مليون برميل في اليوم مقارنة بتوقعات الشهر الماضي.

رويترز

 يرجع ذلك أساسا إلى ارتفاع الطلب في الصين في الربع الثاني من السنة الجارية على الرغم من انخفاض واردات النفط الخام الصينية في أبريل/نيسان الماضي بنسبة 16 في المئة إلى 10,4 ملايين برميل يومياً، متراجعة من أعلى مستوى لها في 33 شهرا عند 12,37 مليون برميل يوميا في شهر مارس/آذار المنصرم، بينما سجلت صادرات المنتجات النفطية الصينية أدنى مستوى لها في تسعة أشهر. ويرتقب أن ينمو الطلب العالمي على النفط بمعدل 2,2 مليون برميل في اليوم في 2024، ليصل إلى نحو 104,25 ملايين برميل في اليوم. 

إلا أن هذه التوقعات غير مقنعة لأن قوة السوق الفعلية انعكست في أداء أسعار البراميل الفورية في سوق "Spot Market" في الربع الأول من السنة، المدعومة بتضييق الإمدادات، والتي سعرت بعلاوة، في مقابل أسعار عقود النفط الآجلة المستمرة في التراجع بسبب ضغوط ارتفاع أسعار الفائدة الذي قد يُبطئ النشاط الاقتصادي ويُضعف الطلب على النفط. أما في الربع الثاني، فسيطرت حالة "عدم يقين" كبيرة على التوقعات. وقد يكون استمرار حال الانفصال الكبيرة بين الأسواق الفورية من جهة، والتراجع الكبير للأسواق الآجلة من جهة أخرى، بمثابة تنبيه آخر للسوق بعد ثلاث سنوات على الفوضى التاريخية في أبريل/نيسان 2020، التي ألقت الضوء على الحاجة الملحّة لمعايير نفطية دولية أكثر شفافية. 
وقد تراوح سعر خام برنت ما بين 72 و88 دولارا للبرميل منذ بداية عام 2023، بمتوسط 82 دولارا للبرميل، فيما كان متوسط سعر خام برنت عند 101 دولار للبرميل العام المنصرم، و71 دولارا لعام 2021. 

المخزونات الاستراتيجية

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن المخزونات الاستراتيجية الأميركية بلغت في مطلع السنة الجارية 372 مليون برميل، مقارنة بـ 638 مليون برميل قبل عامين، وكانت وصلت ذروتها في عام 2010 عند 727 مليون برميل. أي تم استنفاد أكثر من ثلث احتياطي البترول الاستراتيجي خلال الـ 12 شهرا الماضية والمخزون المتبقي هو الأدنى منذ ما يقرب من 40 عاما.

لا شك أن عملية السحب من الخزن الاستراتيجي الأميركي، وإن لم تحدث أي ضغط على الأسعار أو تغير في ميزان العرض والطلب، ساهمت في إغراق الأسواق بالنفط الخفيف القليل الكبريت من جهة، وأجبرت مصافي التكرير الأميركية على شراء النفط العالي الكبريت من الخزن الاستراتيجي، لتعظيم هوامش الربحية أثناء ذروة ارتفاع أسعار المشتقات البترولية قبل أشهر، وأيضا تخلصت من نفط تم تخزينه على مدى أربعين عاما وما يصاحبه من مشاكل جودة الخام الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأميركي (SPR) لأن المصافي ستحتاج إلى الوقت والمال لإزالة التلوث قبل البدء بعمليات التكرير.

وتشير آخر البيانات لمخزونات النفط التجارية لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في شهر مارس/آذار، الى أنها كانت عند 195 مليون برميل، وهو أعلى من الفترة نفسها قبل عام، ولكن أقل بـ 34 مليون برميل من المتوسط في السنوات الخمس الأخيرة.

EIA

يؤثر رفع البنوك المركزية سعر الفائدة على تكاليف تخزين النفط على نحو مباشر وغير مباشر كالآتي:

أولا: زيادة تكلفة الاقتراض. حيث سيكون على المستثمرين في تخزين النفط، دفع فائدة أعلى على الديون التي يتعاملون بها.
ثانيا: زيادة التقلبات في الأسواق المالية التي قد تؤثر في القدرة على الاستثمار في تخزين النفط.
ثالثا: التغيرات في قيمة العملة خصوصا مع ارتفاع سعر الدولار الأميركي بفعل رفع سعر الفائدة، الذي قد يؤدي إلى زيادة تكاليف التخزين للدول التي تستورد النفط بالدولار.
رابعا: انخفاض الطلب على النفط مما يزيد الحاجة إلى التخزين، وبالتالي يرفع التكاليف.

ارتفاع ضغوط الفائدة

تعرضت أسعار النفط لضغوط من مخاوف من تباطؤ النمو الاقتصادي وزيادة أسعار الفائدة على الرغم من تعزيز تحالف منتجي "أوبك بلس" خفض الإنتاج، ولا يتوقع أن تخفض المنظمة الإنتاج مرة أخرى استجابة لزيادة أسعار الفائدة الأميركية. 
مع تباطؤ النمو في الاقتصاد الأميركي، تضيف علامات التحذير في أسواق الطاقة إلى مخاوف المستثمرين من أن الركود يلوح في الأفق لدى أكبر مستهلك في العالم، ويعتبر الانخفاض الحاد للطلب على الديزل مؤشرا الى ذلك.

يؤثر رفع البنوك المركزية لسعر الفائدة على تكاليف تخزين النفط على نحو مباشر وغير مباشر، كما أن انخفاض الطلب يزيد الحاجة إلى التخزين، وبالتالي يرفع التكاليف 

وكانت أسعار الديزل العالمية انخفضت إلى أدنى مستوياتها خلال أكثر من 13 شهرا، بسبب ضعف الطلب على المادة، شريان النشاط الصناعي، في الولايات المتحدة الأميركية. ويشير هذا الانخفاض في الطلب إلى تباطؤ في النشاط الصناعي والشحن، مما يزيد مخاوف حدوث ركود في الولايات المتحدة، وقد أبلغت شركات النقل والخدمات اللوجستية بالفعل عن حدوث تراجع كهذا. 

وتمت إعادة توجيه صادرات الديزل الروسية بنجاح إلى آسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبية، بعد فرض العقوبات من قبل الاتحاد الأوروبي في شهر فبراير/شباط 2023. بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك إشارات متضاربة من أسواق المنتجات النفطية وسط ارتفاع الإمدادات من المصافي وعلامات على سوق النفط الخام الجيدة الإمداد.
 

انخفاض الطلب غير المتوقع في ذروة موسم الطلب على البنزين في الولايات المتحدة الأميركية في فصل الصيف، أدى إلى تراجع متوسط الأسعار بشكل مضطرد، مما ضغط على سعر خام غرب تكساس ووسّع الفرق مع سعر خام برنت، وكذلك تراجع الطلب على الديزل وزيوت التدفئة في فصل الشتاء.

 من جهتها، تتوقع إدارة معلومات الطاقة الأميركية ارتفاع إنتاج النفط المحلي الأميركي بنسبة 5 في المئة في السنة الجارية إلى 12,5 مليون برميل يوميا، وأكثر بقليل من واحد في المئة إلى متوسط 12,7 مليون برميل يومياً في عام 2024، مع زيادة الاستهلاك بنسبة 1 - 1,5 في المئة سنويا إلى 20,8 مليون برميل يومياً في السنة المقبلة.
 

font change

مقالات ذات صلة