إدارة "فاغنر" بعد بريغوجين

إدارة "فاغنر" بعد بريغوجين

لا شك في أن غياب الزعيم القوي لمجموعة فاغنر سيثير جملة من الأسئلة حول قدرة المجموعة على البقاء من دون زعيمها الشهير يفغيني بريغوجين، وذلك نظرا للدور المحوري الذي كان يلعبه في إنشاء وإدارة مجموعة تتمتع بالنفوذ في روسيا؛ فقبل وفاته المفاجئة في حادث تحطم طائرة غامض، كانت المجموعة قد بنت حضورا عالميا فعالا، يمتد من ساحة معركة الحرب الأهلية طويلة الأمد في سوريا إلى المنطقة الواقعة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا.

وعلاوة على ذلك، لعبت فاغنر دورا حاسما في الحملة العسكرية الروسية الجارية في أوكرانيا، ولا ننسَ أن قواتها هي التي استولت على مدينة باخموت الأوكرانية في وقت سابق من هذا العام، وهو أحد النجاحات الملموسة القليلة التي حققتها القوات الروسية في ميدان المعركة.

إن القرار غير المدروس الذي اتخذه بريغوجين بالقيام بمحاولة انقلابية في يونيو/حزيران، عندما ادعى أن المجهود الحربي الروسي كان يتداعى على نحو خطير بسبب عدم كفاءة كبار القادة العسكريين، قد أنهى فعليا الوضع المتميز الذي كانت تتمتع به مجموعة فاغنر التابعة له في عهد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

لقد لعب الزعيم الروسي دورا فعالا في مساعدة بريغوجين على تأسيس فاغنر، ولطالما استخدم المجموعة كجيش خاص لتحقيق أهدافه.

وفي حين أصر بريغوجين على أن محاولته الانقلابية كانت تستهدف القيادة العسكرية العليا في روسيا، وليس الزعيم الروسي نفسه، فإن بوتين ندد به ووصفه بالخائن، وخيّر فيالق فاغنر من المرتزقة بين أمرين، إما أن تحل نفسها ويعود جنودها إلى منازلهم وإما أن تفر إلى المنفى.

وقد أدى الاحتكاك الواضح بين الرجلين في المحصلة إلى اتهام بوتين بالمسؤولية عن حادث تحطم الطائرة الأسبوع الماضي شمال غربي موسكو، والذي قضى فيه بريغوجين وعدد من المسؤولين الآخرين رفيعي المستوى في فاغنر، ولكن الكرملين نفى ذلك بشدة.

وقال مسؤولون أميركيون إن معلومات استخباراتية أولية تشير إلى أن بريغوجين قد اغتيل، وأن قنبلة ربما قد انفجرت على متن الطائرة.

لعب الزعيم الروسي دورا فعالا في مساعدة بريغوجين على تأسيس فاغنر، ولطالما استخدم المجموعة كجيش خاص لتحقيق أهدافه

ومن المؤكد أن بوتين لن يشعر بالحزن على وفاة بريغوجين، الذي ألحق ضررا جسيما بمصداقيته الشخصية ووضعه القيادي بسبب انتقاداته العلنية لطريقة معالجة الكرملين للصراع في أوكرانيا.

إن عدم أسف بوتين على وفاة مساعده السابق، والذي أصبح معروفا باسم "طباخ بوتين" بسبب ارتباطه الوثيق بالزعيم الروسي، كان أمرا واضحا بكل جلاء، عندما أكد المحققون أخيرا، بعد الفحص التفصيلي لعينات الحمض النووي، أن بريغوجين كان من بين الضحايا العشرة الذين قضوا في حادث تحطم الطائرة. 

لقد أشاد بوتين ببريغوجين ووصفه بأنه "رجل أعمال موهوب"، وانتقده أيضا في تصريحاته الأولى التي أدلى بها عقب وفاة زعيم فاغنر نظرا لارتكابه "أخطاء جسيمة".
وقال بوتين في خطاب متلفز: "أعرف بريغوجين منذ فترة طويلة، يعود تاريخها إلى أوائل التسعينات. لقد اجتاز رحلة شاقة، وارتكب أخطاء كبيرة في حياته. ومع ذلك فقد حقّق إنجازات لنفسه وأيضا بناء على طلبي". 

واعترف بوتين أيضا بأن أعضاء فاغنر الذين قُتلوا في الحادث أسهموا "مساهمة كبيرة في قضيتنا المشتركة المتمثلة في محاربة نظام النازيين الجدد في أوكرانيا".

ومع ذلك، كان تصميم بوتين على وضع حد لتورط بريغوجين التخريبي واضحًا من خلال قرار الكرملين بحرمان المحارب القديم في فاغنر من إقامة جنازة رسمية، وهو الذي كان كُرِّم، قبل انقلابه الفاشل ضد الكرملين، بوسام بطل روسيا، وهي ميدالية مرموقة تخول حاملها الحق في إقامة جنازة رسمية له بحضور حرس الشرف. ويشير رفض بوتين منح حليفه السابق هذا الشرف إلى رغبته في التقليل من مساهمة زعيم فاغنر في خدمة الدولة.

ومع ذلك، قد يجد بوتين صعوبة في محو ذكرى بريغوجين بالكامل من أذهان الشعب الروسي. إذ إن مآثر زعيم فاغنر، ولا سيما في أوكرانيا، جعلت منه شخصية محطَّ إعجاب القوميين الروس، إلى درجة أن نصبا تذكارية مؤقتة ظهرت في جميع أنحاء روسيا إجلالا له بمناسبة وفاته. 
سوى أن الأمر الأكثر أهمية بالنسبة لبوتين هو التحدي المتمثل في تحديد ما يجب فعله ببقايا منظمة فاغنر، ولا سيما أن كثيرا من المسؤولين الرئيسين الذين عملوا مع بريغوجين قد قُتلوا في حادث تحطم الطائرة ذاته.
 

من المؤكد أن بوتين لن يشعر بالحزن على وفاة بريغوجين، الذي ألحق ضررا جسيما بمصداقيته الشخصية ووضعه القيادي بسبب انتقاداته العلنية لطريقة معالجة الكرملين للصراع في أوكرانيا

وكان ديمتري أوتكين، وهو ضابط في الجيش الروسي والذي يُعتقد أنه اليد اليمنى لبريغوجين، من بين القتلى في الحادث. وقد كان أوتكين يدير عمليات مجموعة المرتزقة منذ تأسيسها في عام 2014، حيث تولى مسؤولية القيادة العامة والتدريب القتالي.

كما قُتل في الحادث فاليري تشيكالوف، الذي لعب دورا رئيسا في الشؤون المالية للمجموعة.

وبعد مقتل هذه الشخصيات الرئيسة في المجموعة، تحرك بوتين بسرعة لوضع فاغنر تحت هيمنة الكرملين المباشرة، وأصدر أمرا لمقاتلي فاغنر بالتوقيع على قسم الولاء للدولة الروسية. 
وسيحتاج بوتين أيضا إلى التركيز على مستقبل مجموعة فاغنر، ولا سيما عملياتها واسعة الانتشار في أفريقيا والشرق الأوسط، والتي ثبت جدواها إلى حد كبير بالنسبة للكرملين. 

لقد برهنت فاغنر، بفضل شبكة الاتصالات المعقدة التي أنشأها بريغوجين، على نجاحها الكبير في تمويل صندوقها الحربي من خلال استغلال الموارد الطبيعية في البلدان التي تعمل فيها. وشملت إحدى العمليات المُربحة على وجه الخصوص تهريب الذهب من السودان، حيث تتمتع فاغنر بحضور كبير هناك، إذ يُباع بعد ذلك للمساعدة في تمويل الجهد الحربي في أوكرانيا من خلال تمكين موسكو من تفادي العقوبات الغربية.

 كما ساعدت أموال شركة فاغنر على توسيع عملياتها في جميع أرجاء أفريقيا، حيث وفرت المجموعة الأمن ضد المنظمات المتطرفة كتنظيم القاعدة، وتنظيم الدولة الإسلامية. ونظرا للاهتمام الذي يُظهره الكرملين لتعزيز العلاقات الدبلوماسية مع أفريقيا، سيحرص بوتين كل الحرص على الحفاظ على وجود روسيا في المنطقة، حتى ولو عنى ذلك وضع مرتزقة فاغنر تحت قيادة جديدة. يَعتبر الكرملين أفريقيا على رأس أولوياته إذ إنه يسعى إلى الحصول على حلفاء جدد في ظل حربه في أوكرانيا، حيث ساعدت قوات فاغنر أيضا على الفوز في معركة مهمة. وتُعد دول أفريقيا الـ54 أكبر كتلة تصويت في الأمم المتحدة، وعملت موسكو بنشاط على حشد تلك الكتلة لدعم غزوها.

ويبقى أن التحدي الكبير الذي يواجهه بوتين يكمن في وضع استراتيجية للحفاظ على النفوذ الذي أسسته "فاغنر" في المنطقة، وخاصة الآن بعد أن لم يعد في إمكانه الاعتماد على خدمات حليفه السابق بريغوجين.
 

font change