في إعادة التكوين... فلسطينيو الشتات يستعيدون الهوية الجامعة

AFP
AFP

في إعادة التكوين... فلسطينيو الشتات يستعيدون الهوية الجامعة

اللجوء والشتات الفلسطيني لا يحملان صفة المفرد فقط، بل الجمع كذلك، ولكنهما مختلفان بعض الشيء؛ فاللجوء يضم كل من أبعدوا عن فلسطين قسرا ونتيجة لسياسات التطهير العرقي التي مارستها إسرائيل في فلسطين. والشتات قد يكون جزءا من اللجوء، لكنه يتجاوزه. فهم كذلك، يعني عموم الفلسطينيين الذين انتقلوا لدول العالم وقاراته، كلاجئين مضطرين، أو كوافدين للدراسة أو العمل أو لجمع شمل عائلي، أو لتحسين فرص عيش أفضل، فهؤلاء كلهم أتوا هربا من أنظمة التسلط العربية، أو من مناطق الـ48 أو من غزة أو الضفة أو القدس.

ومع أن ظروفهم مختلفة جدا، وسبل عيشهم متنوعة، إلا أن غالبيتهم، وخصوصا بعد استقرارهم، عاودوا بناء الحنين لفلسطين ونشطوا تدريجيا في الدفاع عنها وعن قضاياها، وكلهم، على ما أظن يحلمون ويحملون فكرة زيارة فلسطين ويسعون إلى ذلك بتفاوت وحسب الفرص والإمكانيات، ويفتشون عن أقارب لهم في الجليل أو الخليل أو نابلس أو القدس، ويتواصلون ويرتبون لزياراتهم وفي قلبهم الحنين إلى فلسطين وأهلها.

كان نصيبي ونصيب عائلتي في هذا من جملة ما حدث مع الكثيرين. أقارب وأصدقاء قدامى وجدد، هُجروا هم أو أهاليهم خلال النكبة، يتواصلون ليزوروا فلسطين التي غرست في مخيلاتهم داخل مخيمات اللجوء أو في مخيمات التدريب، التي أقامتها منظمات فلسطينية في بلدان اللجوء. لا أريد أن أعدد؛ لأن القائمة طويلة وتمتد لحوالي ثلاثة عقود، إلا أنني أعدت التفكير فيها كلها، والحنين لها، خلال الأسابيع الأخيرة، أثناء زيارة الصديق ماجد كيالي لنا.

ماجد كيالي الذي ولد في حلب لأبوين هُجرا إبان النكبة من اللد، ونشط سياسيا في حركة "فتح"، وبعدها سكن في عاصمة اللجوء مخيم اليرموك، وتركه ليسكن مع عائلته في "قرى الأسد" بين دمشق وبيروت، ولاحقا غادر سوريا، بسبب نظامها القمعي، إلى الولايات المتحدة، ومن ثم إلى إسطنبول ثم سكرامنتو (كاليفورنيا) ثم برلين، كأن لا مكان له، بعد أن فقد مكانه الأول والثاني (في فلسطين وسوريا).

لكنه بالنسبة لي صديق تعرفت إليه رويدا رويدا منذ حوالي عقدين، وتشاركنا في صياغة بعض البيانات السياسية، أو التوقيع على أخرى، كما وجدته مثابرا على مواقفه النقدية من السياسة الفلسطينية أولا، والأنظمة العربية القمعية ثانيا، كما تبدت في هموم الفلسطينيين الملاحقين وكوارث السوريين، الذين طردهم نظام البعث من وطنهم، في نكبة، لا تقل هولا عن نكبتنا كفلسطينيين، بل تزيد عليها بدلالة فعل نظام سوريا ذلك، ضد شعبه، بوحشية تقارب النازية في أفعالها، بادعاء الدفاع عن البلد، بلد الأسد، لا بلد السوريين. وفي مرحلة متأخرة توطدت علاقتنا من خلال التفاعل مع مبادرته لإقامة "ملتقى فلسطين" الذي أضحى تدريجيا منصة اللقاء الأهم والأنشط بين عموم النشطاء والمثقفين الفلسطينيين، وبغير أن يكون مقتصرا على فئة جغرافية أو سكانية محددة منهم.

ما الدروس أو التلخيصات المركزية من زيارات اللاجئين الآتين من شتاتهم إلى فلسطين؟ طبعا لا أستطيع الإحاطة بكل ما يمكن، فالموضوع بحاجة إلى أكثر من نص قصير، لكنني سأحاول تجميع جل ما أمكنني حتى أقارب وقع تلك الزيارات المستعجلة، لكونها تأتي في سياق الزيارة الخاطفة والقصيرة

إذن ما هي الدروس أو التلخيصات المركزية من زيارات اللاجئين الآتين من شتاتهم إلى فلسطين؟ طبعا لا أستطيع الإحاطة بكل ما يمكن، فالموضوع بحاجة إلى أكثر من نص قصير، لكنني سأحاول تجميع جل ما أمكنني حتى أقارب وقع تلك الزيارات المستعجلة، لكونها تأتي في سياق الزيارة الخاطفة والقصيرة والعودة بعد ذلك إلى أماكن السكن الحالية للغوص مجددا في مهمات الحياة العادية، وإعادة التفكير والفعل في قضية فلسطين. 

أولا، زائر فلسطين الذي يرشدك إلى فلسطين وأهلها. ولدت في الجليل، وأعيش هنا في بيت جدي الذي شيد أول مرة عام 1937، وأقمت في حيفا والقدس، وتزوجت هناك، وأنجبت ابنتيّ: لينا وهلا هناك، وهما يعتبران القدس وطنهم الأول. لكنني كعادة أهل البلد الساكنين فيها لا أستعجل زيارة كل الأماكن والمواقع، فأتمهل وادخلها كلما سنحت الفرصة، وعموما يمر العمر سريعا ولا أقوم بما يكفي من التعرف إلى وطني. ويأتيك الزائر العائد يحمل صرة من الأماكن التي تعود أصولها لأهله أو لأهالي أترابه وأصدقائه؛ فيحملك معه إلى صفد، وإلى حي الصليب في حيفا، وإلى هربيا على حدود غزة، وإلى سلفيت وإلى قرى منطقة نابلس، وإلى الشجرة المهجرة، وإلى عشرات المواقع الأخرى التي تمنى زيارتها، أو أوصى بزيارتها والإتيان بحفنة تراب منها إلى ابنه اللاجئ أو الذي يعيش في الشتات. 

لا أعرف كم خسرت نتيجة تقاعسي واعتمادي على الآتي في حياتي من العمل لزيارة الأمكنة والتعرف إلى مناطق جديدة في فلسطين، لكنني ممنون بهذا، أو على الأقل بجزء كبير منه، للزائر من الشتات، الذي كثف تعرفي إلى فلسطين أكثر، ومن خلال زيارات قصيرة ومركزة، شكلت ورشة ممتدة لأيام من الزيارات لزوايا عمرانية وجغرافية وأهلية جديدة في وطني، فلسطين.

AFP
مدينة ام الفحم ذات الاكثرية العربية

ثانيا، الآتي من الشتات ليجمع عموم الفلسطينيين. يأتيك من الشتات حاملا ذكرى أصدقاء قدماء وجدد؛ منهم من مهجري النكبة، ومنهم من مهجري النكسة، ومنهم من اختار الانتقال لخارج فلسطين. يلتقيهم في تجواله، ويحمل أسماءهم وأسماء أهلهم في فلسطين، كما يتواصل قبل زيارته مع آخرين يسكنون في غزة ورام الله ونابلس وجنين وحيفا وسخنين وترشيحا. يقودك مشروع زياراته ولقاءاته للقاء كل هؤلاء وفي كل فلسطين التاريخية، يجمعك بعموم الفلسطينيين وحتى السوريين الجولانيين، يجمعك بعينة من أهلك من أبناء شعبك، من هنا ومن هناك، ويصل باتصالات الواتساب بينك وبين مخيم برج البراجنة ومخيم النيرب وأحياء عمان ومن يسكن فيينا ومونتريال، يجمعك بعينة من عموم الفلسطينيين، يعرفك أكثر إلى الفلسطينيين، فيما يتعدى الحدود والأمكنة، يعيد ويوثق ربط الخيوط التي لم تكن أصلا، أو تقطعت بفعل السياسات المعادية أو بفعل الأيام، إنه يجمعك بعموم الفلسطينيين.

ثالثا، بين النكبة والحاضر، التقيت الفلسطيني الآتي من الشتات خارج بوابة المطار في اللد، مرة بعد توقيفه لساعات لتحقيق صوري، ومرة بسرعة وللتو بعد نزوله من الطائرة. نتجه شمالا نحو بيتي، وأراه يرمق بنظراته البلدات الفلسطينية، يندهش من حجمها واكتظاظ عمارها، بعدها يدخل بلدي فيرى جوانب من التمدن وأخرى من الفوضى. يشدني بالسؤال: أين شعب من البروة؟ أين طمرة من الدامون؟ أين بلد الشيخ من حيفا؟ أين ما ترك من بيوت وبلدات كاملة، وأين يسكن أهلها، عدا من التقى بهم في بلدان اللجوء أو في تجواله. يحدثني عن ذكريات انتقلت إليه من أهله حول ما كان، وعن التهجير وأحلام العودة، يبدأ في صياغة أفكاره مجددا عما كان مقابل ما وجده على أرض الواقع، يتصل بصديق مشترك من بلد الشيخ ويخبره عما حل ببلد الشيخ، وعن حفظ المقبرة وضريح الشيخ عز الدين القسام، وعن دور نشطاء فلسطينيين في الـ48 بذلك. يجد واقعا حقيقيا مختلفا عما تخيله، يعيد بناء التصور ويتمتم بتلخيصات واستنتاجات، ويمضي.

رابعا: في عز التناقض بين المخيال والواقع. يأتي زائرا فلسطين حاملا ذكرى النكبة كما عاشها هو أو أهله الذين دأبوا على إعادة القصة أمامه بعد ولادته في حلب أو الشام، في نهر البارد أو عمان. يفكر في فلسطين كما عرفها من خرائط سلمان أبو ستة، أو النسخة الورقية التي طبعتها دائرة الإعلام في "الجبهة الديمقراطية"، أو "فتح"، وألصقت بباب مكتب مدير المخيم التدريبي في النيرب أو اليرموك أو نهر البارد. عند اقترابه من علو في الطائرة التي ترنو من مطار اللد، ينظر من النافذة الصغيرة ويرى أكوام العمارات الممتدة من تل أبيب وما حولها، يرمق حارة صغيرة بلون الصفار والكريما، ويتعرف بعد ذلك على كونها ما تبقى من يافا.  يسافر معي بين حيفا وعكا ويقول بصمت حزين، متى شيد كل هذا؟ حسب الخرائط وما تعلمته من أهل المنطقة بين عكا وحيفا تقريبا خالية من السكان، ويجلس مساء ببيتي ويجول بعينيه في قمم الجبال حوله ليرى سبع مستوطنات على قمم الجبال وعلى مرمى النظر، فيسأل كيف تغير جذريا؟ أين فلسطين التي علموني عنها؟ 

بين فلسطينيين والفلسطينيين، تأتي الزيارة لتعمق لدى الزائر العائد، بأن هنالك "فلسطينيين" يعيشون في وهم اسمه دولة فلسطين، أو ينظرون لها أو يقبلونها واقعا، وربما يحملون الهوية الخضراء أو جواز السفر الفلسطيني، المنتج في إسرائيل

خامسا: بين فلسطين (دولة فلسطين) وفلسطين. يخطط قبل الزيارة لزيارة فلسطين وبعض الأمكنة والمدن فيها، ينظر إلى الخارطة، فيعيد تنشيط الفكرة الأساس، فلسطين ليست ما تدأب بعض القيادات والنخب الفلسطينية على تصديره للعالم، إنها بالتأكيد ليست تلك الدولة المتخيلة- غير الواقعية- في الضفة والقدس وغزة. عندما ينتقل من عكا ليافا للنقب لنابلس وللخليل ولحدود غزة، يعيد التأكد من فلسطين ويلتقي بأهلها الفلسطينيين في كل هذه الأماكن وغيرها مما لم يستطع التوقف فيها. يفهم أن مشروع الدولة يتناقض مع مشروع فلسطين. يعيد شحذ ذهنه وفكره في مقارعة أصحاب "دولة فلسطين" وعندما يزور رام الله يعرف أكثر أن الأمر خدعة، وأن الهم الأكبر لأصحاب السلطة في رام الله وغزة هو الحفاظ على امتيازاتهم ومشاريعهم الاقتصادية هم وأولادهم ومقربوهم. وعندما يزور القدس (الشرقية) أو يتجه من رام الله إلى نابلس فجنين يدرك أكثر وأعمق ما علمته له تقارير عالمية وفلسطينية وإسرائيلية، بأن الفصل أصبح مستحيلا، وأن أي سلطة فلسطينية، لن تكون سوى أداة لتطبيع الواقع الإسرائيلي على الفلسطينيين، وأن داعمي مشروع الدولتين، هم بالأساس مساهمون، بإدراك أو بغيره، في تعويم الرؤية الإسرائيلية وديمومتها، إلى الآن.

سادسا: بين فلسطينيين والفلسطينيين، تأتي الزيارة لتعمق لدى الزائر العائد، بأن هنالك "فلسطينيين" يعيشون في وهم اسمه دولة فلسطين، أو ينظرون لها أو يقبلونها واقعا، وربما يحملون الهوية الخضراء أو جواز السفر الفلسطيني، المنتج في إسرائيل. في المقابل هنالك "الفلسطينيون"، وهم أولئك الذين يحملون وعيا فلسطينيا ويعيشون أحلاما وتطلعات فلسطينية، في كل فلسطين، وليس في "دولة فلسطين"، هؤلاء يعيشون في الجليل والمثلث والنقب وغزة وعموم الساحل الفلسطيني، والضفة الغربية والقدس وعمان والشام ولبنان، في المخيمات وخارجها، وفي بلدان الشتات، وفي كل دول العالم. إنهم الفلسطينيون وليسوا "فلسطينيين". يتأمل في المسألة، ويعيد التأكيد لنفسه، ولمن يسمعه، بأن النضال الوطني هو لإحقاق حقوق جميع الفلسطينيين، وليس محصورا بفئة منهم دون غيرها. إنه يعيد التأكد بأن مشروع التحرر يعني كل الفلسطينيين ولا يستثني منهم أحدا، وأنه معني بعموم فلسطين، لا بسلطة تحولت إلى أداة للتحكم بالفلسطينيين وضبطهم في غزة والضفة.

سابعا: بين الهم النخبوي وهموم الناس. في زياراتهم لفلسطين ألتقي عادة، وأرافق لساعات أو أيام في بعض الحالات، زائرين جلهم من النشطاء الفلسطينيين والكتاب والباحثين المنغمسين في الشأن الفلسطيني، وبعضهم نشط أكثر تحديدا في بلدان الشتات التي أتاحت هامشا للتحرك وللتفكير أكثر من أوضاع نفس الأشخاص في العالم العربي الذي تقبض أنظمته، بتفاوت، على الفكر والحركة. وعموما أتعرف عليهم وألتقيهم بواسطة منصات التواصل الاجتماعي، وفي حوارات الشأن الفلسطيني، ونقاشاته الاستراتيجية وسؤال الهوية والانقسام، وما العمل... إلخ.

وعندما يزورونني، وخصوصا عندما تكون الزيارة لأيام، فإنهم يرافقونني، أنا أو مع عائلتي أو مع أصدقائي المقربين، في جولاتنا وزياراتنا ونشاطاتنا اليومية. فيمرون معي على السوبر ماركت، وعلى زيارات الأقارب أو زياراتهم لنا، ونذهب دوما لسوق عكا ومقاهي حيفا وطمرة ونلتقي المعارف، وإلى شاطئ البحر أو إلى بحيرة طبريا، أو في جلسات لعب الورق، أو المشي في الجبال، وصولا إلى المشاركة في الأعراس ومناسبات اجتماعية أخرى.. يشهد الزائر على الحياة اليومية للناس والمنغمسين في القضايا والهموم اليومية، والبعيدين في غالبيتهم الساحقة عن الهموم النخبوية والأسئلة الكبرى... يتعرفون إلى جيل من الشباب في غالبيته منغمس في أعماله أو في تحصيل العلم، أو متابعة الحاجات اليومية، في وضع ترسخت فيه ثقافة الاستهلاك، فتراه في غالبيته ينأى بنفسه عن الخوض في القضايا الوطنية، حتى إنه لا يعرف سوى اليسير من الثقافة الوطنية. ذات مرة- ولاختبار نقاشنا العادي حول الثقافة الفلسطينية ومدى تمكن الفلسطيني في إسرائيل منها، وحول موقفي بأننا ابتعدنا أو أبعدنا جوهريا عن الحركة الوطنية وحتى عن الوعي الجمعي بالفلسطينيين، وصولا إلى ثقافتهم الوطنية- سألنا شابا في العشرينات، بحضور زائر من الشتات، إذا كان يعرف جورج حبش، فأشار لنا بإصبعه إلى أنه صاحب الدكان في آخر الطريق، ومضى. نظرت إلى صديقي محاولا الاستفهام عن إدراكه لمدى عمق الجهل الوطني.

سألنا شابا في العشرينات، بحضور زائر من الشتات، إذا كان يعرف جورج حبش، فأشار لنا بإصبعه إلى أنه صاحب الدكان في آخر الطريق، ومضى

أسوق كل ما تقدم لأقول إن الزائر من أماكن اللجوء والشتات الفلسطيني، والذي قضى حياته في التثقيف الوطني ونقاش القضايا الكبرى، يصبح أكثر تلاصقا للواقع وتعقيداته، عندما يزور فلسطين وأهلها، بالتأكيد هنالك نخبة بين الشباب تناقش وتزاحم برأيها في القضايا الكبرى، لكن هنالك أناسا ونخبا ونشطاء، لا تعنيهم القضايا الكبرى، وإن عنتهم فهي مجرد قضايا جانبية، إزاء اليومي والمعيشي والعملي فهو ما يشغلهم، وفي ذلك كثير من الدلالات على وضعنا، سلبا وإيجابا، وعلى إمكانيات العمل في أوضاع جدية تشغل الناس وتزيح تفكيرهم، وتجعل التحرير والعودة بعيدين عن حياتهم وانشغالاتهم.

AFP
من تظاهرة احتجاج على زيارة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الى الناصرة في 13 يناير 2021


ثامنا: بين السياسة والبعد عنها والعودة إليها، غالبية النشطاء في بلدان اللجوء والشتات طوروا نقدا عميقا للتجربة الفلسطينية، وبنوا تحفظاتهم الشاملة على قيادات وفصائل العمل الوطني، وهذا صحيح للكثيرين من أترابهم في الـ48، وفي غزة والضفة. لكن تجربة الشتات قد تكون خاصة لكونها بنيت إجمالا على أساس الخوض المباشر في تجارب نضالية وتنظيمية سابقة، جلهم شاهدوا عن قرب نزق القيادات ونرجسيتهم، كانوا شاهدين على تصرفات الفصائل والقيادات في الأردن وسوريا ولبنان، شعروا مباشرة بالفساد والإفساد، والغدر والتملق للأنظمة العربية، والتصرف بناء على رأي الممولين أو المستضيفين، وهذا صحيح لمصر وسوريا والخليج والأردن ولبنان وغيرها... 

باختصار، فإن التجربة العملية أزاحت غالبيتهم عن طريق السياسة المباشرة والتنظيمية الحزبية والفصائلية، وأدت بهم إلى التنظير للقطيعة مع تلك التجربة الفاشلة في غالبيتها.

من ناحية ثانية، ينظر غالبية النشطاء المستقلين إلى ضرورة إعادة الروح للحركة الوطنية الجامعة وإعادة الاعتبار لشعار وحدة "الأرض والشعب والقضية"، ويدعون للعمل السياسي المبتعد عن الفصائل، لكنه قريب من القضايا الوطنية الجامعة. باختصار يبتعدون عن سياسة ويقتربون من أخرى. وعليه فزياراتهم للبلاد ولقاؤهم المباشر مع نشطاء نقديين في الـ48 وفي الضفة وغزة، واستماعهم لشكوى المقيمين في فلسطين من أداء القيادات ومساهمتها في تخريب القضية الوطنية، تشحذ هممهم وتصلب رأيهم فيما استنتجوه من ضرورة القطع مع تجربة فشلت والتفتيش عن تجربة بديلة وجديدة قد تنجح، إنهم بعد زياراتهم لفلسطين يزيدون من قناعاتهم بضرورة إحداث انقلاب في الحقل السياسي الفلسطيني المختلف جغرافيا وجوهريا، والشيء المشترك بين أقسامه، بأنها جميعها، دون استثناء قد فشلت.

تاسعا: إسرائيل وتناقضاتها، عندما تكون زيارات الشتات في فلسطين 48، أو على الأقل تلك التي أشارك بها، فإن زيارة عكا وحيفا وبعض الأسواق أو التجول على الشاطئ أو الذهاب لمقهى، تجعل اللقاء بين الآتي من الشتات للإسرائيلي العادي أمرا مباشرا، وكذلك يحدث عندما نزور سوق القدس الذي يعج بالفلسطينيين المقدسيين أو الآتين من الضفة وبلدات الداخل. وفي المقابل تجد المستوطنين اليهود في كل الأزقة، كما تلقاهم بالتأكيد كجنود وأفراد حرس الحدود، وكذلك في نقاط التفتيش عند الدخول أو الخروج للضفة ومنها.

تتكثف الصورة لدى الزائر من الشتات، ويقارب حياة الفلسطينيين في الداخل بشكل جدي، ولو من حيث مجرد اللقاء أو الاحتكاك، رغم الفرق في معرفة اللغة العبرية. هذه الصورة المركبة التي يشهدها الزائر تصبح حاضرة أكثر كلما طال أمد الزيارة وتتوضح على ضوء تفكير مسبق بأن إسرائيل كلها جيش وكلها معسكرات وجنود على الشوارع... إلخ. تختلط الأمور، وربما توضح أو ربما تعقد الصورة والتصور المسبق، وتفيد بتغييرات قد تأتي تباعا، وربما باقتراب جزئي من تفهم وضع الفلسطينيين في الـ48، وضرورة أخذهم مع أوضاعهم جديا في التفكير بالمستقبل وأدواته، بما في ذلك تفهم مكابدة بعضهم على ضرورة تغيير جدي في سياسات حملة المقاطعة، ووسائلها ومعناها.

ينظر غالبية النشطاء المستقلين إلى ضرورة إعادة الروح للحركة الوطنية الجامعة وإعادة الاعتبار لشعار وحدة "الأرض والشعب والقضية"، ويدعون للعمل السياسي المبتعد عن الفصائل، لكنه قريب من القضايا الوطنية الجامعة

عاشرا: الإسرائيليون وكيف نتعامل معهم؟ يعرف كل من يلتقي بي في فلسطين أو خارجها أنني أدرّس في جامعة حيفا، ولي زملاء وأصدقاء يهود إسرائيليون، منهم غير صهاينة ومنهم صهاينة، منهم من أناقشه وأعارضه ومنهم من أتعامل معه، وأتناقش معه، وأكتب معه، وأن مقولة "فلان صهيوني" لا تعني أنه ضدي ولا أخشى منها تلقائيا. بعض من كتبت معهم، وشاركوني في نقاشاتي خلال السنوات، وحتى في دعوى قضائية بادرت لها مع آخرين ضد جامعة حيفا التي أدرس بها، في سياق تعاملها مع حاجات الطلاب العرب، كانوا ممن نطلق عليهم صفة "يسار صهيوني"، ومنهم بأعداد كبيرة، أكثر عطاء في قضايانا الجماعية كفلسطينيين في الداخل أكثر ربما من كثير من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين.

AFP
فلسطينيات من اراضي ال48 يشاركن في الانتخابات الاسرائيلية في الاول من نوفمبر 2022

بعض من يزورونني من أهل الشتات يطلبون الجلوس والحديث مع هؤلاء، قد يكون لأسباب تتعلق بالمعرفة والتعرف، لكن غالبيتهم يطلبون ذلك منطلقين من قناعاتهم بأن أي مستقبل في فلسطين/إسرائيل، سيكون حتما من خلال التعاون مع مثل هؤلاء، وفي محاولة جذب الآخرين منهم للعمل المشترك مع الفلسطينيين.
أدرك أن هذا يعتبر من بعض غلاة دعاة دعوات المقاطعة، خرقا لما يؤمنون به، لكنني دعوت مرات، وأدعو مرة أخرى من خلال استعمال سياق زيارات الشتات لفلسطين، إلى فتح هذا النقاش، إلى إعادة التفكير في إحداث تغييرات جدية في مسألة المقاطعة، أي مقاطعة لا تأخذ حسابات الداخل الفلسطيني في الـ48 في حساباتها وتعتبرهم استثناء، تساهم عمليا في فصلهم عن شعبهم وفي تعميق أزمتنا كفلسطينيين. 

يجب أخذ محددات الوضع للداخل بصفتهم فلسطينيين في أساس أية إعادة تفكير، على حملة المقاطعة أن تأخذ سياق الـ48 كمركب أساسي، وتنتقل منه كقاعدة وليس استثناء، وكحالة مركزية من الاستعمار الكولونيالي والأبرتهايد، قد تكون مقنعة للعالم أكثر من أية حالة فلسطينية أخرى، لأجل بناء سد عال ودينامي ومفيد في وجه إسرائيل وسياساتها. 

باختصار من يرفض دعوة لاجئ فلسطيني أو عربي راغب في زيارة حيفا أو يافا أو القدس، ويدافع عن موقفه هذا باسم رفض التطبيع، يساهم في تعزيز البعد عن فلسطين، كما يزيد عزلة الفلسطينيين في إسرائيل بوصفهم فلسطينيين، ويساهم بشكل غير مباشر في "أسرلتهم"، وهذا برأيي يسيء لقضيتنا الوطنية. فنحن بحاجة للزوار من بلدان اللجوء والشتات، وإن شاء الله قريبا من غزة، أكثر من حاجتهم هم لزيارة فلسطين وتلمس ترابها.

إجمالا، كما قلت في المقدمة لن أستطيع الإحاطة بجميع جوانب زيارات يقوم بها أصدقاء من الشتات الفلسطيني إلى فلسطين، كل فلسطين، لكنني حاولت تلمس بعض المقاربات والدروس. وقناعتي أبدا عميقة بأن من يزور فلسطين يخرج إجمالا بمشاعر وأفكار متناقضة، لكنني على ثقة بأنهم بعد زياراتهم هذه، يصبحون أقرب من فلسطين وأهلها، التي لولاهم لكانت فلسطين وزيارتها أقرب إلى زيارة الأندلس، منه إلى قلب نابض للحياة، كان يسمى فلسطين، وسيبقى باسمه– فلسطين.

font change


مقالات ذات صلة