محنة السوداني... بين أميركا وإيران والفصائل المسلحة

لا يملك محمد شياع السوداني الكثير من الخيارات في التعامل مع التداعيات السياسية لحرب غزة

AFP
AFP
أعضاء في فصيل حركة النجباء في العراق يلوحون بالعلم الفلسطيني خلال مسيرة في بغداد في 8 أكتوبر 2023

محنة السوداني... بين أميركا وإيران والفصائل المسلحة

المصائب قد لا تأتي فرادى، هذا هو التوصيف الأدق لمحنة رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني؛ إذ لم يكن يتوقع أن عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر/تشرين الأول وتداعياتها بالحرب ضد قطاع غزة، ستعقد مهمته في التعامل مع الأميركان الذين قيدوا حكومته بأزمة ارتفاع سعر صرف الدولار، وكان يتأمل زيارة مرتقبة للبيت الأبيض لتوثيق علاقته مع دوائر صنع القرار السياسي في الولايات المتحدة الأميركية، وإيجاد حلول لأزمة الدولار.

كان تشكيل حكومة السوداني يمثل تحولا جديدا في الموقف الأميركي تجاه العراق، فقوى "الإطار التنسيقي" التي شكلت الحكومة بعد أن حصلت على الأغلبية، عقب انسحاب نواب التيار الصدري من البرلمان، تضم شخصيات سياسية صنفتها أميركا على قائمة المطلوبين بتهمة "الإرهاب"! وفي المقابل، تعلن تلك الشخصيات موقفها المعادي للأميركان والرافض لوجودهم العسكري ونفوذهم السياسي. ولعبت الظروف الإقليمية والدولية دورها لصالح سعي "الإطار" لتشكيل حكومته، وأجادوا اللعبة عندما قدموا محمد شياع السوداني لتشكيل الحكومة الجديدة، كونه شخصية غير جدلية ولديه اطلاع وخبرة بتفاعل العلاقات الدولية والإقليمية بحكم عمله في الحكومات السابقة.

اقرأ أيضا: سجالات عراقية على هامش الحرب ضد غزة

وسارعت أميركا لمد جسور التواصل مع السوداني منذ الأيام الأولى لإعلان ترشيحه وحتى تكليفه، ومن ثم تشكيل حكومته. لتكون السفيرة الأميركية في بغداد إلينا رومانويسكي أول من قدم التهاني إلى السيد السوداني عند تكليفه رسميا وبعد نيله الثقة من البرلمان. وكان حراك السفيرة الأميركية يعكس توجها واقعيا يعبر عن تعاطي الأميركان مع القرار الداخلي للقوى السياسية ليعكس صورة جديدة، تختلف عما يجري تسويقه بفرض الأجندة الأميركية على قرار القوى السياسية، أو دعمهم لشخصيات محددة لتولي الحكومة.

وصل عدد الهجمات ضد مقرات الوجود العسكري الأميركي أكثر من 30 هجوما استهدف قاعدتي عين الأسد، والحرير

نقض الهدنة مع الأميركان

روج المرتبطون بالفصائل الشيعية المسلحة، وتحديدا التي تعمل ضمن القوى السياسية لـ"الإطار التنسيقي" بأن حكومة السوداني بمثابة هدنة لإيقاف استهداف مقرات الوجود الأميركي في العراق والفصائل المسلحة! ورغم عدم الحديث عن مثل هكذا هدنة من قبل شخصيات حكومية أو قيادات سياسية داخل "الإطار التنسيقي"، إلا مصداقها على أرض الواقع تجسد بإيقاف إطلاق الصواريخ ضد القواعد العسكرية التي وجد فيها الأميركان ومقر السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء.

بيد أنه منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول بعد عملية "طوفان الأقصى" وما تلاها من بدء العملية العسكرية الإسرائيلية ضد قطاع غزة، وصل عدد الهجمات ضد مقرات الوجود العسكري الأميركي أكثر من 30 هجوما استهدف قاعدتي عين الأسد، والحرير.

Reuters
وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في حديث مع قوات أميركية في سفارة الولايات المتحدة في بغداد، 5 نوفمبر 2023

إذن، يبدو أن هذه الهدنة انتهت، ولكن نهايتها تضع السوداني في حرج أمام الأميركان وحتى الشارع العراقي! فإذا كان السوداني هو من قدم الضمانات إلى الأميركان بإيقاف هجمات الفصائل ضد المقرات الأميركية العسكرية والدبلوماسية، فهذا يعني أنه سيكون مجبرا على متابعة منفذي الهجمات وملاحقتهم باعتبار أنه يعرف هويتهم، وباتت عمليات إطلاقهم الصواريخ والطائرات المسيرة خرقا "لسيادة الدولة".

اقرأ أيضا: العراق... عام على حكومة السوداني

مهمة ساعي البريد بين طهران وواشنطن، أو طهران ودول أخرى، لا تليق برئيس الحكومة العراقية

وفي الطرف الآخر، بات على القوى السياسية التي لديها أذرع مسلحة، وتمثل أقطابا رئيسة داخل "الإطار التنسيقي" الراعي الرسمي لحكومة السوداني، أن تعلن موقفها بصراحة؛ إما أن تكون داعمة للحكومة وإجراءاتها القانونية والأمنية في مواجهة كل من يقوم بعمل مسلح ضد مقرات الوجود الأميركي، وإما أن يكونوا مع الفصائل المسلحة التي أعلنت فتح جبهات المواجهة المسلحة للضغط على الأميركان لتغيير موقفهم الداعم لحرب الإسرائيليين ضد قطاع غزة.

رغم كثرة التكهنات عما حملته زيارة أنتوني بلينكن وزير الخارجية الأميركي إلى بغداد ولقاؤه رئيس الوزراء العراقي، إلا أن التناقض بين بيان الحكومة العراقية وما نشره وزير الخارجية الأميركي على موقعه في منصة "إكس"، يؤكد أن الهدف الرئيس من الزيارة لم يتم الإعلان عنه .ولكن زيارة السوداني إلى طهران ولقاءه المرشد الأعلى والرئيس الإيراني، يدعم فرضية نقله رسالة إلى القيادة السياسية في طهران.

أنصار الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران يتجمعون في ميدان التحرير ببغداد لمشاهدة خطاب زعيم حزب الله اللبناني حسن نصر الله، 3 نوفمبر 2023

ويمكن قراءة الرد الإيراني، من خلال ما نشره السيد خامنئي بعد لقائه السوداني، بأنه رد على رسالة الإدارة الأميركية، من خلال دعوته العراق إلى لعب "دور مميز في الضغط على أميركا والكيان الغاصب لإيقاف المجازر بحق أهالي غزة...".

المهم أن مهمة ساعي البريد بين طهران وواشنطن، أو طهران ودول أخرى، لا تليق برئيس الحكومة العراقية. فهذه المهمة لا يمكن أن تتلاءم مع ما تطرحه الحكومة من رؤيتها لإعادة فاعلية العراق في محيطه الإقليمي والدولي. وإذا كان لدى الحكومة رؤية لإدارة سياستها الخارجية، فيجب أن تكون من منطلق تحديد مصلحة العراق أولا، وأن لا يكون ساحة للصراع وإرسال الرسائل بين الأطراف المتصارعة على النفوذ بالمنطقة.

تجارب الحكومات السابقة

تحتاج حكومة السوداني إلى مراجعة نقدية، وعدم تكرار أخطاء حكومتي عادل عبد المهدي والكاظمي. فكلاهما كان يعقد الرهان على التحالفات الخارجية ولعب دور الوسيط هو الطريق الوحيد للبقاء في السلطة أو للحصول على الولاية الحكومية الثانية. وكلاهما فشل فشلا ذريعا في ذلك!

ومهمة ساعي البريد، التي تفاخر بها السيد عادل عبد المهدي في إحدى لقاءاته التلفزيونية، لم تنجح في تحقيق التوازن في العلاقة بين الأطراف الإقليمية المتصارعة في المنطقة. وكذلك ما كان يروجه الكاظمي بشأن لعب دور الوسيط بين السعودية وإيران، لم ينجح في أن ينعكس في إعادة الاعتبار إلى العراق بوصفه دولة فاعلة من وجهة نظر صانع القرار السياسي الإيراني، وإنما رأت إيران أن هذا الدور يضمن توجهاتها ورؤيتها للأمن القومي الإيراني الذي يستدعي التهدئة والانفتاح في هذه المرحلة!

ولا يمكن للسوداني أن يعيد أخطاء تجربة حكومتي عبد المهدي والكاظمي، فكلاهما ارتكبا أخطاء قاتلة بحق الدولة وسيادتها، من أجل البقاء في السلطة، وفشلا في إدارة التوازن بين إعادة الاعتبار لهيبة الدولة ومبدأ الترضيات لقوى داخلية وخارجية؛ حيث إن عادل عبد المهدي توهم أن الشراكة في قرار الدولة السيادي يمكن أن تطمئن من آتى به إلى منصب رئيس الوزراء! ومن ثم، فسح المجال لقوى اللادولة بالتغول على الدولة وقراراتها وثرواتها.

أما مصطفى الكاظمي فكان يعتقد أن سياسة "الرقص مع الأفاعي"- كما سماها في أحد لقاءاته- يمكن أن تمنحه الفرصة للبقاء أطول فترة في منصبة كرئيس للوزراء، أو ضمان تمرير صفقاته مع القوى السياسية للحصول على دورة حكومية ثانية! وكان يعتقد أن إحراج الفصائل المسلحة والقوى السياسية التي تقف خلفها يمكن أن يكون ذريعة له بضعف الدعم السياسي لحكومته، ومن ثم يحصل على دعم خارجي. وبالنتيجة كانت تكلف تلك السياسة، ضياع هيبة الدولة وسيادتها.

لا يملك محمد شياع السوداني الكثير من الخيارات في التعامل مع إيران، والفصائل المسلحة، والولايات المتحدة.

خيارات السوداني

سيكون السوداني في قادم الأيام مع تحدٍ سياسي مهم على الصعيدين الداخلي والخارجي، وربما هو التحدي الأكثر تعقيدا منذ تشكيل حكومته، وهو الفيصل في بقائها أو نهايتها؛ فداخليا عليه إقناع القوى السياسية الشيعية المشاركة في حكومته بأن إعادة تكرار أخطاء التعامل مع حكومة عبد المهدي من خلال الدخول في الحكومة وإحراجها بصواريخ الكاتيوشا التي تستهدف السفارات في المنطقة الخضراء ومقرات الوجود الأميركي في القواعد العسكرية، يجب أن لا يتكرر معه وأن توجه السياسة الخارجية يجب أن يكون وفق معيار المصلحة السياسية وليس المواقف المسبقة، وأن الحكومة هي المسؤولة الأولى والأخيرة عن القرار السياسي الخارجي، ولا يمكن القبول بإضعاف وظيفتها في حفظ سيادة العراق.

وحتى يحقق تلك المهمة، لا يملك محمد شياع السوداني الكثير من الخيارات في التعامل مع الأطراف الثلاثة: إيران، والفصائل المسلحة، والولايات المتحدة. ويحتاج بالدرجة الأولى إلى تغيير نمط التفكير بالتعامل مع الأزمات، وربما هذا الشرط هو الأكثر صعوبة على تفكير السياسيين في العراق!

وعليه، فإن خيارات السوداني محصورة في ثلاثة:

الخيار الأول، إقناع الإيرانيين بأن دخول العراق على خط المواجهة العسكرية مع الوجود الأميركي في العراق، لن يدفع ثمنه العراقيون فحسب، بل ستكون إيران أكثر المتضررين على المستوى الاقتصادي. ولذلك على إيران منع أذرعها المسلحة من إحراج الحكومة في التعامل مع الولايات المتحدة الأميركية.

اقرأ أيضا: صعود المافيات وازدهارها في العراق

الخيار الثاني، إحراج القوى السياسية التي تملك فصائل مسلحة، أو تتماهي معها في موقف التصعيد والمواجهة العسكرية للوجود الأميركي، أن تكون مع الحكومة في قراراتها ومواقفها التي تمثل المصلحة العليا للدولة. ومن ثم، يكون دور الحكومة في منع هذه الهجمات هو بداية إعادة هيبة الدولة.

الخيار الثالث، وهو الأعلى تكلفة، قرار المواجهة السياسية والعسكرية مع كل من يريد أن يلغي دور الحكومة في تحديد المصلحة العامة. وعليه، يبدأ السوداني في التلويح بتأجيل انتخابات مجالس المحافظات، والدعوة إلى انتخابات برلمانية مبكرة. ويمكنه التلويح باستقالة الحكومة إذا استمرت مصادرة قراراها السيادي بالحرب والسلم! وهنا سيجد السوداني أن دعم الشارع له أقوى من دعم قوى سياسية تتعامل معه كمدير عام لتنفيذ أجندتها بإلغاء الدولة أو تحويلها إلى مقاطعات تتقاسمها المافيات السياسية.

font change

مقالات ذات صلة