مستشفى "الشفاء"... كيف حصلت إسرائيل على خرائطه؟

مستشفى "الشفاء" تحول في الأيام القليلة الماضية إلى أشهر مستشفيات العالم

REUTERS
REUTERS
خيام يستخدمها الفلسطينيون النازحون في ساحة مستشفى الشفاء

مستشفى "الشفاء"... كيف حصلت إسرائيل على خرائطه؟

تحول مستشفى "الشفاء"في مدينة غزة إلى الخبر الأول في وسائل الإعلام بعد أن اقتحمه الجيش الإسرائيلي.

وتتهم إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة "حماس" بإخفاء أسلحة ومنشآت عسكرية في مجمع الشفاء الطبي، وهو ما تنفيه الحركة الفلسطينية.

ما قصة المستشفى؟وكيف حصلت اسرائيل على خرائطه؟

يعد "الشفاء" أكبر مستشفيات قطاع غزة، وهو عبارة عن مجمع كبير من المباني والأفنية يقع على بعد بضع مئات من الأمتار من ميناء صيد صغير في مدينة غزة، بين مخيم الشاطئ للاجئين وحي الرمال.

وكانت تقديرات للأمم المتحدة قد أشارت إلى وجود 2300 شخص على الأقل داخل "الشفاء" الذي تحيط به الدبابات الإسرائيلية منذ أيام، وبينهم مرضى وأفراد طواقم طبية ونازحون. وقبل المعارك التي اندلعت في محيط المستشفى منذ أيام، كان عشرات آلاف النازحين قد لجأوا إليه، كما إلى غيره من المؤسسات الطبية والتربوية، أملا في حماية أنفسهم من القصف المكثف الذي يتعرض له القطاع منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

شُيد "الشفاء" عام 1946 خلال الحكم البريطاني لفلسطين، أي قبل عامين من انسحاب بريطانيا. وظل المستشفى قائما خلال فترة إدارة مصر للقطاع التي استمرت عقدين تقريبا بعد حرب عام 1948

وحتى يوم الثلاثاء 14 نوفمبر/تشرين الثاني، كان المستشفى يتولى رعاية 36 من الأطفال الخدج وفقا للطاقم الطبي، الذي قال إنه لا توجد آلية واضحة لنقلهم على الرغم من إعلان إسرائيل عرضا لتوفير حضانات من أجل عملية الإخلاء.
وقد توفي ثلاثة من أصل 39 من الأطفال ناقصي النمو منذ أن نفد الوقود اللازم لتشغيل المولدات التي كانت تدير الحضانات هذا الأسبوع.
وكان مدير المستشفى محمد أبو سلمية قد قال الثلاثاء 14 نوفمبر/تشرين الثاني إن 179 جثة على الأقل دفنت في مقبرة جماعية بباحة المجمع، موضحا أن بينهم الأطفال "الخدج" السبعة الذين توفوا جراء انقطاع الكهرباء عن حضاناتهم.

تاريخ "الشفاء"

شُيد "الشفاء" عام 1946 خلال الحكم البريطاني لفلسطين، أي قبل عامين من انسحاب بريطانيا. وظل المستشفى قائما خلال فترة إدارة مصر للقطاع التي استمرت عقدين تقريبا بعد حرب عام 1948.
وفي عام 1967، استولت إسرائيل على قطاع غزة واحتلته وظل المستشفى مكانا محوريا لفترة طويلة قبل سيطرة "حماس" على القطاع، إذ كان يلجأ إليه كثير من الفلسطينيين خلال المواجهات مع القوات الإسرائيلية.

جنود إسرائيليون يسيرون في مجمع مستشفى الشفاء في 15 نوفمبر 2023

وكانت صحيفة "التايمز" اللندنية قد كتبت عام 1971 عن معركة بالأسلحة النارية بين مسلح فلسطيني اختبأ تحت سرير في غرفة الممرضات ودورية للجيش الإسرائيلي كانت تفتش المستشفى.
وخلال الأسبوع الأول من الانتفاضة الأولى ضد الاحتلال الإسرائيلي عام 1987، أوردت صحيفة "نيويورك تايمز" أنباء عن وقوع مواجهات ألقى خلالها عدة مئات من الفلسطينيين الحجارة على جنود إسرائيليين خارج المستشفى وهم يهتفون "تعالوا اقتلونا أو ارحلوا".

ذكرت تقارير إخبارية إسرائيلية أن مهندسين معماريين إسرائيليين أشرفوا على تجديد المستشفى وتصميمه من جديد في ثمانينات القرن الماضي

إلى ذلك، ذكرت تقارير إخبارية إسرائيلية أن مهندسين معماريين إسرائيليين أشرفوا على تجديد المستشفى وتصميمه من جديد في ثمانينات القرن الماضي. وكتب تسيفي الحياني، مؤسس أرشيف الهندسة المعمارية الإسرائيلية، على موقع صحيفة "يديعوت أحرونوت": "بمساعدة الدعم الأميركي، شرعت إسرائيل في مشروع لتجديد مجمع المستشفى وتوسعته. وتضمن هذا المشروع أيضا تركيب أرضية خرسانية تحت الأرض. وفي حدث مؤسف، استولت حماس على هذه المنطقة الواقعة تحت الأرض في السنوات الماضية"، وذلك من دون تقديم أي دليل على ادعائه.
من جهته، كشف الخبير الأمني الإسرائيلي روني شاكيد لتلفزيون "مكان" الإسرائيلي أنه كان شاهدا على توسعة "الشفاء" قبل 43 سنة، ولفت إلى أن شركة هندسية إسرائيلية تولت مهمة تصميم المستشفى بإشراف الجيش الإسرائيلي، وأن هناك شبها كبيرا بين "الشفاء" ومستشفى إسرائيلي في مدينة الخضيرة داخل الخط الأخضر باعتبار أن مُصمّم البناء هو نفسه.
كذلك كشف شاكيد أن "الملاجئ" تحت مستشفى الشفاء صممتها شركة هندسية إسرائيلية، واستخدمتها القيادة العسكرية الإسرائيلية قبل تولي السلطة الفلسطينية قطاع غزة بموجب اتفاق أوسلو عام 1994، ما يعني أن الجيش الإسرائيلي يمتلك خرائط تفصيلية لكل المرافق الداخلية لـ"الشفاء" وتحت أرضه، وهو ما أقر به شاكيد نفسه، لكنه أشار إلى أن "إسرائيل لا تعلم إذا كانت حماس قامت بربط ملاجئ الشفاء بأنفاق جديدة تصل إلى منطقة أخرى".

REUTERS
جندي إسرائيلي يقف بالقرب من صناديق كتب عليها "إمدادات طبية" بمجمع مستشفى الشفاء في 15 نوفمبر 2023

وكانت قوات الأمن الفلسطينية والتي كانت تسيطر عليها حركة "فتح" قد قدمت في عام 1994 التحية للعلم الفلسطيني بعد رفعه فوق المستشفى، وذلك عندما مُنح الفلسطينيون حكما ذاتيا محدودا في غزة خلال "أوسلو".
وانتقلت السيطرة الفعلية على المستشفى بعد ذلك من السلطة الفلسطينية التي تهيمن عليها "فتح" إلى حركة "حماس" بعد الفوز الذي حققته في انتخابات عام 2006، ومن ثمّ بسط نفوذها العسكري على غزة عام 2007.
وفي أثناء الصراع على السلطة بين "فتح"، و"حماس"، والذي تصاعد حتى سيطرة الحركة على القطاع، كان مستشفى الشفاء وغيره يستخدم لعلاج المسلحين من الجانبين بموجب صيغة من صيغ الهدنة بأن لا يؤذي أي منهما جرحى الطرف الآخر.
وقالت إسرائيل في وقت سابق إن مسلحي "حماس" يختبئون في مناطق تحت "الشفاء"، وهو الأمر ذاته الذي ادعته تل أبيب خلال حرب 2008- 2009 والتي قُتل فيها أكثر من 1400 فلسطيني و13 إسرائيليا.

الاقتحام والانسحاب

وكان الجنود الإسرائيليون قد طلبوا، فور اقتحامهم مستشفى الشفاء فجر الأربعاء، من الموجودين داخله، الاستسلام، وطالبوا عبر مكبرات الصوت كل الشبان من عمر 16 سنة وما فوق، إلى رفع أيديهم والخروج من مبنى "الشفاء" إلى ساحته الخارجية وتسليم أنفسهم.
لتخرج بعدها طوابير من الفلسطينيين وهم يرفعون أياديهم، من أقسام الحروق والولادة والجراحة والغسيل الكلوي في المستشفى، بحسب صحافي عالق في المستشفى كان قد توجه إلى هناك قبل أيام لأداء عمله.

قال مسؤول كبير في الجيش الإسرائيلي إن القوات الإسرائيلية عثرت على أسلحة في "الشفاء"، لكن "حماس" نفت ذلك 

وفي ساحة "الشفاء"، شاهد هذا الصحافي قرابة ألف شخص يرفعون أياديهم في الهواء، وطلب الجنود من البعض خلع ملابسهم. أما داخل أروقة المستشفى، فكان بعض الجنود يطلقون النار في الهواء عند تنقلهم من غرفة إلى أخرى على وقع أصوات بكاء النساء والأطفال في الأقسام المختلفة. وفي المساء انسحب الجيش الإسرائيلي من المستشفى، وأعادت الدبابات التي كانت في حرمه انتشارها في محيطه، وفق الصحافي نفسه الذي قال إن الجيش اعتقل نحو مئة شخص بعد أن طلب منهم إعادة ارتداء ملابسهم الداخلية. 
وكان مسؤول كبير في الجيش الإسرائيلي قد قال، خلال النهار، إن القوات الإسرائيلية عثرت على أسلحة و"بنية تحتية خاصة بالإرهابيين"، خلال المداهمة التي تجري داخل مستشفى الشفاء بقطاع غزة، وذلك من دون تقديم أي دليل مرئي.
لكن المتحدث العسكري ريتشارد هيخت لم يذكر في تعليقات لشبكة "سي إن إن"، ما إذا كان قد تم العثور على أي أسلحة، لكنه قال إن المزيد من المعلومات ستُقدم لاحقا. لكنه أضاف: "نفهم أن هناك بنية تحتية كبيرة لحركة حماس في المنطقة، بالقرب من المستشفى. ومن المحتمل أن تكون تحت المستشفى، وهذا شيء نعمل عليه. سوف يستغرق الأمر منا وقتا. هذه حرب معقدة".
كما قال إن القوات الإسرائيلية توغلت في منطقة محددة داخل المستشفى، مضيفا: "لم يحدث هجوم شامل".
وأشار إلى وقوع تبادل لإطلاق النار قبل دخول الجنود الإسرائيليين إلى المستشفى، لكن "لم يحدث أي اشتباك على الإطلاق" بمجرد دخولهم.
بينما قال المسؤول الكبير الذي رفض نشر اسمه في تصريحات للصحافيين في وقت سابق من الأربعاء، إن الجنود يعملون في جزء من المستشفى يبعد عن مكان المسعفين والمرضى.
وأضاف: "جنود الجيش الإسرائيلي عثروا بالفعل على أسلحة وبنية تحتية أخرى خاصة بالإرهابيين. في الساعة المنقضية رأينا دليلا ملموسا على أن إرهابيي حماس استخدموا مستشفى الشفاء كمقر إرهابي".

REUTERS
صورة نشرها الجيش الإسرائيلي في 15 نوفمبر، ويقول إنها لأسلحة عثر عليها في قاعدة تدريب لـ"حماس" في غزة

لكن "حماس" نفت ذلك، وقالت في بيان: "زعم الاحتلال الصهيوني عثوره على أسلحة في مجمع الشفاء الطبي ما هو إلا استمرار للكذب والدعاية الرخيصة، التي يحاول من خلالها إعطاء مبرر لجريمته الرامية لتدمير القطاع الصحي في غزة".
وقال المسؤول الإسرائيلي: "هذه عملية محددة ودقيقة للغاية. قواتنا موجودة في منطقة معينة من مجمع الشفاء الكبير جدا"، من دون أن يذكر إلى متى ستستمر المداهمة. وأضاف: "جنودنا يقومون بتقدم بطيء ومقصود بناء على معلوماتنا الاستخبارية".

أعلنت منظمة الصحة العالمية، الثلاثاء، أن 22 من أصل 36 مستشفى في غزة باتت خارج الخدمة، ويعود ذلك إضافة إلى القصف إلى النقص الحاد في الوقود

وكان مسؤولون إسرائيليون قد أشاروا في وقت سابق إلى أن بعض الرهائن الإسرائيليين في غزة والبالغ عددهم 240 رهينة قد يكونون موجودين تحت مستشفياته، ومع ذلك، قال هيخت إن مداهمة "الشفاء" لم تركز على هؤلاء الرهائن، وأوضح: "لقد ركزنا على جلب المعلومات وتفكيك بعض القدرات التي كانت لدينا معلومات عنها".
إلى ذلك، قال المسؤول العسكري الذي لم يذكر اسمه إن أربعة مسلحين قتلوا في تبادل لإطلاق النار خارج المستشفى لدى محاولة جنود إسرائيليين الدخول إليه. وأضاف أن "الجنود استجوبوا أفرادا وجدوهم في المنطقة التي فتشوها، وما أعرفه أن أحدهم من حماس". 
من جهته، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأربعاء، أنه "لا يوجد مكان في غزة لن نصل إليه"، وذلك بعد اقتحام الجيش الإسرائيلي مستشفى الشفاء.

AFP
امرأة فلسطينية مصابة في غرفة الطوارئ بمستشفى الأقصى في 15 نوفمبر

والجدير ذكره، أن مستشفى الشفاء ليس المستشفى الوحيد الذي يعاني في قطاع غزة من جراء المعارك، فقد أعلنت منظمة الصحة العالمية، الثلاثاء، أن 22 من أصل 36 مستشفى في غزة باتت خارج الخدمة، ويعود ذلك إضافة إلى القصف إلى النقص الحاد في الوقود. 
وللمرة الأولى منذ أربعين يوما، دخلت الأربعاء، شاحنة وقود من مصر إلى قطاع غزة عبر معبر رفح الحدودي. وأكد مصدر مصري أن الشحنة "مخصصة للأمم المتحدة لتسهيل دخول المساعدات بعد توقف شاحناتها في الجانب الفلسطيني لنفاد الوقود". ومن جهتها اعتبرت وكالة "غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين" (الأونروا) أن "الوقود الذي دخل ليس كافيا على الإطلاق".

font change

مقالات ذات صلة