إسرائيل وتجاهل "الواقع الفلسطيني"

الحرب ضمن سلسلة أحداث ماضية

Reuters
Reuters
مستوطنون يشاركون في مهرجان أقيم في القدس في 28 يناير للمطالبة ببناء مستوطنات في قطاع غزة

إسرائيل وتجاهل "الواقع الفلسطيني"

حيفا- انتشر في العقدين الأخيرين التحليل القائل إن إسرائيل والصهيونية ومؤسساتها العالمية، وتحديدا ما يفعلونه في فلسطين، هو جزء من تجليات "الكولونيالية الاستيطانية"، أي الانتقال البشري من مناطق ودول قوية لأجل الاستيلاء على أراض لم تكن تابعة لها من قبل، والقيام بالاستيطان فيها، وبناء مجتمع جديد، يحفظ فيه هؤلاء المهاجرون القدرة على التملك والسيطرة واستغلال المقدرات البشرية والطبيعية للأرض "الجديدة".

اعتمدت هذه القراءات على الأعمال الحديثة التي تؤطر لفهم ما سمي "الكولونيالية- الاستيطانية"، ووردت هذه الرؤى بشكل منهجي في أعمال كل من الباحثيْن باتريك وولف، ولورنزو فيراسيني، وما نُشر اعتمادا على هذا التأطير اختلف- ولو بشكل جزئي- عن كتابات سابقة حللت الصهيونية وإسرائيل كجزء من ظاهرة كولونيالية "عادية"، طبعا مع الالتفات إلى حيثيات خاصة تتصل بها وبعلاقتها بأهل البلد الأصليين- الفلسطينيين.

"الكولونيالية الاستيطانية" هي عملية إعادة تصميم لمناطق يسيطر الاستعمار عليها وعلى سكانها الأصليين، بحيث يتطلع المستعمر إلى البقاء، ويطور أدواته الخاصة للسيطرة والتوسع، وتصميم الحيز حسب مصالحه، بوصفه كيانا جديدا منفصلا تدريجيا عن "البلد الأم"، أي الدولة أو الجماعة التي شرعت في عملية الاستيلاء الكولونيالي على البلاد الجديدة. للمستعمِر، وبحسب هذا النموذج، أجندته المتمثلة في تجاهل الواقع قبل وصوله، والسعي إلى تصميمه من جديد من خلال أدوات "إخفاء" و"محو" السكان الأصليين وأشكال حياتهم، بحيث يتطلب الأمر اتباع أساليب عنيفة مثل القتل الجماعي (الجينوسايد)، أو الترحيل إلى مناطق أخرى، أو التجاهل التام في عمليات إعادة الإنشاء التي تخدم المستعمِر الذي يتطلع إلى البقاء على الأرض الجديدة وجعلها له دون غيره.

يرى الاستعمار الاستيطاني بالسكان الأصليين عاملا معيقا في إنشاء مجتمع جديد، باعتبار أن هدف الاستعمار ليس السكان، بل الأرض التي يعيشون عليها، ولهذا فهو يسعى إلى إزالتهم. هذه الإزالة أخذت في التاريخ أشكالا مختلفة، ليس فقط من خلال الإبادة الجسدية أو الإزالة عن الأرض، بل أيضا من خلال التجاهل أو العزل في المحميات، أو محو ثقافة الأصليين، أو استيعاب الأصليين بمختلف الطرق.

إن فهم الحرب على غزة ونتائجها التي ما زالت تتمدد في سيرورة التمدد الكولونيالي- الاستيطاني لفلسطين هو مفتاح لفهمها، وفهم التحولات في إسرائيل، ويعيدنا هذا بالطبع مرة أخرى إلى ضرورة تطوير فهمنا لوضع الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، وشكل الحل السياسي، وأهمية القرارات الدولية، ووضع السياسة الفلسطينية تحديدا، والوضع العربي عموما، كما وضع الفلسطينيين مواطني إسرائيل ودورهم، لكن ذلك يتطلب بالتأكيد جهدا إضافيا لمحاولة الفهم والتمحيص.

الوثائق الدولية شكلت نقاطا على محور التدفق التاريخي لمشروع تحويل فلسطين إلى واقع يحول الأصليين إلى مجرد ضيوف في وطنهم

فما علاقة إعلان الحرب الحالية على غزة بالعرض أعلاه؟ برأيي تشكل الحرب ومضامينها إسرائيليا، وبالأساس الخطوات التنفيذية للجيش الإسرائيلي، حدثا إضافيا في تطور المشروع الكولونيالي- الاستيطاني للسيطرة على فلسطين، أو ما تبقى منها. فالحرب عبارة عن حدث ضمن سلسلة أحداث ماضية، وتعمل على إنجاز أهداف سياسية، سعت بإعلان مسبق إلى السيطرة على فلسطين وتغيير جغرافيتها وديموغرافيتها متجاهلة الواقع الفلسطيني الذي تشكل عبر مئات السنوات، ومتطلعة إلى محو هذا الواقع وإنشاء واقع جديد بحيث تمنح المستعمر-الكولونيالي تفوقا بنيويا على الأصليين. والآثار التي تدل على ذلك ظاهرة وجلية وأهمها استهداف متعمد للمدنيين وقتل أكثر من خمسة وعشرين ألف فلسطيني، منهم حوالي عشرة آلاف طفل وإجلاء ثلثي الفلسطينيين في قطاع غزة من بيوتهم، وتجويعهم وترويعهم ومنعهم من العودة إلى بيوتهم– أو ما تبقى منها- وتدمير حوالي 80 في المئة من البيوت والبنايات والعمارات، بحيث تجاوز التهديم في غزة ما حصل خلال الحرب العالمية الثانية في مدن رئيسة في ألمانيا، وكل ذلك من خلال استهداف مباشر من الجو بطائرات مقاتلة ومسيرات أوتوماتيكية، وأيضا من خلال الحملة البحرية والبرية التي تنفذها إسرائيل، وهنالك الكثير من الوثائق والتقارير والمقالات والأبحاث التي تزخر بشهادات واضحة. 

Shutterstock
مستوطنة في الضفة الغربية

ما تقوم به إسرائيل لا يحولها إلى شكل مختلف جذريا من أنماط "الاستعمار الكولونيالي"، ولا يفرق جديا بين إسرائيل ما قبل الحرب الحالية وما بعدها، والفرق الأساسي في هول الأحداث وكثافتها، بما في ذلك ما يؤكد أن إسرائيل بوصفها حالة استعمار كولونيالي هي حالة "فوق عادية/طبيعية"، تحتاج إلى تحليل مع أننا كنا ندركها قبلا، إلا أنها تكثفت وبرزت في أعقاب هجوم "قوات القسام"، و"سرايا القدس" في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي. وأعني تحديدا شكل وحجم الدعم الدولي الرسمي لإسرائيل، رغم كل ما تقوم به إسرائيل، ما يعيد تذكيرنا بإعلانات وأحداث سابقة تبنت تطلعات الحركة الصهيونية ووعدتها بدعم تطلعها للسيطرة على فلسطين. 
قد نعود إلى مئة عام أو أكثر قليلا للتدليل على وثائق "دولية" سابقة، شكلت اعترافا بما خططت له الهيئات والمنظمات الصهيونية أو كانت بمثابة تثبيت لما هو حاصل بحق الفلسطينيين من قبل هذه الهيئات، أو تمهيدا لما تنوي هذه الهيئات فعله. وأهم هذه الوثائق- التي كانت تبدو في وقتها مجرد رسائل عامة تهدف إلى حشد دولي لمصلحة القوى الاستعمارية- تحولت إلى مدماك آخر في سلسلة طويلة ممتدة عبر سيرورة تاريخية ثبتت الاستعمار الكولونيالي لفلسطين. ويمكن أن نشير إلى "وعد بلفور" عام 1917، وصك الانتداب على فلسطين عام 1922، وقرار التقسيم عام 1947، وخريطة الطريق الأميركية (2003) وصفقة القرن التي أعلنها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب (2020). فكلها حلقات في مسيرة طويلة من الاستعمار الكولونيالي لفلسطين. حيث إن كل هذه الوثائق الدولية شكلت نقاطا على محور التدفق التاريخي لمشروع تحويل فلسطين إلى واقع جغرافي وديموغرافي وسياسي وثقافي يحول الأصليين إلى مجرد ضيوف في وطنهم، أو يقصيهم منه أو يخفيهم من خلال تجاهلهم ومحو إرادتهم السياسية المتمثلة بتطلعهم أن يعيشوا في وطنهم كما باقي الشعوب من حيث الحصول على حق تقرير المصير وتشكيل كيانهم السياسي كما يريدون.

إسرائيل ليست أول دولة في العالم تتعرض لهجوم أو ضربات عسكرية موجعة، ومع ذلك لم نرَ العالم الغربي يتجند بمثل هذا الشكل في مواقف سابقة

وإحدى الإشارات لكون إسرائيل مشروع استعمار كولونيالي "فوق العادي أو الطبيعي" هو الدعم الدولي الضخم الذى تحظي به والتجند الدولي الغربي الهائل لدعمها لفظيا وعمليا من خلال قوى عالمية، بما في ذلك إمدادها بالسلاح والعتاد العسكري، وطبعا بعث جيوش وأساطيل أميركية وأوروبية لتكون جهدا مساعدا في العمليات الحربية أولا، وثانيا في تشكيل قوة ردع لـ"حزب الله" ولإيران أو أي قوة خارج غزة قد تشارك جديا في الحرب. والأهم هو حالة الاستنفار غير المسبوقة في دعم إسرائيل إعلاميا وسياسيا وفي كل المنصات الدولية، بما في ذلك الإعلام على أشكاله والهيئات الدولية، وخلق حالة تمنع تحركا جديا لمنع إسرائيل من الاستمرار في حربها من أطراف لم تتجند لدعم إسرائيل، بل حتى تنتقدها وتعلن مواقف معارضة لها. 
ومن الأمثلة على ذلك: أولا، هناك قوى عالمية لا تشارك الغرب في ذلك، مثل الصين وروسيا، إلا أنها لا تقوم بجهد جدي في خلق حالة توازن تدعم الفلسطينيين، وخصوصا أهل غزة الذين تُركوا عمليا وحدهم.
وإشارة أخرى إلى حقيقة أن إسرائيل هي مشروع كولونيالي استعماري فوق العادي والطبيعي هو "القدسية" التي تُحيط بهذا الكيان في وجدان مُتخذي القرارات في الغرب، وتحديدا في أميركا وأوروبا. فما بعد أحداث السابع من أكتوبر رأينا "حجيجا" من قبل زعماء العالم الغربي لإسرائيل، بدءا بالرئيس الأميركي جو بايدن، وصولا إلى زعماء الدول الأهم في الاتحاد الأوروبي، ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، وانتهاء بالمملكة المتحدة. 
هذا "التنافس" بين هذه الدول حول من سيزور إسرائيل أولا، ومن سيدعمها دبلوماسيا وعسكريا وماديا، لا ينبع فقط من قوة هجوم السابع من أكتوبر أو حتى من ضراوة وبشاعة ما تعرض له المدنيون الإسرائيليون في غلاف غزة، فإسرائيل ليست أول دولة في العالم تتعرض لهجوم أو ضربات عسكرية موجعة، ومع ذلك لم نرَ العالم الغربي بمؤسساته الرسمية وغير الرسمية يتجند بمثل هذا الشكل في مواقف سابقة. ولا ينبع هذا فقط من حقيقة أن إسرائيل هي حليف لهذه الدول أو أنها راعية لمصالحها في الشرق الأوسط، بل من الممكن تفسير ذلك أيضا من خلال الكيفية التي ترى بها الدول والمؤسسات الرسمية في الولايات المتحدة وأوروبا إسرائيل.

تحذيرات المؤسسات الأممية حول كارثة إنسانية في غزة لم تدفع زعماء الدول إلى المطالبة بوقف شامل لإطلاق النار

إسرائيل ليست كيانا بيروقراطيا ودولتيا عاديا، تسكنه جموع المواطنين، وتحده حدود، ويملك علما وعملة واعترافا دوليا وغيرها من المقومات الحديثة للدولة الحديثة، بل هي أكثر من ذلك في أعين الغرب- هي "مُثُل عليا وتجسيد للعدالة التاريخية"، وهي قيمة عليا ودولة ليست كباقي الدول، وعليه، يحق لها ما لا يحق لباقي الدول– فما قامت به إسرائيل من حرب وتهجير وقتل بحق الفلسطينيين في غزة، ظل في أعين الدول المذكورة عملا دفاعيا عن النفس أمام "اللاساميين الجدد"، ولم يحرك شيئا من الموقف الصلب الداعم لـ"حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، بل صمت الدول نفسها آذانها عن التصريحات "الجينوسايدية" التي عبر عنها وزراء مركزيون في الحكومة الإسرائيلية، ونواب في الكنيست، وإعلاميون. والتحذيرات التي عبرت عنها المؤسسات الأممية ومنظمة الصحة العالمية ومؤسسات حقوق الإنسان العالمية حول الكارثة الإنسانية التي تحصل في غزة ومخاطر انتشار المجاعة والأوبئة، وتحول غزة إلى مكانٍ غير صالحٍ للعيش، كلها لم تدفع زعماء الدول إلى المطالبة بوقف شاملٍ لإطلاق النار، بل ولم تدفعهم إلى توجيه انتقادٍ جدي من أي نوعٍ كان لدولة إسرائيل ولحربها الشعواء. 

EPA
وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير أثناء توزيع السلاح على سكان عسقلان في 27 أكتوبر 2023

جميع الدول التي ذُكرت آنفا تعي وجود احتلالٍ إسرائيلي للأراضي الفلسطينية، أي إنها تُدرك الواقع القانوني القائم وحقيقة أن إسرائيل دولة استيطانية تتمدد باستمرار– لكنهم، وبسبب اعتقادهم أن إسرائيل جوهريا ودائما محقة في تطلعاتها وسياساتها، وأنها تجسيد لحق تاريخي، وأن المارقين والمتطرفين دائما وأبدا هم من رفضوا تقبلها، أي الفلسطينيين والعرب، فهم غير مستعدين إلا أن يكونوا إلى جانبها، حتى وإن كانت دولة معتدية وكيانا كولونياليا- استيطانيا.
استثنائية الحالة الاستعمارية الاستيطانية الإسرائيلية تتجلى في قدرة إسرائيل على قلب المفاهيم الكونية والأعراف الدولية والمؤسسات الأممية وشيطنتها بشكلٍ منهجي وفعال، دون أن يؤدي ذلك إلى وقفة جدية ومراجعة من قبل دول عظمى تدعي تبنيها للقانون الدولي ولقيم السلام والعدالة والحرية، وقد بدا ذلك واضحا في حيثيات الدعوى التي قدمتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل إلى المحكمة الدولية في لاهاي والتي تضمنت اتهامها بتنفيذ إبادة جماعية (جينوسايد) تجاه الفلسطينيين في غزة. فقد استمرت الولايات المتحدة في موقفها الداعم لإسرائيل رغم القرائن الواضحة التي قدمتها جنوب أفريقيا، حتى إن ألمانيا أعلنت غداة المرافعات في لاهاي (يومي الخميس والجمعة 11-12 يناير/كانون الثاني 2024) أنها ستنضم كطرف مساند لإسرائيل في الدعوى المقدمة.

الخطوة الجدية الأولية في سبيل تحديد الفلسطينيين مشروعا سياسيا وعمليا وطنيا جماعيا لم تزل مفقودة

ورغم المظاهرات المناهضة للحرب في العواصم الغربية، ورغم نتائج استطلاعات للرأي تُظهر بوضوحٍ تراجع الدعم لإسرائيل في الرأي العام الغربي، بما في ذلك في الولايات المتحدة وعموم الدول الغربية، فإن هذا الجهد الدولي الرسمي الفعال في دعم إسرائيل يصعب إمكانيات الدفع نحو إيقاف الحرب. هذا الوضع يحتاج إلى تفكير جدي في إمكانيات هزم حالة الاستعمار الكولونيالي والانتقال إلى حالة "ما بعد الاستعمار الكولونيالي" في فلسطين/ إسرائيل، كما حدث في جنوب أفريقيا قبل ثلاثة عقود، على سبيل المثال. 
لا أدعي أن ذلك غير ممكن، إلا أن ذلك يتطلب سنوات وعقودا من العمل في سياق مشروع فلسطيني واضح، وهذا الأمر لم يزل مفقودا، رغم حالة الصمود الأسطوري لدى الغزيين وفي عموم فلسطين، واستمرار التمسك بحق الفلسطينيين كمتساوين في وطنهم، والدعم الشعبي العالمي لذلك، إلا أن الخطوة الجدية الأولية في سبيل تحديد الفلسطينيين أنفسهم مشروعا سياسيا وعمليا وطنيا جماعيا لإنهاء حالة الاستعمار الكولونيالي لم تزل مفقودة، رغم التضحيات الجسيمة، بما في ذلك الوضع الحالي في قطاع غزة.

font change

مقالات ذات صلة