شركات النفط الوطنية بين التجارب الناجحة وسوء الإدارة

عودة محتملة للشراكات مع الخبرات العالمية

Reuters
Reuters

شركات النفط الوطنية بين التجارب الناجحة وسوء الإدارة

كيف يمكن تقييم تجارب شركات النفط الوطنية التي تصدت للإنتاج وللأعمال ذات الصلة بالنفط ومشتقاته وغيرها من نشاطات مذ تم تأميم النفط في الدول العربية؟

غني عن البيان أن عمليات التأميم جرت بأساليب مختلفة في الدول العربية المنتجة للنفط. في الكويت، تصدى مجلس الأمة بقيادة العضو الراحل عبد الله النيباري لمقترح المشاركة الذي توافقت عليه الحكومة الكويتية وشركات نفط الكويت المملوكة من شركتي "غلف أويل" و"بريتيش بتروليوم". تمكن النيباري من خلال مداخلاته وشروحه التفصيلية من إقناع الأعضاء والحكومة بالإقدام على تأميم شركة نفط الكويت (Kuwait Oil Company).

وكان إنتاج النفط السعودي يتم من خلال شركة "أرامكو"، وهي شركة تأسست عام 1933 بعد توقيع اتفاق الامتياز بين الحكومة السعودية وشركة "Standard Oil Company of California" -"سوكال" (SOCAL)، وبدأ الإنتاج في عام 1938 بعد اكتشاف النفط في الصحاري السعودية.

للمزيد إقرأ: هل من عودة للصين إلى سوق النفط السورية؟

في عام 1973 اشترت الحكومة السعودية 25 في المئة من ملكية "أرامكو" ثم زادت نسبة الملكية إلى 60 في المئة عام 1974 إلى أن تملكت الحكومةُ الشركةَ بالكامل في عام 1980.

تجارب ناجحة

جرت تطورات في دول نفطية عربية أخرى بأساليب متباينة، إلا أن الشركات أصبحت مملوكة بالكامل من الحكومات. كيف تطورت أوضاع هذه الشركات النفطية الوطنية في منتصف سبعينات القرن الماضي، أي بعد الصدمة النفطية الأولى، حتى يومنا هذا؟ هناك شركات تمكنت من تحسين القدرات الإنتاجية والتوسع في استثمارات المنبع والمصب، وعملت على تأهيل كوادر وطنية من خلال التدريب والابتعاث إلى الخارج والتعاون مع خبراء من الشركات العالمية.

برزت شركة "أرامكو" كالأكثر نجاحا ضمن شركات النفط الوطنية العربية. وهي تتميز بقدرات مهنية غير معهودة في العديد من شركات النفط الوطنية العربية، وهي تضاهي في استخدام التكنولوجيا وعلوم الصناعة النفطية أفضل الشركات العالمية

حافظت شركات عدة على مستوى تكاليف الإنتاج بما عزز القدرات التنافسية لهذه الدول على صعيد الأسواق النفطية. في المقابل، تفشت في شركات أخرى ظاهرة التوظيف المتضخم للعاملين من المواطنين وغيرهم، مما رفع تكاليف الإنتاج. كذلك، توسعت الشركات في نشاطات عدة، وأنشأت شركات تابعة لإنتاج البتروكيماويات والأسمدة، كما أسست شركات نقل وتوزيع إلى جانب شركات حيوية عملت في إنتاج المكررات. وأقام عدد من الشركات النفطية مصافي وتمكنت من رفع الإنتاج وصدرت النفط المكرر بما عزز القيمة المضافة للقطاع النفطي في هذه الدول.

Getty Images
موظف في "أرامكو السعودية"، قرب خط أنابيب في محطة الحوية في السعودية

بين التطور وسوء الإدارة

بيد أن تجارب الشركات الوطنية لم تكن وردية دائماً. هل تمكنت الشركات الوطنية المتخصصة في قطاع النفط أن تكون بديلاً ناجحاً للشركات العالمية التي جرى تأميمها أو اقتناؤها؟

هناك تجارب ناجحة وأخرى متعثرة، وخير من كتب عن شركات النفط الوطنية هو الدكتور ماجد المنيف، وهو اقتصادي سعودي متميز، عمل في الإدارة الاقتصادية ودرس في الجامعات السعودية، وترأس مؤسسات ذات صلة بالقطاع النفطي. أصدر الدكتور ماجد المنيف كتاباً مهما تحت عنوان "النفط بين إرث التاريخ وتحديات القرن الحادي والعشرين"، في عام 2018، يسرد فيه اقتصادات النفط منذ بداياته في أواسط القرن التاسع عشر، ويستعرض العوامل التي أدت إلى نشوء شركات النفط الوطنية ودرجات النجاح والفشل لكل منها. برزت شركة "أرامكو" كالأكثر نجاحاً ضمن شركات النفط الوطنية العربية. وتتميز "أرامكو" بقدرات مهنية غير معهودة في العديد من شركات النفط الوطنية العربية، وهي تضاهي في استخدام التكنولوجيا وعلوم الصناعة النفطية أفضل الشركات العالمية المعروفة.

الأهم من ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن شركة "أرامكو" أصبحت مدرجة في السوق المالي وتمكن مستثمرون من إقتناء حصص من حقوق المساهمين، بالتالي، لم تعد الشركة مملوكة بالكامل للحكومة السعودية، مما يؤكد التوجهات الإيجابية التي تتيح للمستثمرين المحليين والأجانب التملك السعودي. وتم طرح 1,5 في المئة من أسهم الشركة للتداول حيث تمكنت الشركة من جني 25,6 مليار دولار من ذلك الإصدار.

للمزيد إقرا: "أرامكو السعودية" أربع سنوات من الثبات

أنشأت الكويت مؤسسة البترول الكويتية في عام 1980. أنيطت الملكية بالمؤسسة والإشراف على شركات النفط المختلفة العاملة في الكويت ومنها شركة نفط الكويت (KOC) وشركة البترول الوطنية (KNPC) والشركات العاملة في قطاع البتروكيماويات وشركة ناقلات النفط. تم ذلك بعد تأميم مختلف الأعمال في القطاع النفطي في أواسط سبعينات القرن الماضي، كذلك أصبحت المؤسسة مسؤولة عن الشركات التي تأسست لاحقاً ومنها شركات نفط تعمل خارج الكويت.

DPA
شعار شركة "شل" للنفط

نظراً إلى خضوع القطاع لملكية الدولة، مر على إدارته العديد من الوزراء الذين تمت تسميتهم لاعتبارات سياسية غير مهنية. يضاف إلى ذلك، أن القطاع أصبح شبيهاً بالقطاع الحكومي من وزارات ودوائر حكومية، حيث جرى توظيف الآلاف من الكويتيين خضوعاً لضغوط أعضاء مجلس الأمة. تضخمت مخصصات الرواتب والأجور إلى درجة كبيرة مما رفع تكلفة الإنتاج التي بلغت 13 دولارا للبرميل في عام 2023، بزيادة نسبتها 17,9 في المئة عن عام 2022. 

الكويت، تجربة غير متميزة

للنفط الكويتي تاريخ طويل يبدأ منذ منتصف ثلاثينات القرن العشرين عندما وقّع أمير الكويت الراحل أحمد الجابر الصباح اتفاق الامتياز مع شركتي "غلف أويل" و"بريتيش بيتروليوم" وتأسيس شركة نفط الكويت (KOC). لم ينطلق الإنتاج والتصدير إلا في عام 1946 بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، على الرغم من اكتشاف النفط في عام 1939.

لعبت الكويت دوراً مهما في اقتصادات النفط وشاركت في تأسيس منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" (OPEC) في عام 1960. لكن القطاع النفطي تعرض للدمار بعد الغزو العراقي للكويت في عام 1990، حيث تم تدمير وحرق أكثر من 700 بئر نفطية. بعد التحرير وإصلاح أوضاع القطاع، تمكنت البلاد من إعادة الحيوية إليه وتحقيق إيرادات مناسبة لمواجهة استحقاقات الإنفاق. بيد أن محاولات الاستفادة من خبرات الشركات الأجنبية والدخول في شراكات معها لتطوير حقول الشمال لم تفلح، لأن أعضاء مجلس الأمة عارضوا المشروع في تسعينات القرن الماضي. واجهت حقول النفط القديمة في الكويت مشكلات فنية فكان لا بد من الاستعانة بشركات نفط عالمية لتقويمها وإصلاحها.

جرى توظيف الآلاف من الكويتيين خضوعا لضغوط أعضاء مجلس الأمة. تضخمت مخصصات الرواتب والأجور إلى درجة كبيرة مما رفع تكلفة الإنتاج التي بلغت 13 دولارا للبرميل في عام 2023

هناك حاليا تراجع في إنتاج النفط الخام، ليس فقط نتيجة لقرارات "أوبك" خفض إنتاج نفط الدول الأعضاء في المنظمة، ولكن أيضا لأسباب فنية.

لا يزيد الإنتاج في الوقت الحاضر على 2,5 مليون برميل يومياً، في وقت تجري محاولات لتطوير قدرات مصافي النفط ورفع المعدل اليومي من مليون إلى 1,4 مليون برميل خلال السنوات المقبلة. وهناك مشاريع لإنتاج الغاز الطبيعي، خصوصاً من حقل الدرة، المأمول أن تتم معالجة النزاع في شأنه مع إيران في ما يتعلق بالمياه الإقليمية التي تقع فيها حقول الغاز.

للمزيد عن القطاع إقرأ: تحديات نفطية ... وخليجية

لا تعد تجربة الإدارة الوطنية للنفط في الكويت متميزة، فهناك الكثير من المطبات السياسية والإدارية التي اتسمت بها تلك التجربة. تملك الدول العربية الأخرى مثل العراق وليبيا، تجارب تستحق الدراسة والتمعن، لكن من المهم بحث مسألة إدارة قطاع النفط في أي من الدول العربية على أسس موضوعية والتركيز على تحقيق أفضل النتائج من عمليات إنتاج النفط الخام وأعمال المصافي وأنشطة البتروكيماويات وغيرها من شركات ذات صلة بالنفط والغاز. فهل يمكن الاستفادة من الشراكة مع شركات نفطية عالمية تملك أفضل التقنيات لإنتاج النفط ومشتقاته والتمكن من تسويقه بموجب شروط ملائمة ومفيدة لكل الأطراف المشاركة وبعيدة عن الشروط التي تم الاتفاق عليها في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي التي ربما لم تكن منصفة للدول المنتجة؟

font change

مقالات ذات صلة