في مجموعة "حب ما ليس لي" للشاعر العراقي إبراهيم البهرزي، الصادرة عن اتحاد الأدباء والكتاب في العراق 2025، يتحول الألم إلى جمال، والفقدان إلى خطاب شعري، والصمت إلى صوت يسمع بوضوح داخل كل نص. كما لا يكتفي بوصف ما يراه، بل يغوص في جوهر الأشياء، فيقلبها ليكشف عنها ما يختبئ وراء السطح: الصمت، الغياب، الذاكرة، والحنين. صوت البهرزي يأتي هادئا وعميقا، يدعو القارئ إلى المشاركة في عملية التأمل وإعادة البناء الذهني للعالم. وهو يحمل ثقل التجربة العراقية، ليصل إلى الإنسان بوصفه كائنا يعيش الفقد والحنين والحب والمصير.
بين الحسي والتأملي
يقدم البهرزي في هذه المجموعة نموذجا شعريا ينقل اليومي من سطحه المألوف إلى عمقه الرمزي، فيحول التفاصيل العابرة إلى إشارات دالة على أزمة الوجود. في قصيدة "تاجر بهرز"، التي تفتتح المجموعة، يتبدى وعي الشاعر بالمكان والزمان، ككائنين يتنفسان ويتقلصان وفق إيقاع النفس البشرية. حين يقول: "بعد أن يصبح الليل نهارين وأكثر / والشوارع التي كنت تبعثر عليها الأيام / تضيق إلى خطوتين"، فإنه يضغط الزمن ليكشف اختناق الذات في واقع متآكل، ويكثف المكان ليحوله إلى استعارة عن الانغلاق الداخلي. بهذا الاقتصاد في اللغة، تتجسد التجربة الوجودية في مشهد بصري حاد، يختزل ما لا يقال في ما يرى.
تقوم البنية الشعرية على مفارقة دقيقة بين البساطة الظاهرة والعمق الخفي. فهو يكتب بلغة تبدو مألوفة، لكنها تنطوي على كثافة فكرية تجعل الصورة الشعرية أشبه بممر بين الحسي والتأملي.
لا يلهث خلف الغموض المصطنع، إنما يترك الصورة تنمو من داخل التجربة ذاتها. في قصيدة "بريد مرتجع"، يضعنا أمام عالم فقد أدوات تواصله: "ما جاء بريد منذ رمت الدنيا كتاب رسائلها في حاوية المنسيات". هنا تتحول الجملة إلى مرثية لعصر انقطع فيه الخيط بين الإنسان والعالم، حيث صارت الرسائل رموزا لأصوات لم يعد أحد ينتظرها.



