الصورة قلب القصيدة في "حب ما ليس لي" لإبراهيم البهرزي

بين بساطة ظاهرة وعمق خفي

 Facebook
Facebook
غلاف ديوان "حب ما ليس لي"

الصورة قلب القصيدة في "حب ما ليس لي" لإبراهيم البهرزي

في مجموعة "حب ما ليس لي" للشاعر العراقي إبراهيم البهرزي، الصادرة عن اتحاد الأدباء والكتاب في العراق 2025، يتحول الألم إلى جمال، والفقدان إلى خطاب شعري، والصمت إلى صوت يسمع بوضوح داخل كل نص. كما لا يكتفي بوصف ما يراه، بل يغوص في جوهر الأشياء، فيقلبها ليكشف عنها ما يختبئ وراء السطح: الصمت، الغياب، الذاكرة، والحنين. صوت البهرزي يأتي هادئا وعميقا، يدعو القارئ إلى المشاركة في عملية التأمل وإعادة البناء الذهني للعالم. وهو يحمل ثقل التجربة العراقية، ليصل إلى الإنسان بوصفه كائنا يعيش الفقد والحنين والحب والمصير.

بين الحسي والتأملي

يقدم البهرزي في هذه المجموعة نموذجا شعريا ينقل اليومي من سطحه المألوف إلى عمقه الرمزي، فيحول التفاصيل العابرة إلى إشارات دالة على أزمة الوجود. في قصيدة "تاجر بهرز"، التي تفتتح المجموعة، يتبدى وعي الشاعر بالمكان والزمان، ككائنين يتنفسان ويتقلصان وفق إيقاع النفس البشرية. حين يقول: "بعد أن يصبح الليل نهارين وأكثر / والشوارع التي كنت تبعثر عليها الأيام / تضيق إلى خطوتين"، فإنه يضغط الزمن ليكشف اختناق الذات في واقع متآكل، ويكثف المكان ليحوله إلى استعارة عن الانغلاق الداخلي. بهذا الاقتصاد في اللغة، تتجسد التجربة الوجودية في مشهد بصري حاد، يختزل ما لا يقال في ما يرى.

تقوم البنية الشعرية على مفارقة دقيقة بين البساطة الظاهرة والعمق الخفي. فهو يكتب بلغة تبدو مألوفة، لكنها تنطوي على كثافة فكرية تجعل الصورة الشعرية أشبه بممر بين الحسي والتأملي.

لا يلهث خلف الغموض المصطنع، إنما يترك الصورة تنمو من داخل التجربة ذاتها. في قصيدة "بريد مرتجع"، يضعنا أمام عالم فقد أدوات تواصله: "ما جاء بريد منذ رمت الدنيا كتاب رسائلها في حاوية المنسيات". هنا تتحول الجملة إلى مرثية لعصر انقطع فيه الخيط بين الإنسان والعالم، حيث صارت الرسائل رموزا لأصوات لم يعد أحد ينتظرها.

يتحول الغياب عند البهرزي إلى شكل من أشكال الحضور، والحرمان إلى طريقة لمساءلة المعنى

ينبثق عنوان المجموعة كجوهر دلالي يختزل فلسفة الشاعر في التعامل مع العالم: حب ما يفلت، وما لا يمكن امتلاكه، وما يظل خارج اليد كحلم مؤجل. إنه موقف وجودي من الفقد، إذ يتحول الغياب عند البهرزي إلى شكل من أشكال الحضور، والحرمان إلى طريقة لمساءلة المعنى. فالعنوان لا يصف تجربة عابرة، بقدر ما يفتح بوابة على وعي شعري يتغذى من التناقض: أن تحب ما لا تملك لأن الامتلاك ينهي الدهشة، ولأن البعيد وحده يحافظ على طهارة الرغبة.

في القصيدة التي تحمل العنوان نفسه، حين يقول الشاعر: "زهرة الغاردينيا الجميلة ليست لي/ هي في حديقة منزل آخر/ وأنا أحبها/ لن أقطفها يوما ولن ألمسها"، نلمس هذا التوتر بين الرغبة والامتناع، بين الحنين والاعتراف بالعجز. الزهرة هنا أكثر من رمز للحب المستحيل، فهي استعارة للعلاقة الملتبسة مع الوطن والماضي وكل ما فقد دون أن ينسى. فكما يتأمل الشاعر الزهرة من وراء السور، يتأمل ذاكرته من وراء المسافة، فيتحول النظر نفسه إلى فعل حب، والحرمان إلى شرط للحياة.

الذاكرة والزمن وإنتاج للمعنى

يتعامل الشاعر مع الذاكرة بوصفها كائنا حيا يواصل نموه داخل النص، يتبدل ويتحول كلما لامسته اللغة. في عالمه الشعري، لا وجود لحد فاصل بين ما كان وما هو كائن، إذ يتقاطع الماضي مع الحاضر في نسيج واحد من الصور والاستعارات. الذاكرة ليست أداة تذكر، بل وسيلة لفهم الحاضر وإعادة تشكيله. إنها طاقة خفية تتسلل عبر ثنايا القصائد لتعيد ترتيب الزمن، وتحول التجربة الشخصية إلى مرآة لوعي جمعي يئن من تراكم الخسارات.

جندي أميركي ينعكس ظله في بركة مياه بجانب علم العراق خلال افتتاح أول مركز إطفاء مرمم في بغداد، 27 أغسطس 2003

في قصيدة "الطريق الأصفر"، تتجلى هذه الرؤية بوضوح: "بعد الطواف في أحراش المواسم كنا نعود من الطريق الأصفر صوب منازلنا". اللون الأصفر هنا لا يرمز إلى الربيع أو الضوء كما في الاستخدام التقليدي، بل إلى الذبول الذي يسبق الرحيل، إلى الطريق الذي يعرف وجهته لكنه لا يصلها أبدا. إنه طريق الحنين، طريق العودة إلى ما لم يعد موجودا. من خلال هذه الصورة المكثفة، يعيد البهرزي صوغ العلاقة بين الذاكرة والزمن بوصفها علاقة جرح لا يلتئم، جرح يواصل إنتاج المعنى كلما ظن صاحبه أنه نسي.

بهذا التكرار الواعي، يخلق الشاعر شعورا بأن الزمن نفسه فقد استقراره، وأن الإنسان يعيش في مدار من التذكر المستمر

الزمن في شعره دائري، يتكرر ويتداخل كما تتكرر المواسم التي يذكرها في القصيدة. العودة استحضارا لظل العودة، إذ يدور الشاعر حول المكان كما يدور الحلم حول ذاته. بهذا التكرار الواعي، يخلق الشاعر شعورا بأن الزمن نفسه فقد استقراره، وأن الإنسان يعيش في مدار من التذكر المستمر، لا في حركة نحو المستقبل.

REUTERS/Aladin Abdel Naby
سيارة دفع رباعي تعبر الكثبان الرملية قرب واحة سيوة في الصحراء الغربية المصرية عند غروب الشمس

الوطن والمنفى

يتعامل البهرزي مع فكرة الوطن بوصفها جرحا مفتوحا في الوعي وحلما مهددا بالانطفاء. فالوطن عنده ليس أرضا بقدر ما هو علاقة متوترة بين الانتماء والخذلان، بين الحنين إلى الجذر والرغبة في الانفلات منه. في قصيدة "لا تعودي لتلك البلاد"، تتحول صورة الوطن إلى كيان مأزوم، يفقد صفته الأمومية ليغدو ساحة للصفقات الباردة: "البلاد لا تطيقنا، ثمة أبناء أكثر دخلا منا/ البلاد أقل أمومة وأكثر مضاربة". هذا التوصيف المكثف يعري الوطن من رموزه المقدسة، ويضعه في مواجهة واقعية مع ذاته. وطن لم يعد حضنا دافئا، بل سوق يتساوى فيها الدم والعملة.

من خلال هذه الرؤية، يتحول الوطن إلى كائن مزدوج: معبود ومعذب في آن واحد. فكل بيت شعري في هذه المجموعة يكتب على حافة سؤال أخلاقي: كيف يمكن الإنسان أن يحب وطنا يخونه؟ وكيف يمكنه أن يتخلى عن حبه دون أن يفقد آخر ما تبقى من إنسانيته؟ 

REUTERS/Leonhard Foeger
معبر الحدود بين النمسا والمجر قرب نيكيلسدورف في النمسا

تتأسس التجربة الشعرية في هذه المجموعة على وعي عميق بوظيفة الصورة بوصفها قلب القصيدة وفضاءها الفكري والجمالي معا. هي الكيان الذي تتجلى من خلاله الرؤية، وتتشكل فيه العلاقة بين الإنسان والعالم. في قصيدة "القبر 512"، حين يقول: "هنا يرقد النهر الذي لا يحب الضفاف/ الشجرة التي تتنبأ من الريح الصاخبة"، تعيد ابتكار الواقع ولا تكتفي بتمثيله، صورة تحول الجماد إلى كائن حي يشارك الوجود اضطرابه وقلقه. فالنهر الذي يرفض الضفاف يتكلم بلسان الروح التي ترفض حدودها، والشجرة التي تتنبأ من الريح هي مرآة الكائن الذي يعيش تحت تهديد دائم، يتلمس مصيره من نذر العاصفة.

والصورة تكتسب في شعره بعدا فلسفيا يجعلها أداة تأمل في المصير الإنساني. فالمجاز عنده ليس قناعا للمعنى، بل طريق إليه. يتخذ من اللغة مادة قابلة للتحول، فتمتزج العناصر الطبيعية بالعواطف، وتصبح الريح أو النهر أو التراب رموزا لكيانات بشرية تبحث عن اتزانها في عالم مختل. هذا الأسلوب يجعل القارئ شريكا في إعادة تشكيل الصورة، إذ لا تكتمل دلالتها إلا بقراءتها من زوايا متعددة، مثل لوحة تخفي في طبقاتها أكثر مما تظهر.

السرد الشعري

يجيد الشاعر توظيف تقنية السرد الشعري بوصفها أداة تكثيف للمعنى ووسيلة لتوليد الدراما داخل النص الشعري. فقصائده كثيرا ما تتحول إلى مشاهد حكائية مشبعة بالرمز والتأمل تتقاطع فيها اللغة الشعرية مع البنية السردية دون أن تفقد القصيدة توترها الإيقاعي أو طاقتها التأملية.

في قصيدة "حرب الجندي الوحيد" مثلا، يصوغ البهرزي حكاية كاملة داخل مساحة شعرية قصيرة، تبدأ بحلم الجندي في خوض معركة بمفرده وتنتهي بانتحاره، وكأن القصيدة تعيد تمثيل مأساة الإنسان أمام عبث الوجود. هذا التكثيف الحكائي لا يسرد واقعة بقدر ما يفتح بابا لتأمل الفكرة: فالوحدة هنا هي قدر إنساني عام، والحرب استعارة كبرى لمواجهة الذات في فراغ العالم.

يتحول السرد عنده إلى شكل من أشكال التأمل الوجودي، تتقاطع فيه التفاصيل اليومية مع الرموز الكبرى للحياة والموت، ويصبح كل مشهد حكاية عن العزلة والفقد، وكل نهاية تعليقا على عبثية المصير.

بساطة تخدع بحكمتها، تخفي خلف هدوئها توترا فلسفيا حول معنى الحب واليقين والانتظار

تتأسس بنية القصيدة على التكرار بوصفه إيقاعا ومعنى معا. ففي قصيدة "ما عاد عندنا" يتردد التعبير نفسه مثل صدى بعيد، يتحول من لازمة لغوية إلى نشيد للفقدان الجمعي، فتتسرب الحكاية من بين المفردات لتكشف عن خراب داخلي شامل. فالتكرار عنده لا يكرر الفكرة بل يعمق أثرها، يمنحها طابع المأساة، ويحول العبارة البسيطة إلى مرآة تتكاثر فيها المعاني. أما لغته، فهي بسيطة المظهر، عميقة الجوهر. لا يتوسل الغموض ليبدو شاعرا، بل يحقق شعرية خالصة من صدق التجربة وشفافية التعبير. في قصيدة "إيمان"، يكتب:  "أتلمس الملل/ خرزة خرزة.../ لا ينتهي هذا الإيمان بك.".

REUTERS/Phil Noble
زهرة واحدة تتفتح وسط حقل من النرجس في حديقة سيفتون بمدينة ليفربول البريطانية

في هذه السطور الموجزة، تتحول الصورة اليومية إلى تأمل ميتافيزيقي، إذ يصبح الملل مسبحة، والإيمان سلسلة لا تنتهي من التعلق بالمطلق. إنها بساطة تخدع بحكمتها، تخفي خلف هدوئها توترا فلسفيا حول معنى الحب واليقين والانتظار.

font change

مقالات ذات صلة