"صدى" جيل جديد من المهارات السعودية الذكية في الطاقة

ركن استراتيجي في مسيرة التحول الصناعي للمملكة ونموذج عالمي في التدريب الميداني والرقمي لتعزيز تنافسية القطاع

أكاديمية الحفر السعودية
أكاديمية الحفر السعودية
المقر الرئيس لأكاديمية الحفر العربية السعودية في مدينة بقيق

"صدى" جيل جديد من المهارات السعودية الذكية في الطاقة

خلال زيارتنا الأخيرة إلى أكاديمية الحفر العربية السعودية "صدى"، لم نقف أمام قاعات تدريب ومنصات محاكاة فحسب، بل أمام صورة حيّة تتجسد فيها ملامح "رؤية السعودية 2030". في تفاصيل وجوه المتدربين، وفي دقة جلسات المحاكاة، وفي صرامة تمارين السلامة، يتشكل جيل جديد لا يُعدّ فقط لشغل وظائف، بل ليقود مستقبل وطن بأدوات المعرفة والانضباط والابتكار.

وما يميّز «صدى»، إلى جانب حجمها وبنيتها التقنية المتقدمة، هو فلسفتها العميقة التي تنطلق من إيمان راسخ بأن أثمن موارد الطاقة في المملكة ليس النفط، بل الإنسان المؤهل والقادر على صناعة التحول.

انطلقت أكاديمية الحفر العربية السعودية "صدى" بمبادرة من شركة "أرامكو" السعودية، وبشراكة وثيقة مع المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، بالتعاون مع أكثر من ثلاثين شركة كبرى في قطاع الطاقة (upstream). وتمثل هذه الشراكة واحدة من أنجح صور التعاون بين القطاعين العام والخاص وأكثرها رؤية في التاريخ الصناعي الحديث للمملكة.

منذ اللحظة الأولى لتدشينها رسميا في عام 2016، كان هدف "صدى" واضحا، ويتمثل بإعداد شبان وشابات السعودية وتسليحهم بالمهارة التقنية والانضباط وثقافة السلامة اللازمة لتشغيل حقول النفط البرية والبحرية في المملكة.

تمتد الأكاديمية على مساحة 72 ألف متر مربع في بقيق، وتضم ورش عمل عالمية المستوى، ومحاكيات رقمية متقدمة، ومختبرات حديثة، وأحد أكثر مجسمات الحفر التدريبية تطورا في المنطقة

تمتد الأكاديمية على مساحة 72 ألف متر مربع في بقيق، وتضم ورش عمل عالمية المستوى، ومحاكيات رقمية متقدمة، ومختبرات حديثة، وأحد أكثر مجسمات الحفر التدريبية تطورا في المنطقة، إضافة إلى بئر تدريبية بلا منصة حفر (Workover Well) تحاكي ظروف الحفر الحقيقية. بالتالي يجد المتدربون أنفسهم أمام بيئة صناعية واقعية صممت للتعلم بالتجربة، بدل التعلم فقط من الجوانب النظرية.

ولأن تأسيس "صدى" جاء بعد أشهر قليلة من إطلاق "رؤية السعودية 2030"، فقد شكل ثمرة مباشرة لقيادة "أرامكو" الاستشرافية في تنفيذ إحدى أهم ركائز الرؤية: بناء قوة عاملة سعودية عالية المهارة.

أكاديمية الحفر السعودية
طالب في أكادمية "صدى" يتولى محاكاة عملية الحفر ضمن تدريبات البرنامج

وقد وضع هذا التوجه مبكرا على يد المهندس داود الداود، مؤسس "صدى" ورئيس مجلس إدارتها الأول، ونائب الرئيس الأعلى السابق في "أرامكو"، الذي أسهمت بصيرته وقيادته في رسم ملامح الأكاديمية. وعند تدشينها، قال الداود إن "صدى" هي الأكاديمية الأولى من نوعها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. نحن نتماشى مع 'رؤية المملكة 2030'، مستثمرين في شبابنا السعودي الموهوب لدعم الاقتصاد".

وبعد أكثر من ثمانية أعوام، لا تزال "صدى" تجسد تلك الرؤية، مؤسسة ديناميكية ترفد المملكة بأجيال من الكفاءات السعودية القادرة على صون مستقبل قطاع الطاقة والصناعة ودفعه إلى الأمام.

ما يميز "صدى" على الساحة الدولية هو نموذجها التدريبي التحولي. فالأكاديمية تستقبل خريجي الثانوية، الذين يدخل معظمهم من دون خلفية تقنية مسبقة، فتصقلهم عبر برنامج مكثف يمتد لعامين، ليخرجوا مهنيين مهرة، واثقين، وجاهزين لسوق العمل.

منذ انطلاقتها في عام 2016، خرّجت "صدى" نحو 1500 موهبة سعودية، يعمل معظمهم اليوم في عمليات "أرامكو" السعودية وفي شركات المقاولات الشريكة

يجمع هذا النموذج بين الدراسة الصفية والمحاكاة والعمل الميداني على منصات الحفر، بما يضمن أن يتمكن كل خريج من الاندماج مباشرة في بيئة العمل. ومنذ انطلاقتها في عام 2016، خرّجت "صدى" نحو 1500 موهبة سعودية، يعمل معظمهم اليوم في عمليات "أرامكو" السعودية في قطاع (upstream) وفي شركات المقاولات الشريكة. لكن "صدى" لا تملأ شواغر وظيفية فحسب، بل تخلق أيضا مسارات مهنية، وتبني قاعدة مستدامة للتوطين في واحد من أكثر القطاعات التقنية تطلبا في العالم.

أكاديمية الحفر السعودية
أجهزة للتحكم عن بعد في أنابيب حفر الحقول النفطية

كما تضطلع "صدى" بدور ريادي في تمكين المرأة السعودية من دخول مهن الحفر والخدمات. وانسجاما مع أهداف الشمول في "رؤية 2030"، فتحت "صدى" أبوابها للمتدربات، مانحة إياهن فرصا متكافئة للتدريب التقني المتقدم والخبرة الميدانية.

معيار عالمي جديد للمحتوى المحلي

لطالما ناقشت الدول المنتجة للنفط حول العالم كيفية توطين خبراتها في قطاع الطاقة، لكن أيا منها لم يحقق مستوى التكامل التشغيلي أو حجم الإنجاز أو النتائج القابلة للقياس التي حققتها "صدى". فنموذجها القائم على "التدريب من أجل التوظيف"، والمصمم بالشراكة مع القطاع، يضمن أن يعكس كل مقرر تدريبي احتياجات التشغيل الواقعية.

أما منهج الأكاديمية، الذي بناه مهندسون وخبراء ميدانيون، فيشمل، إلى جانب الحفر وخدمات الآبار، التدريب على السلامة، والقيادة، والعمل الجماعي، وفق معايير "أرامكو" السعودية.

فازت "صدى" بجائزة أفضل برنامج لتوطين المواهب لعام 2025 ضمن جوائز النفط والغاز في السعودية

هذا التعاون بين شركة نفط وطنية، وجهة حكومية للتدريب، وعدد كبير من المشغلين في القطاع الخاص، غير مسبوق. وقد أنتج مخططا لتوطين القوى العاملة باتت دول أخرى، من النروج إلى ماليزيا، تدرسه بإعجاب.

التقدير الوطني والدولي

حصدت "صدى" مجموعة من الجوائز والتكريمات الوطنية والدولية، رسخت خلالها مكانتها، مؤسسة مرجعية عالمية في مجال تطوير الكفاءات لقطاع الطاقة.

ومن أبرز هذه الإنجازات فوزها بجائزة أفضل برنامج لتوطين المواهب لعام 2025 ضمن جوائز النفط والغاز في السعودية، وهي جائزة تؤكد الدور الاستثنائي الذي تضطلع به الأكاديمية في تطوير الكفاءات الوطنية، وتعزيز مسارات التوطين، والمساهمة في صوغ مستقبل قطاع الطاقة في المملكة.

.أ.ف.ب
مصفاة نفطية في حقل الشيبة التابع لشركة "أرامكو"، 12 يناير 2024

لا يقل أهمية عن ذلك، حصول الأكاديمية على شهادة NCZ الذهبية لعام 2024، التي أكدت نجاح "صدى" في قياس بصمتها الكربونية وفق أعلى المعايير الدولية، وعززت التزامها الاستدامة والأهداف البيئية لـ"رؤية 2030".

تدمج الأكاديمية أنظمة البيانات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والمحاكيات الذكية للحفر، ومنصات التحليل المتقدمة في كل زاوية من بيئة التعلم

كما حازت "صدى" تقديرا وطنيا مهما بحصولها على "الدرع الفضي" في الدورة السابعة لجائزة الملك عبد العزيز للجودة (KAQA) ضمن فئة القطاع غير الربحي، لتميزها التشغيلي وقوة منظومة إدارة الجودة لديها ومعاييرها العالمية في تطوير الكفاءات الوطنية. كما أن تجديد حصولها على المستوى الفضي من جائزة الملك عبد العزيز للجودة يشكل شهادة إضافية على التزامها المتواصل التميز والابتكار والجودة.

.أ.ب
مهندسون يقفون أمام أنابيب غاز في حقل الحوية شرق السعودية، 28 يونيو 2021

وتعزيزا لمكانتها، حلت "صدى" في المرتبة الثالثة على مستوى المملكة ضمن أفضل بيئات العمل لعام 2025 بحسب تصنيف Great Place to Work، وفي المرتبة التاسعة على مستوى الشرق الأوسط لعام 2024، في تأكيد ثقافة مؤسسية راسخة تقوم على التحفيز والعمل الجماعي وروح الانتماء.

التحول الرقمي والريادة التقنية

ويواصل تطور "صدى" تجاوز حدود النماذج التدريبية التقليدية، ليصبح ما كان يعد تحديا مستقبليا، مثل التحول الرقمي، والأتمتة، والذكاء الاصطناعي، أحد أبرز إنجازاتها الراهنة، ويضعها في مصاف قلة من مؤسسات التدريب العالمية في هذا المجال. إذ تدمج الأكاديمية أنظمة البيانات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والمحاكيات الذكية للحفر، ومنصات التحليل المتقدمة في كل زاوية من بيئة التعلم، مما يمكن المتدربين من اكتساب مهارات الحفر، إلى جانب القدرة على قراءة البيانات التشغيلية، والتنبؤ بالأداء، واستخدام الأدوات الرقمية التي سترسم ملامح الجيل القادم من عمليات التنقيب.

وبالانتقال من الحفر التقليدي إلى عالم البيانات، تصنع "صدى" جيلا من محترفي الحقول الرقمية، يجمعون بين الخبرة الميدانية والقدرات التحليلية المتقدمة. وتشمل برامج الأكاديمية اليوم تفسير البيانات اللحظي، والصيانة التنبؤية، وتطبيقات التوأم الرقمي، وأنظمة التحكم المؤتمتة، بما يضمن جاهزية خريجيها لقيادة عصر الطاقة الذكية.

رؤية تحققت لتنمية رأس المال البشري

تقف "صدى" اليوم ركنا استراتيجيا في مسيرة التحول الصناعي للمملكة، ونموذجا وطنيا حيا لـ"رؤية 2030" لتنمية رأس المال البشري، يجمع بين التعليم والصناعة والابتكار في إطار واحد من الجودة والإتقان. ومن خلال تحويل الخريجين السعوديين الشباب إلى مهنيين مهرة وواعين بمعايير السلامة، تبني "صدى" قوة عاملة تجسد طموحات المملكة في التنافسية، والاستدامة، والازدهار طويل المدى.

font change