تشهر رواية "لعبة الكراسي" للكاتب المغربي أحمد المديني (المركز الثقافي للكتاب، 2025)، علامة الجنون كعنوان هامشي وفق توصيف يدمغ نوعها: رواية مجنونة، وتفصح عن نياتها التجريبية الحادة، بشذرة مقتبسة في عتبة الكتاب، للروائي الأميركي بول أوستر: "أريد قلب كل شيء رأسا على عقب".
ترسم استراتيجيا الكتابة إذن أفقا سرديا موعودا، ممهورا برهان مفارق استباقي، من خلال حد اللعب المضمر في "اللعبة" أولا، مشفوع بحد ثان هو الجنون المبرز في إشارة (مجنونة) المسنونة، ثم يضاعف من الحدين منحى ثالث بحسب المقولة المقتبسة، وهي نذر قلب الأشياء عن بكرة أبيها.
لا يكتفي الروائي أحمد المديني بهذا الثالوث التحريضي، بل يأبى إلا أن يرفق ذلك بديباجة، محض مقدمة أشبه ببيان روائي، اللافت فيه هو توصيف رواية الجملة الواحدة.
هذا النزوع التجريبي في فن الخطاب، لا يقف عند ما هو تركيبي ونحوي، في صيغة الجملة، حيث تنتفي علامات الترقيم، في اندلاق لغوي متواصل، بغير ما انضباط للوقوف عند نقطة بعينها، وهذا ملمح يحتكم فيه الأسلوب إلى ما هو بلاغي شبه عدمي. أكثر من ذلك، يوزايه ملمح مضاعف، بنيوي، وشكلاني، يتخلق أثره المختلف، عبر هذا المنحى الروائي المضاد.
قارئ منجز أحمد المديني الروائي، إن التفت إلى بداياته المغامرة، ذات النبرة العنيفة، أو المتطرفة تجريبا، يجد أن الكاتب جرب بلاغة الجملة الواحدة، في رواية سابقة موسومة بعنوان "حكاية وهم" الصادرة عام 1992، وفي طبعة ثانية بعنوان يلحقه باستطراد: "حكاية وهم مغربية" 1995.
اثنتا عشرة لعبة
في اللعبة رقم 1، تفتتح رواية "لعبة الكراسي"، محكيها بمشهد تسافد بين السيد عبد العالي أو عليلو وخادمته، بحسب رواية زوجته الزوهرة المدعوة على سبيل الدلال زيزي، في ردهة البيت إثر تعثر الخادمة في اصطدام به. وما عليلو في الأصل إلا شخص صفر اليدين، قادم إلى مدينة الرباط من قرية منسية اسمها بوكليبة، وزيزي من صنعت شأنه الطارئ في ارتقاء السلم الاجتماعي، إذ علمته كيف يلعب أو يتلاعب بالأحرى، امتثالا إلى خطط أكروباتية، كيما يلمع نجمه في كرنفال الاستوزار، بعد أن يستوفي ألاعيب المحافل، من مطابخ أحزاب ونقابات وجمعيات وعهدة تقاليد كتابة البلاغات وديباجة البيانات، ولا بأس أن يمهر سيرته بشهر تلفيقي في السجن على سبيل اعتقال يدعي التزاما بموقف هو في المضمر زائف، والرهان أن يظفر لاحقا بمنصب وزاري، سيقلب حياته رأسا على عقب، ويترك وزوجته وضاعة العيش في شقة ضئيلة، إلى رحاب فيلا فارهة، وبذا يسمو من حضيض بوكليبة، معتليا قمة صومعة حسان، ويصير عليين من حقيقته كجاهل، فوق سلالة أصحاب الدبلومات الأكاديمية، وأطيافهم الراسخة في العلم، وزوجاتهم من ذوات الحسب والنسب. ولكن وصمة خيانته للزوهرة، أو زيزي، ستعصف به خاسئا إلى حضيض مستنقعه الأول، فكما حلقت به وطبق الآفاق، ستعيده إلى سافل دركه كما كان، صفرا من كل شيء. ومع ذلك ظلت علاقته بالكرسي، مرضية حد الهلوسة، على أمل أن يسترجع مجده الآفل.


