ما موقف ترمب من اليمن و"الحوثيين" خلال سنته الأولى؟

الحاجة إلى سياسة أميركية أكثر وضوحا

رويترز
رويترز
ناقلة النفط "كورديليا مون" تشتعل فيها النيران بعد إصابتها بصاروخ في البحر الأحمر قبالة ميناء الحديدة اليمني في 1 أكتوبر 2024

ما موقف ترمب من اليمن و"الحوثيين" خلال سنته الأولى؟

بعد يومين من إعادة تنصيب الرئيس الأميركي دونالد ترمب في 20 يناير/كانون الثاني العام الماضي 2025 أعاد الرجل تصنيف جماعة الحوثيين في اليمن كمنظمة "إرهابية أجنبية" كما كانت في ولايته الأولى، واكتفت إدارته بفرض بعض العقوبات على قادة الجماعة. لكنه في المجمل أعاد رسم معظم سياسة واشنطن إزاء كثير من القضايا والصراعات في الشرق الأوسط، ومن بينها النزاع المرير الذي يشهده اليمن منذ أكثر من خمسة عشر عاما، وذلك على أساس اعتباره أزمة داخلية معقدة وميؤوسا من حلها عسكريا أو سياسيا، معتبرا أنها تخص دول الإقليم أكثر مما تعني الولايات المتحدة الأميركية.

غير أن ترمب عاد للالتفات لليمن بقوة عندما شنت جماعة الحوثيين سلسلة هجمات واسعة خلال الحرب الإسرائيلية في غزة شملت أهدافا في تل أبيب وإيلات بدعوى نصرة الفلسطينيين لم تسفر عن نتائج تذكر.

لقد زاد اهتمام الجانب الأميركي وحزمه عندما تحولت هجمات الحوثيين نحو طرق الملاحة البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب، واستهدفت عددا من السفن وناقلات النفط التي قال الحوثيون إنها مرتبطة بإسرائيل مما ألحق خسائر فادحة بالاقتصاد العالمي، واضطر الكثير من السفن إلى تجنب عبور باب المندب والمرور برأس الرجاء الصالح، كما ارتفعت كلفة التأمين بنسب قياسية وغير مسبوقة، وهذا فضلا عما تسببت فيه المواجهة مع الحوثيين من أذى للشعب اليمني.

الاستهداف الأميركي لـ"الحوثيين"

بين 15 مارس/آذار و6 مايو/أيار 2025، أطلقت الولايات المتحدة حملة جوية واسعة النطاق استهدفت عددا كبيرا من مواقع الحوثيين في معظم مناطق سيطرتهم شمال غرب اليمن، وأطلقت عليها الولايات المتحدة اسم عملية "الراكب الخشن"، ومن المؤكد، بحسب البيانات الأميركية، أن هذه الحملة ألحقت أضرارا مؤثرة في البنية التحتية للحوثيين خصوصا في مستودعات تخزين الصواريخ والمسيّرات ومعامل التصنيع الحربي، إلى جانب كثير من الموانئ والبنى التحتية المدنية التي قالت إدارة ترمب إنها تشكل مصادر دخل لتمويل المجهود الحربي للجماعة، وإن كان الحوثيون لا يعترفون عادة بنتائج الاستهدافات العسكرية للأصول المدنية أو العسكرية التي يسيطرون عليها، إلا أن شواهد عديدة كانت تدل على ذلك وعلى رأسها قبولهم بهدنة للتهدئة خلال زيارة ترمب لكل من المملكة العربية السعودية ودولة قطر ودولة الإمارات في الفترة 13–16 مايو من العام الماضي 2025، لتجنيب "الحوثيين" أنفسهم رد فعل أميركيًا أكثر عنفًا، خصوصًا أن ترمب كان بحاجة إلى إتمام تلك الزيارة لتحقيق مكاسب كبيرة. وقال ترمب حينها إن بينه وبين «الحوثيين» اتفاقًا، دون الإفصاح عن مزيد من التفاصيل، لكن لم يكن هذا الاتفاق معروفًا أو مكتوبًا أو موقعًا على بنوده.

إلا أن وزارة الخزانة الأميركية استمرت بعد ذلك في توسيع عقوباتها على الحوثيين لتشمل رجال أعمال وبنوكا وشركات صرافة جرى اتهامها بتسهيل الحركة المالية للجماعة بين المناطق الخاضعة لسيطرتها وفي الخارج مع كل جهة ترضخ لذات العقوبات في إيران والعراق ولبنان، وذلك أملا في تشديد الحصار على جماعة الحوثيين خصوصا بعد أن أدت الضربات الجوية للموانئ اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة إلى حرمانها من مصادر دخلها من الضرائب والرسوم الجمركية التي كانت تفرضها على الواردات والصادرات القادمة عبر تلك الموانئ.

زاد اهتمام الجانب الأميركي وحزمه عندما تحولت هجمات الحوثيين نحو طرق الملاحة البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب

جوهر الأمر أن التعامل عسكريا جوا ودون تدخل بري للقوات اليمنية مدعومة من جيوش صديقة، لا ينهي التحديات الأمنية التي شكلها وجود الحوثيين في منطقةٍ على مقربةٍ من مضيق باب المندب وبقية خطوط الملاحة البحرية في البحار المحيطة باليمن، وأنه من دون إيجاد حل للنزاع اليمني والمساعدة في استعادة الدولة اليمنية فلا يمكن أن يكون هناك بلد ضامن لأمن حدوده مع جيرانه وفي مياهه الإقليمية.

كان من الواضح خلال عام من تربع ترمب في المكتب البيضاوي بواشنطن أنه ربما يعتقد أن حل الصراع في اليمن يمكن أن يحدث تلقائيا، إما من خلال التوصل مع النظام الإيراني إلى صفقة تاريخية لتسوية الملفات الخلافية مع واشنطن، وإما في حال سقوط هذا النظام حربا في ضوء دعوة الرئيس الأميركي إلى تغيير النظام وإيجاد قيادة بديلة لإيران، ويبدو من غير الوارد أن ترمب في عجلة من أمره لحسم الوضع في اليمن خارج هذين الخيارين أو بمعزل عنهما.

عود على بدء

كان الرئيس الأميركي السابق جو بايدن الذي جاء بعد الولاية الأولى لترمب قد انتهج خطا معتدلا في التعامل مع الحوثيين، حيث قام بتخفيف التصنيف الإرهابي السابق للحوثيين من "منظمة إرهابية أجنبية" إلى "عالمية" باعتبار أن الفارق بين التصنيفين كبير، كما قرر تعيين مبعوثٍ خاصٍ إلى اليمن، وهو تيموثي ليندر كينغ، أملا في تشجيع الحوثيين على الدخول في مسار حلٍ سياسي للصراع في اليمن، لكن الأخير اكتشف أن الحوثيين لا يستطيعون التخلي عن أجندتهم المرتبطة بإيران سيما بعد أن امتلكوا قوة عسكرية هائلة وتمكنوا من تجنيد آلاف الشباب للقتال في صفوفهم.

جاءت مساعي إدارة بايدن في الأسابيع الأخيرة من ولايته الرئاسية ليعود ترمب إلى البيت الأبيض ويعيد الأمور إلى المربع الأول.

أ.ف.
أشخاص يتفقدون مبنى متضرر يُستخدم لتخزين ألواح الطاقة الشمسية بعد غارة جوية أميركية في محافظة صعدة شمال اليمن في 6 أبريل

صحيح أن تحرير الشعوب ليس التزاما ولا مهمة تقع على عاتق الولايات المتحدة، لكن الصحيح أيضا أن اليمن كان ضحية للتدخلات الإيرانية السافرة في شؤونه منذ أكثر من عشرين عاما مضت على بداية الخلاف بين طهران وواشنطن، حيث جعل الحوثيون من اليمن جبهة متقدمة في مواجهة الولايات المتحدة وظل شعارهم دائما "الموت لأميركا". وقد ازداد الأمر سوءا كلما تفاقم التوتر بين طهران وواشنطن، وذلك على نحو ما شهدناه في السنوات القليلة الماضية، سيما خلال حرب غزة. وكل ذلك يفترض أنه يلقي على الولايات المتحدة الأميركية بشيء من "المسؤولية الأخلاقية" للمساعدة في وضع حد لتدخلات إيران ودعمها اللامحدود لجماعة الحوثيين، وهو الدعم الذي تسبب في تعنت الجماعة وإطالة أمد النزاع في البلاد ثم امتداده إلى نزاع مع الإقليم ومن بعده إلى العالم بأسره.

صحيح أن تحرير الشعوب ليس التزاما ولا مهمة تقع على عاتق الولايات المتحدة، لكن الصحيح أيضا أن اليمن كان ضحية للتدخلات الإيرانية في شؤونه

لطالما عبرت إدارة ترمب عن دعمها لوحدة اليمن وسلامة أراضيه، ولديها تمثيل دبلوماسي مع حكومته الشرعية، ولا يلبث السفير الأميركي أن يلتقي كبار قادة هذه الحكومة، لكن إدارة ترمب، في نظر كثيرين، لم تترجم هذا الأمر في مسعى جاد لإنهاء الصراع الدائر في اليمن.

ومن المؤكد أن ترمب خلال السنة المقبلة من رئاسته سوف يستمر في سياساته "الحيادية" بشأن النزاع في اليمن، خصوصا مع تفاقم الاضطرابات والانقسامات داخل هذا البلد وترك الأمر برمته للجارة السعودية التي تقول بدورها إنها لن تقرر أي أمر نيابة عن اليمنيين أنفسهم.

‏في الواقع، إنه لم يكن هناك تغير أو اختلاف جوهري في سياسة ترمب تجاه اليمن سواء خلال أعوام ولايته الأولى أو أثناء السنة الأولى من ولايته الثانية، ولا نعلم على وجه اليقين إن كان سينتهج سياسة أكثر وضوحا وإيجابية خلال ما تبقى من سنوات رئاسته الثانية، إذ يرى البعض أهمية وضرورة ذلك بوصف الولايات المتحدة الأميركية هي القطب الأوحد في العالم، وتمتلك قوة رئيسة، عسكرية وسياسية واقتصادية، تمكنها من التأثير في مختلف القضايا والنزاعات الإقليمية والدولية بحكم مسؤوليتها كقوة أعظم في العالم، ويمكنها أن تقوم بدورٍ فاعل في ضبط الكثير من التوازنات وضمان استمرارها لا أن تنشغل فقط بجني المصالح الاقتصادية، وذلك باعتبار أن استقرار وسلام العالم هو في نهاية المطاف مصلحة استراتيجية لأمن ورخاء الولايات المتحدة أيضا.

font change

مقالات ذات صلة