في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بمراقبة مؤشرات البورصات وتقلبات العملات والأخبار السياسية الملتهبة، أطلق تقرير الأمم المتحدة الأخير صافرة إنذار تتجاوز في خطورتها أزمات المال التقليدية، إذ كشف عن دخول الكوكب مرحلة "الإفلاس المائي". لم يعد الأمر مجرد ندرة موسمية أو جفاف عابر، بل هو استنزاف منهجي لـ"رأس المال الطبيعي" الذي تراكم عبر آلاف السنين، لنجد أنفسنا أمام واقع مرير، فنحن نعيش بمستوى مائي يتجاوز إمكاناتنا الحقيقية، ونسحب من "مدخراتنا" الجوفية والجليدية ما لا تستطيع الطبيعة تعويضه.
التقرير الصادر عن معهد الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة، لا يتحدث عن تنبؤات مستقبلية لعام 2050، بل يرصد سجل خسائر وقعت بالفعل، من بحيرات كبرى فقدت نصف مخزونها، إلى أنهار فقدت طريقها نحو البحر، ومدن بدأت تغور في باطن الأرض نتيجة الفراغ الذي خلفه السحب المفرط للمياه. إن "إفلاس المياه" اليوم هو الحقيقة الصامتة التي تعيد تشكيل السياسة الدولية، وتحدد مصير الأمن الغذائي، وتضع كرامة مليارات البشر على المحك.
وقالت الأمم المتحدة إن العالم دخل رسميا مرحلة جديدة يمكن وصفها دون مبالغة بالإفلاس، مؤكدة ان الحديث لم يعد يدور عن نقص مؤقت، أو موجات جفاف عابرة، أو حتى أزمات حادة يمكن احتواؤها بإجراءات طارئة، بل عن واقع بنيوي جديد فقدت فيه أنظمة مائية كاملة قدرتها على التعافي.
ولا يأتي هذا الإعلان من فراغ، بل في لحظة تتقاطع فيها أزمات كبرى تشمل الاحترار العالمي، والتوسع الزراعي غير المستدام، والتلوث المتراكم، وإزالة الغابات، والضغط السكاني، وسوء الإدارة التاريخي للموارد الطبيعية.
ويقول التقرير إن كل هذه العوامل عملت معا، وعلى مدى عقود، لتدفع البشرية إلى استنزاف ما يمكن تسميته "رأس المال المائي" للكوكب. ولا يكتفي التقرير بإطلاق توصيف جديد، بل يدعو قادة العالم إلى مواجهة الواقع بصدق علمي، والتخلي عن الخطاب المريح الذي يوحي بأن الحلول السريعة لا تزال ممكنة في كل مكان.
على مدار سنوات، سيطر على الخطاب العالمي توصيف نقص المياه بوصفه "إجهادا مائيا" أو "أزمة مياه". هذه المصطلحات، كما يشير التقرير، تفترض ضمنيا أن المشكلة مؤقتة، وأن النظام قادر على الارتداد والعودة إلى وضعه السابق إذا ما توفرت إدارة أفضل أو هطلت أمطار كافية.



