تعديل "تقني" للدستور الجزائري... هل يستجيب لمطالب الأحزاب السياسية؟

رويترز
رويترز
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يحضر جلسة من جلسات منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي (SPIEF) في سانت بطرسبرغ، روسيا، 16 يونيو 2023.

تعديل "تقني" للدستور الجزائري... هل يستجيب لمطالب الأحزاب السياسية؟

حملت مسودة التعديل الدستوري "التقني" التي ينوي الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون طرحها للتصويت أمام غرفتي البرلمان رفقة مسودة تعديل القانون الانتخابي قبل خمسة أشهر من موعد الانتخابات النيابية المقرر موعدها قبل نهاية يونيو/حزيران المقبل، تدابير تهدف في مجملها إلى معالجة الغموض أو التعارض بين النصوص التي ظهرت عند التطبيق الفعلي، وخلت في المقابل من فكرة تمديد العهدة الرئاسية أو فتحها لأكثر من ولايتين مثلما ذهبت إليه بعض القراءات التي ربطت بين "التعديل" المرتقب و"الرغبة المفترضة" لتمديد العهدة الرئاسية لما بعد 2029.

ماذا يعني التعديل "التقني"؟

كان حديث الرئاسة في البداية عن "تعديل تقني" كفيلا بإثارة أكثر من علامة استفهام في عقول الباحثين والأكاديميين وحتى السياسيين، لا سيما وأن إدراج هذا المصطلح يعتبر سابقة في تاريخ الدساتير الجزائرية الحديثة وهي: دساتير 1963، 1976، 1989، و1996، ثم سلسلة التعديلات الدستورية التي أقرها الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة تباعا في 2002، 2008، 2016، وصولا إلى الدستور الحالي الذي أقر عام 2020 بعد الحراك الشعبي، فما المقصود بهذا التعبير؟ وهل مسَ بجوهر النظام السياسي؟

تقول رئيسة حزب "العدل والبيان" والعضوة السابقة في البرلمان الجزائري، نعيمة لغليمي صالحي، إن "المعنى الحقيقي للتعديل التقني ليس تغيير نظام الحكم ولا حتى إعادة رسم المشهد السياسي، بل هو تعديل محدود في الصياغة أو الإجراءات يهدف إلى مواءمة الدستور مع قوانين عضوية جديدة، أو سد فراغات قانونية ظهرت عند التطبيق أو إزالة تعارضات قد تعرقل العمل المؤسساتي وأخيرا حماية القوانين من الطعن بعدم الدستورية".

أبرز التعديلات التي لفتت أنظار خبراء القانون والسياسيين وفتحت الباب لنقاش مستفيض: إدراج حكم انتقالي يُستند إليه عند الحاجة بهدف سد الفراغ الدستوري وتوفير أساس التجديد النصفي لأعضاء مجلس الأمة

وبمفردات أبسط ومفهومة للجميع، تؤكد المتحدثة أن التعديل التقني للدستور هو "إصلاح في الآليات" لا "مساس بالثوابت" كما رجحته عدة قراءات وتحليلات سياسية أخرى، ووفقا لدستور أول نوفمبر/تشرين الثاني 2020، يمتلك الرئيس الجزائري الحق الحصري أو المشترك (حسب الحالة) في المبادرة بالتعديل الدستوري، حيث تنص المادة 219 منه صراحة على أن لرئيس الجمهورية حق المبادرة في اقتراح تعديلات دستورية وعرضها للاستفتاء أو تمريرها عبر البرلمان بغرفتيه.

أ ب
مجلس الأمة الجزائري منعقد في الجزائر العاصمة، الأربعاء 2 سبتمبر 2015.

ماذا يتضمن التعديل المرتقب؟

ولأنَ التغييرات المقترحة لن تؤثر على الجوانب الأساسية أو الثوابت القانونية (المواد الصماء)، فما هو مضمونها؟ وما مدى استجابتها لمطالب الشارع السياسي، وقدرتها على تعزيز الفاعلية في تنظيم الانتخابات وضمان توازن السلطات الثلاث؟

من أبرز التعديلات التي لفتت أنظار خبراء القانون والسياسيين وفتحت الباب لنقاش مستفيض: "إدراج حكم انتقالي يُستند إليه عند الحاجة بهدف سد الفراغ الدستوري وتوفير أساس التجديد النصفي لأعضاء مجلس الأمة (الغرفة الأولى للبرلمان الجزائري) المنتخبين أثناء مدة العضوية الأولى عقب السنة الثالثة تكريسا لمبدأ استمرارية مؤسسات الدولة وتجنب القطيعة"، إذ واجه الكثيرون صعوبة كبيرة في تفسيرها لأن الشَق الأول من الفقرة يتحدث عن "الفراغ الدستوري"، هذا اللفظ الذي يرتبط في الدستور بمنصب رئيس الجمهورية لا سيما في المادة 94 وما تبعها والتي تنص على أن "المحكمة الدستورية تجتمع وتثبت الشغور النهائي لرئاسة الجمهورية، على أن يتولى رئيس مجلس الأمة منصب رئيس الدولة لمدة أقصاها 90 يوما لتنظيم انتخابات جديدة وفي حال استحالة إجرائها يمكن تمديد هذا الأجل لمدة لا تتجاوز 90 يوما، بعد أخذ رأي المحكمة الدستورية". أما الشق الثاني فينص على "توفير  أساس التجديد النصفي لأعضاء مجلس الأمة"، وبناء على هذا الطرح يبرز سؤال جوهري هو: هل يتعلق الاقتراح بأعضاء مجلس الأمة أم بالمنصب الرئاسي؟ لاسيما وأن الجزائر واجهت سيناريو الفراغ الدستوري مع انتهاء ولاية الرئيس الانتقالي السابق عبد القادر بن صالح، حيث كان من المقرر بموجب الدستور أن يتولى بن صالح مهلة تنظيم الانتخابات الرئاسية في غضون يوليو/تموز، غير أن المجلس الدستوري ألغى العملية لعدم توفر مترشحين ومدد عهدة بن صالح إلى آجال غير محددة لتحضير شروط رئاسية جديدة وهي حالة غير واردة في الدستور الجزائري.

هذا التعديل المقترح قد لا يلقى قبولا وترحيبا من قبل الأحزاب السياسية التي تصر على تحييد الإدارة والمال السياسي ومنع كل أشكال التأثير غير المشروع على المسار الانتخابي

وسيشمل التعديل الدستوري المرتقب السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، التي أسند لها دستور 2020 مهام التحضير والتنظيم وتسيير العملية الانتخابية والإشراف عليها دون تحديد دورها الرقابي، وقصد سد الفراغ يقترح توسيع مهامها الرقابية وإسناد مهمة التحضير المادي واللوجستي لوزارة الداخلية.

وينوي الرئيس تبون العودة إلى ما كان معمولا به سابقا من خلال نقل سلطة الإشراف التقني واللوجستي للانتخابات إلى وزارة الداخلية، وهو مقترح مدرج ضمن التعديلات المبرمجة على قانون الانتخابات، ويشمل هذا النقل جوانب مختلفة مثل: تسجيل الناخبين والتصويت والفرز، وهو ما أعلن عنه في حوار تلفزيوني في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وقال آنداك: "نحن بصدد مراجعة تخصّ مهام السلطة الوطنية للانتخابات، وتنطوي على إعادة إسناد الترتيبات اللوجستية والتقنية للانتخابات إلى وزارة الداخلية، بحيث يجري التمييز بين مهام الإشراف لسلطة الانتخابات والتنظيم المادي للانتخابات". ومن المبررات والخلفيات التي ساقها: الصعوبات التي واجهتها سلطة الانتخابات في الاستحقاقات السابقة.

 أ ف ب
يمر الناس أمام لافتة انتخابية للرئيس الجزائري الحالي عبد المجيد تبون في وسط الجزائر العاصمة في 5 سبتمبر 2024.

ويمكن في هذا السياق استحضار الجدل الكبير الذي صاحب نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي نظمت بتاريخ 7 سبتمبر/أيلول 2024، حيث واجهت صعوبات كبيرة في جمع النتائج من مختلف الولايات، وقد انتقد ممثلو المرشحين الثلاثة حينها "ضبابية وتناقض وغموض وتضارب الأرقام" التي تم تسجيلها، وهو ما دفع المحكمة الدستورية لإجراء تصحيحات كبيرة في النتائج وحساب أصوات الناخبين لضمان صحتها.

لكنّ هناك أمرا يستحق التأمل والتفكير وهو أن هذا التعديل المقترح قد لا يلقى قبولا وترحيبا من قبل الأحزاب السياسية التي تصر على تحييد الإدارة والمال السياسي ومنع كل أشكال التأثير غير المشروع على المسار الانتخابي، وتبدي خوفها وقلقها من العودة إلى ممارسات كانت سائدة قبل عام 2019، ويبرز هذا في مقترحات الأحزاب السياسية الجزائرية على غرار حركة مجتمع السلم (حزب إسلامي جزائري) التي تلح على ضرورة تمكين السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات من صلاحيات دائمة تمتد من استدعاء الهيئة الناخبة إلى إعلان النتائج مع تعزيز استقلالها المالي والإداري وإعادة تشكيلها على أساس إشراك ممثلي المرشحين والأحزاب في جميع مراحل العملية الانتخابية، وتشدد أيضا على التزامها بالشفافية التامة في قبول ملفات الترشح وعدم تورطها في إسقاط المرشحين أو قطع الطريق عليهم دون وجه حق أو تشويههم دون دليل أو حكم قضائي، إضافة إلى تمكين الأحزاب والمرشحين من الحصول على المعطيات والبيانات المتعلقة بالعملية الانتخابية، وأخيرا نشر محاضر الفرز كاملة قبل الإعلان النهائي عن النتائج.

مصطلح "التقني" يشير بوضوح إلى نية الرئاسة في سلك المسار الذي تحدده المادة السالفة الذكر، فالتعديلات لا تمس بالمواد الصماء المقيدة في المادة 223

وبحسب المقترح الجديد، سيصبح المؤهل الجامعي شرطا أساسيا لكل من يرغب في الترشح لمنصب رئيس الجمهورية، وقد فسر هذا التعديل بأهمية المنصب وما يتطلبه من قدرة على استيعاب القضايا المعقدة، حيث تهدف الخطوة إلى ضمان جودة القيادة السياسية، ولا يعتبر هذا التعديل الوحيد المطروح، إذ تقترح المسودة الجديدة تمديد مدة عهدة رئيس مجلس الأمة إلى ست سنوات بدل ثلاث وهذا من أجل الحفاظ على استمرارية الخبرة داخل الهيئة التشريعية.

المسار الإجرائي المتوقع

يضبط الدستور الجزائري وهو القانون الأسمى للبلاد مسارين اثنين للتعديل المرتقب: الأول وهو الاستفتاء الشعبي والذي يعتبر آلية ديمقراطية مباشرة يصوت فيها الناخبون إما بالقبول وإما بالرفض، أو عن طريق غرفتي البرلمان، وبما أن التعديل وصف بـ"التقني" فالمرجح حسب خبراء دستوريين أن تمرر التعديلات الدستورية المتعلقة بالعملية الانتخابية عبر غرفتي البرلمان وفقا للمادة 221 للدستور والتي تنص على ما يلي: "إذا ارتأت المحكمة الدستورية أن مشروع أي تعديل دستوري لا يمس البتة بالمبادئ العامة التي تحكم المجتمع الجزائري وحقوق الإنسان والمواطن وحريتهما ولا يمس بأي كيفية التوازنات الأساسية للسلطات والمؤسسات الدستورية، وعللت رأيها، أمكنت رئيس الجمهورية أن يصدر القانون الذي يتضمن التعديل الدستوري مباشرة دون أن يعرضه على الاستفتاء الشعبي، متى أحرز ثلاثة أرباع أصوات أعضاء غرفتي البرلمان".

ومنه، فمصطلح "التقني" يشير بوضوح إلى نية الرئاسة في سلك المسار الذي تحدده المادة السالفة الذكر، فالتعديلات لا تمس بالمواد الصماء المقيدة في المادة 223 وهي: الطابع الجمهوري للدولة، النظام الديمقراطي القائم على التعددية الحزبية، الطابع الاجتماعي للدولة، الإسلام باعتباره دين الدولة، اللغة العربية باعتبارها اللغة الوطنية والرسمية، تمازيغيت كلغة وطنية ورسمية، الحريات الأساسية وحقوق الإنسان والمواطن، سلامة التراب الوطني ووحدته، العلم الوطني والنشيد الوطني باعتبارهما من رموز ثورة نوفمبر/تشرين الثاني 1954، وأخيرا عدم جواز تولي أكثر من عهدتين رئاسيتين متتاليتين أو منفصلتين ومدة كل عهدة 5 سنوات.

font change