نادر رنتيسي لـ"المجلة": القصة القصيرة حي هادئ أقطنه بعيدا من الأضواء

من الذاكرة إلى اليومي الرقمي

نادر رنتيسي

نادر رنتيسي لـ"المجلة": القصة القصيرة حي هادئ أقطنه بعيدا من الأضواء

بين كتاب يعيد تركيب الطفولة الفلسطينية المجروحة، ومجموعة قصصية جديدة تنصت إلى ارتباك الإنسان المعاصر داخل بيته وهاتفه، يتحرك مشروع نادر رنتيسي السردي بوصفه كتابة في التحولات، أكثر منه كتابة في الذكريات وحدها. في كتابه "بنصف الفم الملآن– شبه سيرة"، كتب رنتيسي الجسد بوصفه أرشيفا للألم والمنفى، وكتب العائلة باعتبارها مرآة لتاريخ كامل من الفقد والاقتلاع. أما في مجموعته القصصية الجديدة، فينقل عدسته إلى اليومي المعيش، إلى العلاقات الزوجية الهشة، وإلى العزلة التي تصنعها الشاشات، وإلى الإنسان الذي ينام محاطا بالآخرين داخل هاتفه، فيما يتآكل صوته الحقيقي.

يأتي هذا الحوار بالتزامن مع قرب صدور مجموعته القصصية الجديدة، ليضيء الخيط الخفي الذي يربط بين النصين، بين النقص الجسدي ونقص المعنى، بين المنفى الجغرافي والمنفى الرقمي، وبين بيت كان يهدد بالحرب، وبيت معاصر يهدد بالوحدة.

نصوص مجموعتك القصصية الجديدة تميل إلى اليومي المعيش، بينما في كتابك "بنصف الفم الملآن– شبه سيرة" انشغلت بالذاكرة والمنفى. كيف ترى هذا الانتقال من الذاكرة الجمعية والفردية إلى اليومي المعاصر والرقمي؟

كان انتقالا جبريا بالطبع، ففي "بنصف الفم الملآن" أفرغت كل ما في سيرة طفل وعائلة وبلاد، إذ أثقلت السرد بالتفاصيل القريبة والمحاذية، مع خط زمني متصاعد عبر ثلاثين عاما من عمر الفتى وبلاده والعناوين المؤقتة التي أقام فيها. أردته شريطا سينمائيا مكثفا لم يكتف ببطل واحد أو حبكة واحدة. فمن خلال الفم الناقص لصاحب الشفة الأرنبية، رويت حروب العراق في الثمانينات والتسعينات، واستكملت فصول النكبة الفلسطينية، وكانت قصة الأب والأم وزواجهما وما بعده من خيانات ودراما مثقلة بالتعاسة، حتى يحدث الغزو، فتنتقل وطفلها بأمراض الجسد وندبات الروح في الرحلة القسرية من الكويت إلى الأردن.

في القصص الأخيرة، هناك اشتغال واضح على الوحدة التي نتجت من العصر الرقمي، وعلى الاكتفاء بالحب عبر القلوب الحمراء والشفاه الرقمية

وإذا أردت أن ترى خيطا فاصلا بين الكتابين، فهو ذاته الوقت الذي انتهت عنده أحداث "بنصف الفم الملآن" بعد الغزو الأميركي للعراق، وانطفاء الانتفاضة الفلسطينية الثانية، في الأعوام الأولى من الألفية الجديدة التي صار فيها الطفل شابا يئس من حل معضلة فمه، فيسخر ويتجرأ ويغني لأول مرة بصوته الأخنف! وفي ذلك الوقت كان في يده أول هاتف محمول، وهو بلا شك أداة الانتقال إلى اليومي والمعاصر الرقمي الذي كرسته أولا في كتاب "أنت تحذف نصف عمرك" (بيروت 2012)، ثم المجموعة القصصية التي تصدر قريبا.

SVEN NACKSTRAND / AFP
شبان فلسطينيون يرشقون الحجارة خلال الانتفاضة الأولى في غزة، 1987

ملامح التجربة

نقرأ في قصص مثل "على الشاطئ... فوق الجبل" أو "ملعقة وأشياء ثمينة"، اشتغالا واضحا على التوتر بين الواقع الافتراضي والواقع المادي. إلى أي مدى ترى هذه الثيمة امتدادا لما كتبته عن النقصان الجسدي واللغة المبتورة في كتابك "بنصف الفم الملآن"؟

ربما يكون الامتداد في أن هناك دائما حياة موازية، ففي الثمانينات والتسعينات، أي قبل العصر الرقمي، كانت الحياة الموازية في ما نتخيل ولا نملك، وما نتوقعه ولا يحدث. أما في الألفية الجديدة، فأصبح هناك باعتقادي حياة واحدة، افتراضيا وماديا، مجزأة ومجتزأة إلى صور ومقاطع فيديو وعبارات قصيرة تزعم الحكمة والكمال، وآراء غاضبة مستعدة للعراك مع أي اختلاف حتى لو كان لغويا.

في القصص الأخيرة، هناك اشتغال واضح على الوحدة التي نتجت من العصر الرقمي، وعلى الاكتفاء بالحب عبر القلوب الحمراء والشفاه الرقمية، وكيف تنام وكل الناس حولك في الهاتف على سريرك، بينما لا تضطر لاستعمال صوتك سوى للسعال.

هنا أيضا نقصان، لكنه ليس في الجسد كما في "بنصف الفم الملآن"، إنما في الحياة التي تظنها مكتملة... إلا من الإنسان.

في هذه المجموعة يبدو حضور العلاقات الإنسانية المتوترة– الزوجية أو العابرة– هو المحور الأبرز، هل هذا التحول خيار يعي النظر في معنى "البيت" والعائلة؟

في "بنصف الفم الملآن" أيضا كان هناك زوج "عابث" في فترة ما، وعلاقة زوجية متوترة في بداياتها، غير أن الانتقال في المجموعة القصصية جاء من الذاتي إلى العام، ومن التجربة الفردية إلى التجارب المتعددة في المنافي الأخرى بعد الكويت.

كثيرا ما ربطت بين وضعي "المختلف" ونطقي الشائه، وسمعي الذي فقدت نصفه في الكويت، مع "ظروف فلسطين الخاصة"

ما يحدث في "البيت" هو ذاته ما يحدث في "البيوت"، ولا أزعم أمانة كاملة في النقل، فقد أسندت كثيرا من التفاصيل والحكايات إلى الخيال، الذي قدم هذه النماذج "الواقعية" بأمانة منقوصة.

هل هناك خيط موضوعي أو جمالي يجمع قصص المجموعة الجديدة، أم أنها نصوص متفرقة توحدها الروح فقط؟

في الموضوعي هناك خطان، الأول ينهل من المنفى وقصصه من حنين ووحدة ونقصان و"طحن وظيفي" وعلاقات رقمية، والثاني يعود إلى أحياء بيروت وعمان وشوارعهما وفنادقهما في قصص تنشغل بالوجود والعلاقات داخل "مؤسسة" الزواج وخارجها والعقاب.

FETHI BELAID / AFP
الشاعر الفلسطيني محمود درويش خلال أيام قرطاج المسرحية في تونس، 2007

جماليا، هناك حضور للسينما في أكثر من قصة، سواء عبر الأفلام أو الشخوص أو التقنيات، إضافة إلى تنويع مقصود في مدارس السرد، بحيث يصعب العثور في المجموعة على قصتين مكتوبتين بالأسلوب نفسه.

النقص كاستعارة فلسطينية

عنوان كتابك "بنصف الفم الملآن" يحمل مفارقة بين النقص والامتلاء، هل قصدت أن يتحول العطب الجسدي إلى استعارة للوجود الفلسطيني الممزق؟

حتى في طفولتي وأول ما تعلمت الكتابة، أذكر أني كتبت على دفتر المدرسة ما معناه أني "ناقص مثل فلسطين". وكثيرا ما ربطت بين وضعي "المختلف" ونطقي الشائه، وسمعي الذي فقدت نصفه في الكويت، مع "ظروف فلسطين الخاصة"، ثم أضفت فلسطينتي لاحقا إلى قائمة النقصان.

أما الجزء الممتلئ في العنوان والسيرة، فأحيله إلى عبارة الشاعر الأكبر، محمود درويش، "فاحمل بلادك أنى ذهبت، وكن نرجسيا إذا لزم الأمر".

الكتاب يستعيد طفولتك في الكويت وتجربة العائلة في الانتقال إلى الأردن بعد حرب الخليج، كيف استطعت أن توازن بين الخاص والعام في السرد؟

لأني كما قلت لك في سؤال سابق، لا يمكن أي أداة مهما كانت حدتها أن تستطيع الفصل بين ما هو عام وخاص، خصوصا في أجواء اجتماعية "دافئة" مثل تلك التي كانت سائدة في الكويت في سبعينات وثمانينات القرن الماضي. ثم كانت حرب عام 1990 التي أدخلت "العام" إلى كل بيت في تلك المنطقة، وبعدها جاءت الهجرة الفلسطينية الجديدة إلى الأردن. "العام" أيضا كان موجودا في كل أحاديث أبي، الصحافي الشيوعي الذي انخرط بشكل مباشر في الدفاع عن الكويت ضد الغزو.

الكتابة لا تعوض شيئا، ولا أميل لتحميلها فوق طاقتها، فهي أحيانا وظيفة للكسب "المحدود"، وغالبا ما تكون موهبة لدى المشرد في مخيم

في الكتاب كانت عائلة فقيرة، لكنها لم تكن مقطوعة من شجرة، فقد كان لها امتدادها الاجتماعي والوطني، وأب يجعل يحكي سياسة حتى مائدة الطعام التي كانت من ورق الصحف وما فيها من قضايا عامة!

حضور الأب في الكتاب جاء مثقلا بالخيبات والأيديولوجيا، فيما الأم بدت أكثر ثباتا. هل كان ذلك اختيارا سرديا واعيا أم انعكاسا طبيعيا للذاكرة؟

أبدا. كنت أمينا في نقل صورتيهما. أبي لم يتعلم، وظلت هذه العقدة مرافقة له 54 عاما هي كل سنوات عمره القصير. عمل في وظائف متواضعة قبل أن يجتهد على نفسه ويتعلم الكتابة ثم الصحافة في ما كانت تسمى "الدراسة المسائية"، وصار حزبيا، وصحافيا حزبيا في غالب مسيرته المهنية، لكنه بقي فقيرا، يتأسف على كل الفرص العملية التي ذهبت بسبب مستواه الدراسي البسيط.

غلاف كتاب "بنصف الفم الملآن"

أمي لا تزال ثابتة، وقد وضعت أبي والعائلة على رأسها وعبرت بنا الشط، وما كان لخمسة أطفال ومراهقين بعد وفاة الأب المبكرة أن يكونوا، لولا ثباتها.

في تجربتك الأخيرة كان الجسد مركزا للسرد، أما الآن فأنت تعود إلى القصة القصيرة. ما الذي يجذبك في هذا الجنس الأدبي تحديدا؟

الآن تحديدا، ما يجذبني في القصة القصيرة هو أنها مثل حي هادئ، قليل السكان، فقد غادر على مدى ثلاثة عقود كثير من كتابها إلى "أحياء" الرواية "الراقية والشهيرة".

فأنت الآن تكتب القصة دون لهاث وراء الجوائز وقوائم الأكثر مبيعا، أو سعيا للوقوف تحت أضواء الصالات ومعارض الكتب. تكتب أيضا متخففا من أهواء المتلقي "وما يريده القراء". تكتب قصة لأن قطة دخلت منزلك، وليس من الضروري أن تقتل القطة لتصبح القصة رواية!

القصة القصيرة كملاذ

هل ترى أن القصة القصيرة تمنحك مساحة لتجريب أشكال جديدة في اللغة، مقارنة بكتابة السيرة؟

ما من كتابة إلا وتمنحك هذه المساحة. لا أعتقد أن هناك شكلا أدبيا لا يمكن إخضاعه لكل أشكال التجريب في اللغة والبناء والسرد، وغير ذلك. وربما لاحظت أني لم أكتب السيرة لا بمحتواها الصادم كما فعل الكاتب المغربي الكبير محمد شكري في "الخبز الحافي"، ولا في ما هو معتاد من كتب سيرية غالبا ما تكون لشخصيات سياسية أو عامة، وتكون "عامرة" بالحكم والقصص "ذات العبرة".

لم يعد هناك محمود درويش ليجلس على قمة الشعر أربعين عاما، أو نجيب محفوظ لتكون الرواية ملحقة باسمه ستين عاما

 لقد جربت في "بنصف الفم الملآن"، ولست متأكدا من النتيجة، لكن كان إجماع من الآراء المباشرة التي وصلتني بأن ثمة متعة كبيرة في القراءة، ولم تفقد "السيرة" عنصر التشويق في كل فصولها، وهو ما جعلها أقرب إلى فن القصص وأجواء الرواية.

الشتات والذاكرة

هل تعتقد أن الكتابة يمكن أن تعوض ما يتركه الشتات من فجوات في الذاكرة والانتماء؟

عموما، الكتابة لا تعوض شيئا، ولا أميل لتحميلها فوق طاقتها، فهي أحيانا وظيفة للكسب "المحدود"، وغالبا ما تكون موهبة لدى المشرد في مخيم، مثلما تكون لدى إنكليزي يسكن في محطة "ماريليبون". أما بالنسبة لي، فقد كانت الكتابة تعويضا عن الصوت الأخنف والشائه، وهذا يكفيني!

UNRWA ARCHIVES / AFP
مخيم البقعة للاجئين الفلسطينيين شمال عمّان، 1970

إلى أي مدى تعتبر أن الأدب الفلسطيني اليوم قادر على تجديد لغته ورواية حكايته من دون الوقوع في التكرار؟

الفلسطيني رغم حظه السيء بفلسطينيته، إلا أنه ككاتب ربما يكون "محظوظا" بقضية لا تكف عن التطور "السلبي" والحروب المتنوعة من البنادق والبنادق الفاسدة إلى الحجارة والعبوات البدائية، حتى القتال بالجسد.

ثمانية عقود لم تعرف القضية الفلسطينية سياسيا أيضا معنى "الثبات"، فلا هي فقط خيمة وبندقية، ولا ملف على خصر المفاوض، بل لا يمكن حصرها حتى في جغرافيا واحدة مهما كانت ممتدة، ففي آخر الأرض هناك لاعبو كرة القدم في نادي "بالستينو" بتشيلي، أنت ملزم بالكتابة عنهم.

ما الدور الذي تتمنى أن تؤديه أعمالك في المشهد الأدبي العربي والفلسطيني تحديدا؟

المشهد مزدحم كما ترى، وأنا قصير، فقط مائة وسبعة وستون سنتيمترا. والمشهد أيضا سريع، لم يعد هناك محمود درويش ليجلس على قمة الشعر أربعين عاما، أو نجيب محفوظ لتكون الرواية ملحقة باسمه ستين عاما وأزيد.

ما أتمناه سابقا وحاليا، أن أجد رسالة كل شهر، لا أكثر، في بريدي تمدح بكتاب أو كتابة لي. أما لاحقا، ولاحقا أكثر، فقد قلت مرة ما ينطبق على هذه الحال "لست قلقا أين سأكون في المشهد التالي، فقد صفق الجمهور وانتهى الأمر".

font change