على ضفّتي البحر الأحمر، لا تجري ثلاث أزمات منفصلة في السودان والصومال واليمن، بل أزمة واحدة تتخذ ثلاث هيئات. جوهرها ليس الحرب بحد ذاتها، بل غياب الدولة وتحوّل الجغرافيا الحساسة إلى فراغ سيادي مفتوح لكل أشكال العبث. وما لم يُسمَّ هذا الخطر باسمه الحقيقي، سيظل الإقليم يدور في حلقة إنكار، بينما تتآكل أسس الاستقرار من باب المندب إلى قناة السويس.
البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر ملاحي عالمي، بل صار مرآة لانهيار الدولة على ضفتيه. حين تسقط الدولة أو تتشظى، لا يعود البحر حدا طبيعيا يحمي السيادة، بل يتحول إلى أداة ضغط، وورقة ابتزاز، وساحة اقتصاد أسود. ما نشهده اليوم ليس صدفة جغرافية، بل نتيجة سياسية مباشرة: سواحل طويلة بلا سلطة مركزية، وسلاح بلا احتكار، واقتصاد حرب يتغذى على الفوضى ويعيش عليها.
اليمن
في اليمن، أصبح البحر جزءا من الصراع، لا هامشا له. باب المندب، أحد أهم شرايين التجارة العالمية، تحوّل إلى رهينة نزاع داخلي وتشظٍ سياسي يسمح لقوى الأمر الواقع بالتعامل مع الممرات البحرية كأدوات ابتزاز وتهديد لا كمسؤولية وطنية. وما حاول عيدروس الزبيدي رئيس "المجلس الانتقالي الجنوبي" السابق، فعله في جنوب اليمن وسّع إطار الأزمة حيث لم تعد المشكلة في الصواريخ أو الزوارق فقط، بل في انهيار فكرة الدولة التي تجعل من حماية الملاحة التزاما سياديا لا خيارا سياسيا واستدامة المعاناة لملايين الناس.
لا يمكن قراءة المواجهة التي خاضتها الشرعية وقوات "درع الوطن" ضد "المجلس الانتقالي الجنوبي" بمعزل عن هذا السياق. سرعة الحسم، من المجلس الرئاسي والتحالف، كان مؤشرا لاصطفاف جديد يدفع باتجاه توحيد البندقية ضد الميليشيات وإمدادها.


