نقاش في العسكرة... وفي نقدها ومعاييرها

تفضي إلى إخضاع الشعب

نقاش في العسكرة... وفي نقدها ومعاييرها

استمع إلى المقال دقيقة

الحديث عن العسكرة أوسع من الحديث عن الكفاح المسلح، أو المقاومة بالسلاح. فهو الذي يعبّر عن معضلات وإحباطات التجارب العربية المختلفة وضمنها الفلسطينية، ويتمثّلها. إذ إن ذلك يشمل تقديس هذا الشكل الكفاحي، ووضعه خارج المساءلة والنقد والجدوى السياسية. كما يتضمن حصر النضال من أجل الحقوق الوطنية به، بدل اعتباره أحد أشكال النضال.

الأهم أن العسكرة تفضي إلى إخضاع الشعب، وامتثاله لحمَلَة السلاح. وبالأحرى لقادتهم، بوصفهم "مخلصين"، والنأي بهم عن النقد والمساءلة كأنهم معصومون، والقبول بعسكرة المجتمع والفضاء العام، ما يفقد الحركات السياسية حيويتها وقدرتها على التطور، وهذا ما يكشف مراوغة وتلاعب وقصور خطاب ادعاء لوم الضحية، إذ الشعب هو الضحية، وكذلك خطاب استهداف المقاومة، في حين أن النقد يطال خيارات معينة وقيادات معينة.

أيضا، في التفاصيل، فإن العسكرة أولا تحيل على الاعتماد تماما في الإمكانيات على الخارج، بما فيه من شبهات، بدلا من الاعتماد على إمكانيات الشعب الذاتية.

ثانيا، هي تثير إيحاءات بقوة مضافة، أو تبث روح المبالغة في القوة الذاتية، بحيث تدفع إلى رفع مستويات الصراع فوق قدرة الشعب على التحمّل، وضمن ذلك الحرب كجيش لجيش، أو بالضربة القاضية مثلا.

ثالثا، تخرج العسكرة معظم الشعب من إطار الصراع، الذي بات يقتصر على الجماعات المسلحة.

رابعا، على هذا النحو تختفي كل أشكال الكفاح الشعبية بإمكانيات الشعب، ويطغى الصراع المسلح وفق إمكانيات الخارج، وتاليا بأجندته غير البريئة.

خامسا، ينجم عن العسكرة الارتهان للخارج نظرا إلى الحاجة الى إمدادات دائمة بالسلاح والذخيرة وإلى تدفقات مالية وتسهيلات لوجستية، من أكثر من دولة، ما يجعل تلك الجماعات أسيرة ارتهانها لعدة دول بحيث تغدو ذات توظيفات متعددة على حساب مصالح شعبها وسلامة مساره الكفاحي.

سادسا، العسكرة تسهّل للطرف المعادي استخدام أقصى ما في ترسانته العسكرية، فهي المربع الذي يتفوق فيه، ويغطي عبره على سياساته وانتهاجه العنف.

لا ينبغي أن يستنتج من نقد التجربة العسكرية الفلسطينية، وضمنها نقد الجانب المتعلق بخيار المقاومة المسلحة، أن خيار التسوية أو المفاوضة هو الخيار الأسلم

سابعا، تفضي العسكرة إلى انعكاسات سلبية على الشعب ذاته وحركته السياسية، إذ تصبح الجماعات المسلحة بمثابة سلطة تسيطر على مناطق نفوذها بالقوة، كما يصبح العنف بمثابة وسيلة حل المنازعات والمنافسات بين القوى السياسية ذاتها.

ثامنا، الحالة الوحيدة التي قد ينجح بها انتهاج العنف الثوري، هي حالة تفكّك الجيش، أي تلك اللحظة التي ينبغي ويمكن فيها شل قدرة الطرف الآخر على استخدام السلاح. غير ذلك كل نسخ العسكرة والعمل المسلح أودت إلى الكوارث. 

طبعا لا حاجة للحديث عن التجربة الفيتنامية، فتلك قصة أخرى وظرف آخر (تماما كما الجزائرية)، إذ لا توجد تجارب أخرى ناجحة لا في أفريقيا ولا في آسيا ولا أميركا اللاتينية، بالعكس التجارب الناجحة هي في الهند وجنوب أفريقيا ومناهضة العنصرية في الولايات المتحدة، وإسقاط الدكتاتوريات في أميركا اللاتينية، ويأتي ضمن ذلك التجربة الإيرانية في إنهاء نظام الشاه، وهذا هو المسكوت عنه في البديهيات المؤسسة لإدراكاتنا السياسية مع الأسف، سيما في ظل السياسة القائمة على الشعارات والعواطف والرغبات.

بعد كل هذا الحديث ثمة ثلاث مسائل يفترض توضيحها هنا، لعدم الالتباس. فأولا، يفترض النظر إلى نقد العسكرة، كأمر طبيعي، باعتبارها فعلا سياسيا لقوى سياسية قد تخطئ وقد تصيب، في خياراتها السياسية والعسكرية.

ثانيا، من حق أي شعب، يعاني من الظلم والاضطهاد والاحتلال، انتهاج المقاومة، بكل الوسائل المتاحة، بما فيها الكفاح المسلح، إذا كان ممكنا له الاستثمار في ذلك لاستعادة حقوقه، ووفقا لحسابات سياسية سنأتي على ذكرها لاحقا.

ثالثا، لا ينبغي أن يستنتج من نقد التجربة العسكرية الفلسطينية، وضمنها نقد الجانب المتعلق بخيار المقاومة المسلحة، أن خيار التسوية أو المفاوضة هو الخيار الأسلم، أو إنه الخيار الوحيد لاستعادة حقوق الشعب الفلسطيني في أي مستوى كان. وفي الواقع فقد أثبتت التجربة إخفاق الخيارات التي انتهجتها الفصائل الفلسطينية، سواء كانت في المقاومة أو في التسوية، في الكفاح المسلح أو في الكفاح السياسي، في الانتفاضة أو في المفاوضة، في بناء السلطة أو في بناء المنظمة، وهذا يعود إلى عوامل ذاتية تتعلق بطبيعة الإدارة والقيادة، وتشتت الشعب الفلسطيني، وضعف إمكانياته، كما تنبع من عوامل خارجية ناجمة عن اختلال موازين القوى والمعطيات الدولية والإقليمية والعربية لصالح إسرائيل.

المقاومة بأي شكل يفترض أن تصب في إطار تعزيز صمود الفلسطينيين في أرضهم، وليس زعزعة صمودهم فيها

ربما يجدر بنا هنا الإشارة إلى أن الفلسطينيين، بحسب أماكن وجودهم، انتهجوا عدة خيارات كفاحية، فثمة خيار المقاومة السياسية لفلسطينيي 48، من أجل الديمقراطية والمساواة، وإنهاء الاحتلال، أما الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع فقد انتهج (قبل إقامة السلطة) المقاومة على شكل موجات انتفاضية، في حين تمثلت تجربة فلسطينيي اللجوء في الخارج، بقيادة الفصائل، بالكفاح المسلح، وطغت عليها العسكرة، إذ إنها تطبعت أو تأثرت بالمحيط السياسي الذي تشتغل فيه، والذي رسم حدودا لها ولعملها في إطار توظيفات معينة.

واضح مما تقدم أن ثقل الحركة الوطنية الفلسطينية في الخارج، وعلاقاتها العربية والدولية، هي التي حسمت بحكم ثقلها أشكال الكفاح الفلسطينية، وفق الكفاح المسلح أي العسكرة، على النحو الذي شهدناه في مرحلة العمل الفلسطيني في الخارج (1965-1982)، على حساب الشكلين الآخرين، ولا أحد يعرف كيف كان واقع الحركة الوطنية الفلسطينية، وحال الشعب الفلسطيني، لو تغلب أي من الشكلين الآخرين، أو لو كان ثمة نوع من تكامل بين الأشكال الثلاثة، أو لو تم انتهاج المقاومة المسلحة وفق أسس مدروسة وملائمة.

ما يفترض وضعه على رأس الاعتبارات، بخصوص المقاومة المسلحة، أو أي خيار كفاحي آخر، الانتباه إلى المعايير الآتية: أولا، أن المقاومة المسلحة تؤدي إلى استنزاف العدو، لا أن تسهل له استنزاف الشعب، وللأسف فقد حصل عكس ذلك، في التجربة الفلسطينية من الأردن إلى لبنان إلى الأرض المحتلة، ومؤخرا في عملية "طوفان الأقصى" التي استغلتها إسرائيل لشن حرب إبادة ضد الشعب الفلسطيني في غزة.

ثانيا، إن المقاومة بأي شكل يفترض أن تصب في إطار تعزيز صمود الفلسطينيين في أرضهم، وليس زعزعة صمودهم فيها.

ثالثا، أي مقاومة يفترض أن تأخذ في اعتبارها استثمار المعاناة والتضحيات والبطولات في إنجازات سياسية، بما يعنيه من ربط الاستراتيجية الكفاحية بالاستراتيجية السياسية، وإلا ستصبح مقاومة من أجل المقاومة، أي لأسباب ليس لها علاقة بمصلحة الشعب.

font change