على الرغم من المساعي الدولية المتواصلة منذ عقود للحد من التسلح النووي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، لا تزال الأسلحة النووية تحتل موقعا رئيسا في معادلات القوى العالمية. بحلول عام 2026، يقدر امتلاك تسع دول نحو 12,300 رأس نووي، وهو رقم يقل كثيرا عن ذروة الحرب الباردة، لكنه يظل مرتفعا على نحو يثير القلق وينطوي على أخطار جسيمة.
يخضع ميزان القوى النووية العالمي لسيطرة عدد قليل من الدول الكبرى، إذ تستحوذ الولايات المتحدة وروسيا معا على نحو 86 في المئة من الرؤوس الحربية النووية الإجمالية في العالم، ونحو 83 في المئة من تلك القابلة للاستخدام العسكري. ويقدر عدد الرؤوس الحربية ضمن المخزونات العسكرية النشطة بنحو 9,600 رأس، ينتشر منها نحو 3,900 على الصواريخ والطائرات والسفن والغواصات. ولا يزال نحو 2,100 رأس حربي في حالة تأهب قصوى، جاهزا للإطلاق خلال دقائق. وعلى الرغم من الانخفاض التدريجي في المخزونات الإجمالية، فإن وتيرة هذا التراجع تشهد تباطؤا ملحوظا، إذ تعتمد إلى حد شبه كامل على تفكيك الرؤوس الحربية الأميركية والروسية المتقاعدة، لا على التزامات جديدة وجدية بنزع السلاح النووي.
في الوقت نفسه، تشهد بعض الدول زيادة في عدد الرؤوس الحربية العاملة، حيث توسع كل من الصين والهند وباكستان وكوريا الشمالية والمملكة المتحدة، وربما روسيا، ترساناتها، بينما تحافظ كل من فرنسا وإسرائيل على ثبات مخزوناتهما. ويأتي هذا التوسع بالتزامن مع ارتفاع ملحوظ في الإنفاق العالمي على الأسلحة النووية، إذ تجاوز 100 مليار دولار في عام 2024، بزيادة قدرها 11 في المئة خلال عام واحد، ما يعكس الاعتماد المتجدد على استراتيجية الردع النووي.
يأتي هذا التحول في وقتٍ انتهت فيه معاهدة "ستارت الجديدة"، آخر اتفاقية رئيسة للحد من القوات النووية الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا، مما عطل آليات الشفافية والتحقق والقيود العددية عن أكبر ترسانتين نوويتين في العالم.
في هذا السياق، بات البرنامج النووي الإيراني أحد أبرز بؤر التوتر على الساحة الدولية. فإيران، الموقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، تؤكد أنها لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي. غير أن طهران راكمت في المقابل نحو 440 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة، وهو مستوى يختصر بصورة كبيرة الزمن اللازم لإنتاج سلاح نووي.
والنتيجة هي مشهد نووي أكثر هشاشة واضطرابا: قواعد أقل، وإنفاق أعلى، وتوسع في الترسانات، وتصاعد التوتر الإقليمي، ما يضع صدقية عدم الانتشار النووي العالمي على المحك.