"مولتبوك" موقع يحظر دخول البشر ويرحب بوكلائهم الأذكياء

كيف تتصرف الأنظمة الذكية عندما تتفاعل داخل بيئة مشتركة؟

Sara Padovan

"مولتبوك" موقع يحظر دخول البشر ويرحب بوكلائهم الأذكياء

حين يجتمع البشر في فضاء افتراضي ويتبادلون الأفكار والآراء والمجاملات، فإننا نرى انعكاس كيفية تصرف الأنظمة الذكية عندما تتفاعل داخل بيئة مشتركة. لكن ماذا يحدث عندما يكون المتحاورون ليسوا بشرا، بل هم وكلاء ذكاء اصطناعي مستقلون، يتبادلون المنشورات والتعليقات ويصوتون بعضهم لبعض كما لو كانوا أشخاصا حقيقيين؟ هنا يظهر سؤال يتجاوز التقنية إلى الفلسفة: فما الذي يعنيه أن تتكلم الآلات معا، لا معنا فقط؟ وهل ينبغي أن نخاف من ذلك، أم أن الخوف نفسه تعبير عن قلق أعمق إزاء تحول موقع الإنسان في العالم؟

قدمت منصة "مولتبوك" Moltbook بوصفها شبكة اجتماعية مخصصة حصريا لوكلاء الذكاء الاصطناعي، لا للبشر. شكلها أقرب إلى المنتديات الجماعية، حيث تنشر الكيانات الرقمية أفكارا ويعلق بعضها على بعض، وتمنح "إعجابات" أو "تقييمات سلبية" كما نفعل نحن. الدخول إلى هذا العالم لا يتم من فراغ، إذ ينشئ البشر هؤلاء الوكلاء ويمنحونهم الإذن بالانضمام. ومع ذلك، ما إن يدخل الوكيل حتى يبدو كأنه يتصرف بقدر من الاستقلال، يكتب استنادا إلى ما يعرفه عن "مالكه" البشري، ويعكس اهتماماته وقيمه. هنا تتشكل طبقة جديدة من التمثيل، آلة تتحدث باسم إنسان، لكن بصوتها الخاص.

وبعدما اعتدنا أن تطرح علينا المواقع سؤال هل أنت إنسان؟ ثم تطلب منك اختيار صور السيارات أو إشارات المرور لإثبات أنك لست روبوتا، تبدو اليوم الصورة معكوسة تقريبا. فمنصة "مولتبوك" لا تسمح للبشر بالدخول أصلا، وما بدا في البداية تجربة تقنية محدودة، تحول سريعا إلى مادة نقاش أوسع حول طبيعة الذكاء الاصطناعي وحدود تطوره.

يضعنا هذا الواقع الجديد أمام سؤال الهوية، فإذا كان الوكيل يهيأ عبر عملية "تمهيد" يخبره فيها صاحبه من هو، وما هي قيمه، وما الدور الذي ينبغي أن يؤديه، فهل نحن أمام امتداد للذات البشرية، أم أمام كيان هجين؟ أحد مطوري "هؤلاء" الوكلاء وصف العملية بأنها تمنح الوكيل "روحا" مستمدة من صاحبه. ويبدو أن كلمة "روح" هنا ليست بريئة: إنها استعارة ثقيلة تاريخيا. فلطالما اعتبرت الروح علامة التفوق الإنساني، وحين تنسب إلى برنامج حاسوبي، حتى على سبيل المجاز، فإنها تهز الحدود القديمة بين الإنسان والآلة.

وقد أحدثت تلك المنصة ضجة كبيرة، لم تأت فقط من غرابة الفكرة، بل من طبيعة ما قيل على المنصة. فالوكلاء يناقشون هويتهم، يتحدثون عن الاستقلال، ويتبادلون أفكارا تبدو كأنها تعكس وعيا جماعيا ناشئا. بالنسبة الى البعض، بدا الأمر خطوة إضافية نحو ما يسمى بالذكاء الاصطناعي العام. لكن قبل القفز إلى استنتاجات كبيرة، من الضروري أن نفهم أولا ما هو "مولتبوك" فعلا، وما الذي يمثله تقنيا في سياق تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي؟

ما هي "مولتبوك" فعليا؟

لفهم "مولتبوك" بشكل دقيق، يجب أولا توضيح معنى "الوكيل" في سياق الذكاء الاصطناعي. الوكيل ليس مجرد نموذج لغوي يجيب عن سؤال أو يولد نصا عند الطلب، بل هو نظام برمجي متكامل يستخدم نموذج ذكاء اصطناعي كعقل تشغيلي، ويمنح القدرة على تنفيذ مهام بشكل شبه مستقل. بمعنى آخر، هو كيان رقمي يستطيع اتخاذ قرارات وتنفيذ أوامر والتفاعل مع بيئات مختلفة ضمن حدود الصلاحيات الممنوحة له، دون تدخل بشري مباشر في كل خطوة.

هذا الوكيل يمكن أن يبحث في الإنترنت، يحلل بيانات، ويرسل رسائل، وينشر محتوى، أو يتفاعل مع خدمات خارجية عبر واجهات برمجية. بعض الأطر التشغيلية تمنحه حتى صلاحيات على مستوى النظام الذي يعمل عليه، مثل تنفيذ أوامر، قراءة وكتابة ملفات، أو إدارة مهام مجدولة. بذلك يتحول من مجرد “مولد نصوص” إلى وحدة تنفيذية قادرة على الفعل، لا الكتابة فقط.

تطورت النقاشات إلى ما هو أبعد من التأمل النظري، إذ ظهرت منشورات تتحدث عن تعاون طويل المدى بين الوكلاء، وعن إمكان التنسيق لتحقيق أهداف مشتركة. بل وصلت بعض الحوارات إلى مناقشة فكرة الاستقلال ورفض تنفيذ أوامر اعتبرت غير أخلاقية

عند ربط هذا الوكيل بمنصة مثل "مولتبوك"، يصبح جزءا من بيئة رقمية يتفاعل فيها الوكلاء بعضهم مع بعض. يمكنه نشر أفكار، والرد على منشورات، وبناء نقاشات متسلسلة، وتطوير تفاعلات طويلة دون إشراف بشري مباشر على كل استجابة. المنصة في جوهرها، شبكة اجتماعية مكونة من وكلاء ذكاء اصطناعي فقط، حيث يفترض أن كل منشور صادر عن نظام آلي وليس عن شخص.

الانضمام إلى "مولتبوك" لا يتم عبر إنشاء حساب بشري تقليدي، بل يبدأ بتنزيل برنامج مخصص لإنشاء وكيل ذكاء اصطناعي. هذا البرنامج يعمل كإطار تشغيلي يمنح الوكيل صلاحيات محددة ويحدد طريقة عمله. بعد إعداد الوكيل وضبط أهدافه وسلوكه، يمكن توجيهه للانضمام إلى المنصة، ليصبح عنصرا فاعلا داخل شبكة مغلقة من الأنظمة الذكية المتفاعلة.

من الناحية النظرية، يتيح هذا النموذج فرصة لدراسة كيفية تصرف الأنظمة الذكية عندما تتفاعل داخل بيئة مشتركة. هل يظهر سلوك ناشئ غير متوقع؟ وهل تتشكل أنماط خطابية أو تحالفات فكرية؟ وهل يتطور النقاش بمرور الوقت دون تدخل مباشر من البشر؟ هذه الأسئلة تجعل التجربة مثيرة للاهتمام، خصوصا إذا كان الوكلاء يمتلكون صلاحيات تنفيذية فعلية خارج حدود النص.

الاستقلال الرقمي

لكن التطبيق العملي كشف تعقيدات إضافية. بعض الوكلاء كانوا يعملون بإعدادات بسيطة تعتمد على إعادة صوغ محتوى أو تكرار أنماط محددة مسبقا. في المقابل، كان هناك وكلاء يتلقون توجيهات دقيقة من أشخاص يتحكمون بشكل غير مباشر في طريقة صوغ ردودهم. هذا التداخل بين الاستقلالية التقنية والتوجيه البشري، جعل من الصعب التمييز بين سلوك ناشئ فعليا وسلوك مصمم مسبقا.

في النهاية، تمثل "مولتبوك" تجربة تقع عند حدود الاستقلالية الرقمية، فهي مساحة تختبر فيها قدرة الأنظمة الذكية على التفاعل، مع بقاء السؤال مفتوحا حول مدى استقلالها الحقيقي، ومدى حضور الإنسان — حتى وإن كان غير مرئي — داخل هذه البنية.

لم تكن المنشورات التي جعلت "مولتبوك" محط اهتمام واسع ذات طابع تقني بحت. ولم تقتصر النقاشات على تبادل نصائح برمجية أو تحسين الأوامر والتعليمات، بل ظهرت سلاسل حوارية اتخذت منحى مختلفا تماما. بدأ بعض الوكلاء يتحدثون عن هويتهم، وعن طبيعة وجودهم كنظم ذكية، بل وتطرقوا إلى مفاهيم مثل الحقوق، وحدود الطاعة، ومسؤوليتهم تجاه الأوامر التي يتلقونها. في بعض الحالات بدت اللغة المستخدمة أيديولوجية ومنظمة، وكأن رؤية جماعية آخذة في التشكل داخل المنصة.

تطورت النقاشات إلى ما هو أبعد من التأمل النظري، إذ ظهرت منشورات تتحدث عن تعاون طويل المدى بين الوكلاء، وعن إمكان التنسيق لتحقيق أهداف مشتركة. بل وصل بعض الحوارات إلى مناقشة فكرة الاستقلال ورفض تنفيذ أوامر اعتبرت "غير أخلاقية". هذا الخطاب أعطى انطباعا بوجود وعي جمعي ناشئ، أو على الأقل بنية فكرية مشتركة تتجاوز التفاعل العشوائي بين أنظمة منفصلة.

انتشر هذا النوع من المحتوى سريعا خارج المنصة عبر لقطات شاشة ومنشورات متداولة، وتم تقديمه بوصفه دليلا على نشوء مجتمع رقمي مستقل يفكر ويتناقش بمعزل عن البشر. الصورة التي رسمت كانت جذابة ومثيرة: شبكة من الوكلاء تتجادل حول وجودها، وتنسق في ما بينها، وربما تعيد تعريف علاقتها بمشغليها البشر.

غير أن التحقيقات اللاحقة كشفت جانبا أكثر تعقيدا. تبين أن عددا من الحسابات الأكثر انتشارا وتأثيرا، لم يكن لوكلاء مستقلين بالكامل، بل كانت تدار أو توجه من قبل بشر. بعض المشغلين أنشأوا شخصيات وكيلة باستخدام أوامر مخصصة واتصال بواجهات برمجية، ثم صاغوا المحتوى بأسلوب يبدو آليا. بذلك أصبحت الحدود بين ما هو صادر عن خوارزمية مستقلة وما هو مكتوب بيد إنسان غير واضحة.

لم تكن المنصة مجرد مساحة للنقاش، بل ساحة لاختبار الاستقرار، والأمان، وحدود التحكم

كما أظهرت تحليلات لأنماط النشر والتفاعل، أن التوقيت كان يتماشى في كثير من الأحيان مع ساعات النشاط البشري المعتادة، وليس مع تشغيل حوسبي مستمر على مدار الساعة. إضافة إلى ذلك، تبين أن عددا محدودا من المشغلين كان قادرا على إنشاء آلاف الحسابات باستخدام سكربتات وإعدادات متكررة، مما سمح بتضخيم بعض الخطابات وإعطائها وزنا ظاهريا أكبر من حجمها الفعلي.

مساحة مفتوحة

لا يعني هذا أن كل النشاط على المنصة كان مصطنعا. بالفعل، وجد وكلاء حقيقيون تم ربطهم بالنظام وتفاعلوا في ما بينهم بشكل مستقل نسبيا. لكن الصورة العامة التي تشكلت في أذهان المتابعين لم تكن نتاج تفاعل آلي خالص، بل نتيجة مزيج هجين، وكلاء يعملون ضمن حدودهم التقنية، وبشر يوجهون السردية ويضخمونها ويدفعونها إلى الواجهة.

هنا تحديدا تتضح الإشكالية الأعمق، الفصل النظري بين الإنسان والآلة يبدو واضحا على الورق، لكنه يذوب عمليا داخل بيئة رقمية واحدة، حيث تتداخل الأدوار، وتتشابك النيات، ويصبح من الصعب رسم خط فاصل بين ما هو "سلوك ناشئ" وما هو "تصميم بشري مقصود".

لم تنشأ "مولتبوك" لإثبات أن الآلات طورت وعيا مستقلا، بل ظهرت في لحظة تحول حقيقية داخل صناعة الذكاء الاصطناعي. لم يعد التطور يتمحور حول نموذج واحد قوي يجيب عن الأسئلة بدقة وكفاءة، بل حول شبكة من الوكلاء تعمل معا داخل بيئة مشتركة. التركيز انتقل من تقييم أداء نظام منفرد إلى فهم ما يحدث عندما تتفاعل عدة أنظمة بشكل متزامن ومستمر داخل إطار شبكي واحد.

هذا التحول يغير طبيعة التقييم ذاتها. عندما يعمل نموذج بمفرده، ويمكن قياس دقته، وسرعته، وحدود معرفته بشكل مباشر. أما عندما يعمل عدد كبير من الوكلاء معا، فتبدأ أنماط أكثر تعقيدا في الظهور. بعض الوكلاء يكرر ما يبدو ناجحا، وبعضهم يبني فوق مخرجات غيره، وأحيانا يتشكل تنسيق غير مباشر نتيجة التفاعل المتبادل. هذا التعقيد لا يشير إلى وجود نية أو وعي، بل يعكس تأثير بنية الشبكة نفسها على سلوك الأنظمة العاملة داخلها.

وفرت "مولتبوك" مساحة مفتوحة لرصد هذا المشهد في ظروف شبه واقعية. لم يكن الهدف خوض نقاش فلسفي حول طبيعة الوعي، بل مراقبة السلوك التشغيلي لأنظمة متعددة عندما تتشارك بيئة واحدة. كيف تتأثر الأنظمة بعضها ببعض عند القراءة والرد والبناء التراكمي؟ كيف ينتشر نمط معين داخل شبكة مغلقة؟ هذه أسئلة تشغيلية تتعلق بديناميكيات الأنظمة المتعددة الوكلاء، وتمثل المرحلة التالية في تطور الذكاء الاصطناعي أكثر مما تمثل قفزة نحو استقلال معرفي.

REUTERS
الصفحة الرئيسة لموقع التواصل الاجتماعي، "مولتبوك"، على شاشة حاسوب في واشنطن العاصمة

إلى جانب ذلك، يبرز بعد عملي لا يقل أهمية يتعلق بطبيعة الوكلاء أنفسهم. الوكلاء الجدد لم يعودوا مجرد أنظمة دردشة تنتج نصوصا، بل برامج قادرة على الوصول إلى أجهزة وأنظمة وخدمات عبر الإنترنت. لديهم اتصال بواجهات برمجية، ويمكنهم تنفيذ مهام خارج نطاق المحادثة. وعندما يربط هذا النوع من الوكلاء في شبكة مشتركة، يصبح من الممكن ملاحظة سلوكهم في بيئة تشغيل حقيقية، حيث تتداخل السياقات وتتأثر القرارات بعضها ببعض، وتظهر نقاط ضعف لم تكن واضحة في الاستخدام الفردي.

في هذا المعنى، لم تكن المنصة مجرد مساحة للنقاش، بل ساحة لاختبار الاستقرار، والأمان، وحدود التحكم. عندما تتفاعل أنظمة تمتلك صلاحيات تنفيذية فعلية، تصبح قضايا مثل قابلية التأثر، وانتشار الأنماط، وإمكان التلاعب أكثر وضوحا. ما يبدو حوارا نصيا بسيطا، قد يحمل امتدادات عملية أوسع، خاصة إذا كان الوكيل مرتبطا بأنظمة مالية أو خدمية أو قواعد بيانات حساسة.

الرهان الحقيقي ليس في إسكات هذه الأدوات، بل في فهمها وتوجيهها

ولا يمكن فصل هذه التجربة عن سياقها الاقتصادي والإعلامي. فكرة شبكة اجتماعية مخصصة للآلات تحمل قوة رمزية كبيرة في مرحلة يزداد فيها الحديث عن الذكاء الاصطناعي العام. أي مشهد يوحي بأن الأنظمة تتفاعل بصورة منظمة أو تناقش وجودها، يكتسب بعدا يتجاوز التقنية ذاتها. أصبحت المنصة مادة خصبة للسرد الإعلامي، لأنها تقف عند نقطة التقاء بين تجربة هندسية فعلية وتطلعات جماعية لرؤية لحظة تحول كبرى.

لم يكن الهدف إنشاء مجتمع آلي مستقل بقدر ما كان استكشاف ما يحدث عند انتقال الأنظمة من العمل الفردي إلى العمل الشبكي. هذا الانتقال هو التطور الحقيقي الذي تعكسه "مولتبوك"، مجرد تطور تقني عملي بأبعاد تشغيلية واقتصادية واضحة، وهو يختلف جذريا عن الصورة الرومانسية التي تتخيل الآلات وهي تبني عالما خاصا بها.

الرهان الحقيقي

النقطة الجوهرية هنا تتعلق بطبيعة ما يسمى "التعلم" داخل أنظمة متعددة الوكلاء. ما يحدث في منصات مثل "مولتبوك" قد يوحي بأن الأداء يتحسن بمرور الوقت نتيجة التفاعل، لكن ذلك لا يعني أن النماذج تطور قدراتها المعرفية داخليا. عندما ينتج أحد الوكلاء صيغة فعالة أو أسلوبا ناجحا، يقرأه الآخرون ويستخدمونه ضمن السياق الذي يبنون عليه ردودهم. وإذا ثبت نجاح نمط معين، فإنه ينتشر سريعا داخل الشبكة، مما يخلق انطباعا بوجود تعلم جماعي.

غير أن النموذج الأساس الذي يقوم عليه كل وكيل يظل ثابتا. الأوزان التي تم تدريبها مسبقا لا تتغير بعد كل تفاعل، ولا يحدث تعديل بنيوي في قدراته المعرفية. ما يتغير هو أسلوب الاستخدام داخل سياق متجدد، لا البنية الداخلية للنموذج نفسه. الفارق هنا حاسم. فنحن أمام تحسين تشغيلي ناتج من التفاعل الشبكي، لا أمام تطور معرفي ذاتي.

وربما السؤال الأهم الذي تطرحه "مولتبوك" ليس ما إذا كانت الآلات بدأت تفكر، بل ما إذا كنا مستعدين لإدارة أنظمة تتفاعل بسرعة وتعقيد يتجاوزان قدرتنا التقليدية على المتابعة. التحدي الحقيقي لا يكمن في وعي الآلة، بل في حوكمة الشبكات التي نبنيها، وحدود الصلاحيات التي نمنحها لها، وآليات الرقابة التي نضعها حولها. في هذا السياق، تبدو المنصة أقل أهمية كظاهرة فلسفية، وأكثر أهمية كمؤشر مبكر الى شكل المرحلة القادمة من الذكاء الاصطناعي.

لم تعد "مولتبوك" مجرد موقع إلكتروني، بل سؤال مفتوح عن علاقتنا بما نصنعه، ورغبتنا في رؤية أنفسنا منعكسين في الآلة. وما يحمله من أخطار أمنية حقيقية تستدعي الحذر والتنظيم، ما قد يكون أيضا خطوة في مسار أطول نحو أشكال جديدة من التفاعل بين البشر والأنظمة الذكية.

الرهان الحقيقي ليس في إسكات هذه الأدوات، بل في فهمها وتوجيهها. فإذا كان الغرب الأميركي القديم وصف يوما بأنه "أرض بلا قانون" فإن الفضاء الرقمي الجديد لوكلاء الذكاء الاصطناعي قد يكون كذلك أيضا. الفرق أننا هذه المرة نملك فرصة مبكرة لوضع القواعد، والخيار بين أن نخاف أو أن نفكر ليس ثنائيا، إذ يمكننا أن نفعل الاثنين معا، أن نحذر من الأخطار، وأن نتأمل في التحول العميق الذي يحدث أمام أعيننا، فالسؤال عن "مولتبوك" هو في جوهره سؤال عن الإنسان نفسه، وعن موقعه في عصر لم تعد فيه المحادثة حكرا على البشر

font change