في عمّان، لم يكن ملف الضفة الغربية يُقرأ بوصفه خبرا من خارج الحدود، بل كملف يقترب من قلب الدولة نفسها. فكل خطوة إسرائيلية على الأرض هناك، تُقرأ في الأردن كإشارة مبكرة إلى تغير أعمق في قواعد الإقليم، لا يتعلق بالفلسطينيين وحدهم، بل بتوازنات شرق المتوسط كلها. الضفة بالنسبة لعمان ليست جغرافيا أخرى، بل جدار الأمان الأول، وإذا اهتز هذا الجدار، لن يكون السؤال عن فلسطين فقط، بل عن استقرار الأردن نفسه.
مع تصاعد الحديث الإسرائيلي عن ضم تدريجي، وإعادة صياغة الوضع القانوني للأرض، وتراجع قدرة السلطة الفلسطينية على الإمساك بالمشهد، عاد القلق الأردني القديم بثقل أكبر، ليس لأن عمان تفاجأت، بل لأنها ترى أن ما كان يُدار في الظل لعقود، يقترب اليوم من لحظة الإعلان الصريح، وفي هذه اللحظة، يصبح السؤال في دوائر القرار أكثر قسوة: ما السيناريو الذي يجب الاستعداد له، الفوضى أم التهجير؟
المحلل الاستراتيجي الدكتور عامر السبايلة يميل إلى أن الفوضى هي الأخطر، فالأردن- برأيه- يعرف كيف يدير ضغوطا ديموغرافية تراكمت عبر عقود، لكنه سيواجه تحديا مختلفا تماما إذا تحولت الضفة إلى مساحة سائبة، تتنازعها مجموعات مسلحة ومراكز نفوذ محلية، بلا سلطة قادرة على الضبط، وفي هذه الحالة، لا تعود الحدود مجرد خطوط على الخريطة، بل تتحول إلى نقاط تماس مفتوحة، يدخل منها السلاح، والتهريب، والخوف، ومعها خطاب سياسي متوتر قد يضغط الداخل الأردني قبل أن يصل أي لاجئ جديد.
ويضيف السبايلة أن ما يجعل هذا السيناريو أكثر واقعية هو تغير في التفكير الإسرائيلي نفسه، ففي الماضي كان الاستقرار الحدودي شرطا إسرائيليا أساسيا، أما اليوم، فهناك استعداد أكبر للتعايش مع اضطراب طويل إذا كان الثمن تثبيت السيطرة، هذه النقلة في العقيدة الإسرائيلية ليست تفصيلا تقنيا، بل تحول في فلسفة إدارة الصراع، ويعني فيما يعنيه أن نقل العبء إلى الجوار لم يعد فكرة مستبعدة، بل نتيجة محتملة لسياسة تراكم الوقائع.
