أحوال سوريا تغير المزاج السياسي لـ"سُنة العراق"

حالة الترحيب بالرئيس السوري أحمد الشرع على المستوى الإقليمي والدولي قد تغير التوازنات الإقليمية، وهو ما قد ينعكس على التوازن السياسي الداخلي في العراق

أ.ف.ب
أ.ف.ب
الحدود العراقية السورية، غرب العراق، في 23 يناير 2026

أحوال سوريا تغير المزاج السياسي لـ"سُنة العراق"

بينما كانت القوى السياسية السُنية العراقية قد أنجزت استحقاقاً سياسياً استثنائياً في أوائل العام الحالي، بعد أن اتفقت بهدوء في ما بينها على مرشح مشترك لمنصب رئيس البرلمان، هيبت الحلبوسي، وانتخبته، وتوافقت بشكل غير مُعلن على توزيع "حصة السُنة" ضمن الحكومة الاتحادية الجديدة المزمع تشكيلها. وكان تحولان أساسيان يحدثان، سيؤثران طويلاً على خيارات وتموضع القوى السياسية السُنية ضمن المشهد العراقي دفعاها لمزيد من الحسابات، فـ"قواعد اللعبة" ستتغير تماماً، حسب هذين التحولين.

إذ تنازل رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، وزعيم الكتلة البرلمانية الأكبر ضمن تحالف "الإطار التنسيقي" (الشيعي) عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء لصالح رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، ولهذا الأخير موقع "سلبي" في الذاكرة السياسية السُنية العراقية، إذ يتهمه السنة بتوسيع سياسات "القمع" التي تعرضت لها القواعد الاجتماعية في المناطق السُنية العراقية خلال سنوات حكمه (2006-2014)، تحت يافطة "مناهضة الإرهاب"، والتسبب في سيطرة تنظيم "داعش" الإرهابي على أغلب المناطق السُنية غرب العراق.

الحدث الآخر تمثل في سيطرة الجيش والفصائل المقربة من السلطة السورية الجديدة على أغلب المناطق التي كانت تحت هيمنة "قوات سوريا الديمقراطية" (الكردية)، تحديدا محافظتي الحسكة ودير الزور على الحدود مع العراق. الحدث السوري كسر التوازن الذي كان الكثير من القوى العراقية "الشيعية" تعتمد عليه، بين السلطة الجديدة و"قوات سوريا الديمقراطية". وعزز من نفوذ وقدرة السلطة السورية ذات الخلفية والأيديولوجيا "الإسلامية السُنية"، وأوحى بزيادة وشائجها السياسية والأمنية مع الولايات المتحدة، خصوصاً أن الأخيرة قد سلمت قاعدتي "التنف" و"الشدادي" العسكريتين على حدود العراق لهذه السلطة، وبهذا نما إحساس "الثقة بالنفس" في أوساط القوى السياسية السُنية العراقية.

الجمهور السُني العراقي الأوسع، متخوف من أي انجرار للسلطة نحو الصراعات الداخلية على أساس الهوية، خصوصاً المذهبية والطائفية

مراقبو المشهد العراقي قالوا إن إعلان رئيس حزب "تقدم" وزعيم أكبر كتلة برلمانية "سُنية" محمد الحلبوسي اعتراضه على ترشح المالكي لمنصب رئيس الوزراء شكّل مؤشراً على زيادة قدرات ونفوذ "القوى السُنية" في العراق، وتطلع بعضها إلى مزيد من التوازن في شراكتها مع نظيراتها "الشيعية". فالحلبوسي وتياره السياسي كانا على علاقات سياسية وثيقة جداً مع المالكي وكتلته البرلمانية "دولة القانون"، وبسبب تلك العلاقة تمكن الحلبوسي من فرض مرشحيه لمنصب رئيس البرلمان خلال آخر دورتين: الأسبق محمود المشهداني، والحالي هيبت الحلبوسي. لكن التبدلات سمحت للحلبوسي بأخذ مسافة من المالكي، وحتى الوقوف في موقع الضد.

أ.ف.ب
قيس الخزعلي، زعيم "عصائب أهل الحق"، يقف إلى جانب رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي بعد الإدلاء بصوتيهما في مركز اقتراع ببغداد في 11 نوفمبر 2025 خلال الانتخابات البرلمانية العراقية

تفاصيل المناخ السُني

في حوار مطول مع "المجلة"، يشرح الكاتب والباحث العراقي جبار المشهداني الوقائع الراهنة ضمن الأوساط السياسية السُنية العراقية، ويفكك المستشار السابق لرئيس البرلمان العراقي آليات تفكير وحسابات القادة السياسيين السُنة في العراق، مضيفا: "المفارقة الأساسية ضمن الأوساط السنية العراقية، تفاعلاً مع المجريات السورية، تكمن في آلية قراءة ووعي الجمهور الأوسع في هذه الأوساط لتلك الأحداث. فهذا الجمهور مرتاب تماماً من أي تنظيم أو أيديولوجيا ذات مرجعية سياسية إسلامية، حتى لو كانت سُنية الخطاب، بدلالة عدم حصول الحزب الإسلامي العراقي (السُني) على أية مقاعد برلمانية خلال الدورات الانتخابية الثلاث. لكن نفس القواعد الاجتماعية هذه، تشعر بأن وجود دولة مجاورة للعراق، ذات حمولة وفضاء رمزي وخيارات سياسية تعتمد على الإسلام السياسي السُني، قد يكون سنداً سياسياً وامتداداً حمائياً لهم، شيء يشبه علاقة بعض القواعد الاجتماعية الشيعية العراقية تجاه إيران. لكن الجمهور السُني العراقي الأوسع، وإن كان يعتبر سقوط نظام الأسد وبروز قوة سياسية ذات مرجعية إسلامية سُنية (انتصاراً) لهم، لكنهم متخوفون تماماً من أي انجرار لهذه السلطة نحو الصراعات الداخلية على أساس الهوية، خصوصاً المذهبية والطائفية، لأن ذلك سيتبعه ارتفاع شديد لمنسوب الصراعات وأشكال الاستقطاب الطائفي، وسيفيض على عموم المنطقة، وتالياً سيكون له تأثير سلبي ومقلق على الهدوء العام الذي يسود أحوالهم". 

خلال الأسبوعين الماضيين، نقلت الكثير من وسائل الإعلام العراقية حالة القلق السائدة ضمن الأوساط السياسية العراقية "الشيعية"

يتابع المشهداني حديثه مفصلاً اختلاف الخيارات ضمن الأوساط السياسية السُنية العراقية راهناً، حسب التحولات الحالية، قائلاً: "من حيث العلاقات وأشكال التواصل المباشر، تعرف الأوساط السياسية العراقية أن (كتلة سيادة) بزعامة خميس الخنجر هي الجهة الوحيدة التي تتواصل مع النظام السياسي الجديد في سوريا. وتواصلها مبني على معرفة توافقية مع باقي الجهات العراقية غالباً. أما مسعى زعيم حزب (تقدم) محمد الحلبوسي لمناكفة المالكي، وغالباً مجموع النواة الصلبة للشيعية السياسية في العراق، فإنه متأت من تشكيلة من الوقائع التي يشعر الحلبوسي بأنها تخلق شبكة حماية له، يُشكل المشهد السوري واحداً من عناصرها ليس أكثر. فمجموع علاقات الحلبوسي الإقليمية، ومعها تواصله غير المعلن مع جهات ضمن المحفل السياسي الشيعي نفسه، واستحواذه خلال دورتين برلمانيتين متتاليتين على أكبر كتلة برلمانية سُنية، بالإضافة إلى التحولات الإقليمية وأولها وعلى رأسها وأكثرها تأثيراً ما جرى ويجري في سوريا، تدفعه للشعور بمزيد من الحصانة، وتالياً الاستحواذ على مكانة (الزعيم السُني)، والدفاع عن ذلك الموقع بكل ما أُوتي من أدوات، بما في ذلك مزاحمة (زعامات) الجماعات الأهلية العراقية الأخرى".

أ.ف.ب
صورة دعائية لرئيس البرلمان العراقي السابق محمد الحلبوسي، خلال الانتخابات البرلمانية العراقية، بغداد في 14 نوفمبر 2023

ويرى الباحث والكاتب جبار المشهداني أن أنواع التمايز الراهنة بين القوى السُنية العراقية قد لا تكون مطابقة لما يحدث في المسار السوري، ويضيف مفصلاً: "بعد سنوات من الصراع السياسي الداخلي، تتوزع الزعامات السياسية السُنية العراقية راهناً على ثلاثة مستويات. إذ إن هناك القوى التي تنسق تنظيماتها السياسية بناء على مرجعية عائلية ومناطقية، مثلما يفعل آل النُجيفي في مدينة الموصل. وهناك الزعامات المعتمدة على كتلة من الرأسمال المالي الفعال، كما هي زعامة خميس الخنجر، وثمة تيار ثالث يمثله كل من محمد الحلبوسي ومثنى السامرائي، وهؤلاء يعتبرون أنفسهم جيلاً سياسياً مدنياً ناهضاً، مستجيباً لتطلعات الأجيال السُنية العراقية الأصغر عمراً والأكثر تطلعاً خارج الاستقطاب الأيديولوجي. لكن كل ذلك لم يلغِ مخاوف الأطراف الشيعية العراقية، المقربة من إيران تحديداً، فهذه الأخيرة ستكون حذرة خلال الفترات القادمة من تسليم أي منصب أمني حساس لتيار سياسي سُني".

من المشاركة إلى الشراكة

خلال الأسبوعين الماضيين، نقلت الكثير من وسائل الإعلام العراقية حالة القلق السائدة ضمن إعلان رئيس حزب "تقدم" وزعيم أكبر كتلة برلمانية "سُنية" محمد الحلبوسي اعتراضه على ترشح المالكي لمنصب رئيس الوزراء شكّل مؤشراً على زيادة قدرات ونفوذ "القوى السُنية" في العراق. فبعد لقاءات متتالية عقدها رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني ورئيس الوزراء مسرور بارزاني مع الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني، قيل إن بغداد مارست ضغوطاً مالية وقانونية على الإقليم لإيقاف هذا المسار، وإن كان الإقليم يُدخل مساعيه في سياق سعيه لخلق مساحة مشتركة بين السلطة الجديدة و"قوات سوريا الديمقراطية" (الكردية)، بغية منع حدوث صِدام شعبي ميداني واسع بخلفية عرقية قرب حدوده. 

على الرغم من نفي العراق وجود أية توترات سياسية مع النظام السياسي الجديد في سوريا، فإنها الدولة الإقليمية الوحيدة التي لم تقم بمبادرات سياسية واضحة تجاه سوريا

 يقول المراقبون إن حالة الترحيب بالرئيس السوري أحمد الشرع على المستوى الإقليمي والدولي، خصوصاً من قِبل الولايات المتحدة، وإصرار الأخيرة على إنجاح مشروعه في حُكم سوريا رغم العثرات الكثيرة التي اعترضته، مترافقة مع ترجيح كفة الصِدام العسكري بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأوقات المنظورة، قد يُغير تماماً من التوازنات الإقليمية، وهو ما قد ينعكس على التوازن السياسي الداخلي في العراق نفسه. حيث تقوم المعادلة على أن تكون النواة الصلبة للحكم وجوهر السلطة بيد أطراف "الشيعية السياسية"، مقابل حصة مناطقية لإقليم كردستان، ومشاركة ما للقوى "السُنية" في بُنى ومؤسسات السلطة. لكن الأخيرة تطالب مؤخراً، وبشكل معلن، التحول من آلية المشاركة "الشكلية والمضبوطة" إلى الشراكة الفعلية، بالذات تفاصيل وآلية تحييد الرؤية الاستراتيجية للعراق ضمن المشهد الإقليمي.

أ.ب
قوات الأمن العراقية تقتاد مقاتلي تنظيم "داعش" لاستجوابهم، بعد نقلهم من سوريا إلى العراق، في سجن الكرخ المركزي ببغداد، العراق، 12 فبراير 2026

المشهد الحالي يُعيد للأذهان ما كان حاصلاً طوال عقد الثمانينات بين البلدين، اللذين وإن كانا محكومين من حزب "البعث" نفسه، إلا أن النظام السياسي في كل واحد منهما كان يُعادي الآخر، بناء على عداء شخصي بين الرئيسين حافظ الأسد وصدام حسين، لكن أيضاً حسب حساسيات طائفية وخطابات أيديولوجية وخيارات سياسية إقليمية ودولية متباينة تماماً. لكن المثير وقتئذ، كان الارتباط النفسي والأيديولوجي لبعض الجماعات الأهلية في كلا البلدين مع النظام السياسي للبلد الآخر. فنظام الأسد كان يدعم القوى السياسية الكردية والشيعية العراقية، ويرعى كفاحها المسلح ضد النظام العراقي. هذا الأخير كان يدعم حركة "الإخوان المسلمين" السورية، ويمدها بالمال والسلاح، وكان له نفوذ واسع ضمن الأوساط العشائرية السورية، خصوصاً المستقرة بالقرب من الحدود العراقية.  

على الرغم من نفي العراق وجود أية توترات سياسية مع النظام السياسي الجديد في سوريا، فإنها الدولة الإقليمية الوحيدة التي لم تقم بمبادرات سياسية واضحة تجاه سوريا، واقتصرت أواصر التواصل معها على رئيس جهاز الاستخبارات. كما أن الكثير من القادة السياسيين العراقيين، بمن فيهم المرشح الحالي لمنصب رئاسة الوزراء نوري المالكي، يحذرون علناً من "خطورة" النظام السوري الجديد على العراق، ويدعون إلى التعامل مع الأمر بجاهزية تامة. وكانت وسائل الإعلام العراقية قد خلقت خلال الأيام والأسابيع الماضية ما يشبه "التعبئة العامة"، من خلال نقل برامج تلفزيونية مباشرة من الحدود العراقية-السورية، موحية بإمكانية عبور آلاف المقاتلين السوريين للحدود بين البلدين، مُعيدة المشهد الذي حدث في عام 2014.

font change