اقتصاد الصناعات العسكرية... السعودية بين توطين التقنيات وتعميق التحالفات

من تنويع مصادر "السلاح الذكي" إلى بناء قاعدة صناعية محلية تدعم رؤية 2030

.أ.ف.ب
.أ.ف.ب
مسيرة باكستانية من طراز Shahpar-III وخلفها نماذج صواريخ في معرض الدفاع العالمي، الرياض 9 فبراير 2026

اقتصاد الصناعات العسكرية... السعودية بين توطين التقنيات وتعميق التحالفات

تمثل الصناعات العسكرية أحد أعمدة الاقتصاد الصناعي الحديث، بل تقوم عليها اقتصادات دول بأكملها، كما هو الحال في روسيا اليوم. ومع إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف أنماط الانتاج العسكري، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، تعاظمت أهمية هذا القطاع في العقدين المنصرمين على نحو لم يشهده منذ الحرب العالمية الثانية.

يرتبط قطاع الصناعات الدفاعية بسلاسل إمداد واسعة ومتشعبة، ويوفر العديد من فرص العمل العالية المهارة، فضلا عن تأثيره المباشر في ميزان المدفوعات للدول وصادراتها، وجذب الاستثمارات الأجنبية. ومع تخبط العالم في صراعاته، وتكاثر بؤر الحروب، تحولت المعارض الدفاعية إلى منصات اقتصادية تعكس ثقل الدول الصناعي وقدرتها على بناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد. وفي هذا السياق، جاء أخيرا "معرض الدفاع العالمي" 2026 في الرياض ليجسد تحولا في مقاربة السعودية من مستورد رئيس للسلاح إلى لاعب في الانتاج يسعى الى توطين 50 في المئة من انفاقه العسكري في حلول عام 2030.

ويؤكد هذا التوجه أن ثمة حقيقة راسخة في الأدبيات الاقتصادية، مفادها أن القطاع الدفاعي يعد محركا للابتكار الصناعي، خصوصا في حقول الطيران والأنظمة غير المأهولة والتقنيات البحرية المتقدمة. وقد عكس "معرض الدفاع العالمي" في نسخته الثالثة في الرياض هذه السنة، توجها استراتيجيا لربط الإنفاق الدفاعي بالتنمية الصناعية، وتعزيز المحتوى المحلي، وتسريع تحقيق مستهدفات رؤية 2030.

وفي عالم الصفقات العسكرية بين الدول وتنويع مصادر الأسلحة لديها، كانت المملكة العربية السعودية سباقة في تطبيق هذا المبدأ في الشرق الأوسط منذ منتصف التسعينات. ومع اطلاق رؤية المملكة 2030، حرصت الرياض على توفير بيئة تشجع التصنيع المحلي،وعلى ايلاء هذا القطاع اهتماما كبيرا حتى يتم توطين نصف الصناعات العسكرية في حلول عام 2030.

ثمة حقيقة راسخة في الأدبيات الاقتصادية، مفادها أن القطاع الدفاعي يعد محركا للابتكار الصناعي، خصوصا في حقول الطيران والأنظمة الذكية والتقنيات البحرية المتقدمة

وقد قطعت هذه المساعي نصف الطريق في نهاية عام 2024 بوصول نسبة التوطين الى 24 في المئة، وجاء "معرض الدفاع العالمي" في الرياض تحت شعار "مستقبل التكامل الدفاعي" لعام 2026 ، ليعطي دفعا إضافيا لهذه الاستراتيجيا باستضافته 1486 شركة عارضة  من 89 دولة وبمشاركة كبرى مؤسسات الصناعات العسكرية على مدى خمسة أيام، أقيمت على هامشها عشرات المحاضرات التي ناقشت آخر التطورات التقنية في هذا المجال.

وشكل المعرض منصة للتنافس الصناعي العسكري بين الدول، لا سيما تلك المنخرطة في صراعات لتعرض آخر إنتاجاتها وتجاربها الميدانية، حيث كشفت روسيا النقاب عن منظومة راجمات صواريخ "سارما"، كما شارك فريق "النسور" الكوري للمرة الاولى في استعراضات جوية. وشهدت فاعليات المعرض أجيالا جديدة للمسيرات والمعدات الجوية، وآخر ما توصلت إليه من تقنيات تخدم هذا القطاع.

رويترز
منظومة سارما راجمة الصواريخ تم الكشف عنها خلال معرض الدفاع العالمي، في الرياض 9 فبراير 2026

وعرضت نماذج من طائرات "F-35" مطلية بشعار القوات الجوية الملكية السعودية ضمن جناح شركة "لوكهيد مارتن"، واتيحت الفرصة للزوار لكي يلقوا نظرة على قمرة قيادة أحدث المقاتلات عالميا من حيث قدراتها التي تعد من الأكثر تطورا بين نظيراتها. إذ كانت الرياض قد تقدمت بطلب رسمي لشراء ما يصل إلى 48 طائرة مقاتلة من طراز "F-35" خلال زيارة ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء محمد بن سلمان لواشنطن في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي.

كما شهد المعرض على مدى أيامه الخمسة، 355 استعراضا جويا حيا لعدد من الطائرات من بينها "F-35" , "F-15", "F-16" و"تايفون" وغيرها من الطائرات المقاتلة.

بنية تحتية للصناعات العسكرية

وظفت السعودية النسخة الثالثة من "معرض الدفاع العالمي" لدفع مستهدفاتها نحو التصنيع العسكري المحلي وتعزيز امتلاك التقنيات اللازمة لها، كما استثمرت الحدث للكشف عن آخر إنتاجاتها العسكرية ومن أبرزها مركبة "هيت" (HEET) المدرعة، إلى جانب تدشين مجمع "سامي" للأنظمة الأرضية المتخصص في صناعة العربات والمعدات المجنزرة، وذلك على مساحة إجمالية تقارب مليون متر مربع، وبمساحة مصانع تصل إلى 82 ألف متر مربع، ويُعدُّ الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط، ويعمل وفق تقنيات الثورة الصناعية الرابعة، بحسب تصريحات شركة "سامي". وتضمن حضور "سامي" السعودية المتخصصة في الصناعات العسكرية التابعة لصندوق الاستثمارات الإعلان عن شركتين هما شركة "سامي للأنظمة الأرضية"، و"شركة سامي للأنظمة غير المأهولة". كما ابرمت نحو 25 صفقة في قطاعات متنوعة من ضمنها الطيران، والأنظمة الأرضية، والإلكترونيات المتقدمة، والأنظمة غير المأهولة، والذخائر، وسلاسل الإمداد.

كان الحضور التركي في معرض الدفاع السعودي لافتا ومكثفا ومميزا، سواء من حيث مشاركة الشركات أم كثافة معروضاتها، التي عكست حرصها على تعزيز مساهمتها في الصناعات العسكرية

في جانب اطار تطويروتهيئة البنية التحتية للقطاع الدفاعي، وقعت الهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية "مدن" مجموعة من الاتفاقات الاستثمارية بقيمة تفوق 4,26 مليارات ريال، وعلى مساحات تتجاوز 4 ملايين متر مربع، ​كما أبرمت"مدن" اتفاقية مع شركة "بيتا" للتقنيات الدفاعية في حائل، لإنتاج الطائرات بدون طيار على مساحة 1,500 متر مربع، وباستثمار قدره 71 مليون ريال، إلى جانب توقيع عقد شراكة مع شركة "سامي للأنظمة الدفاعية المحدودة"، بحجم استثمار يصل إلى 4 مليارات ريال ومساحة تفوق 4 ملايين متر مربع، ليكون أحد أكبر المشاريع الدفاعية في منطقة المدن الصناعية.

حضور لافت للصناعات العسكرية التركية

لم يكن التمثيل التركي في معرض الدفاع السعودي كغيره، بل بدا لافتا ومكثفا ومميزا من حيث حضور الشركات التي حرصت على تعميق مساهمتها وعرض صناعاتها العسكرية، حيث شغلت الشركات التركية مساحة واسعة من ارض الحدث لتكشف عن أحدث التقنيات من مختلف القطع من أسلحة خفيفة محمولة، وطائرات بدون طيار، ومدافع، وبارجات حربية بحرية.

رويترز
نماذج من أنواع الطائرات المسيرة القتالية في معرض الدفاع العالمي، الرياض 11 فبراير 2026

وابرم العديد من الاتفاقات والعقود في القطاع الدفاعي، من أبرزها اتفاقية شركة "أولاك غلوبال" و"سامي" السعودية للتعاون في تطوير المركبات البحرية غير المأهولة، وهو الاتفاق الأول من نوعه بين الجانبين. كذلك شملت توقيع عدد من مذكرات التفاهم مع "سامي" من بينها مذكرة مع شركة "روكيتسان" التركية تتضمن بيعا وإنتاجا مشتركا لصواريخ "كروز".

الحضور البحري العسكري السعودي

كثفت المملكة في السنوات الأخيرة حضورها البحري العسكري من خلال تعزيز قواتها وتطوير قواعدها البحرية، استجابة للتحديات الامنية المتسارعة في المنطقة. وذلك سواء في بحر الخليج العربي، الذي يشكل العمق الاستراتيجي لحماية الموانئ والمنشآت النفطية، أو في البحر الأحمر حيث تتصاعد التوترات بشكل مستمر على اكثر من جبهة، من السودان واليمن الى الصومال.

يشمل التعاون بين الرياض وواشنطن نقل التقنيات لبناء أربع سفن قتالية، وتطوير قاعدة الملك عبد العزيز في الجبيل. وتسلمت القوات الملكية البحرية في ديسمبر الماضي أول سفينة، "جلالة الملك سعود"

وعملت المملكة على صوغ برامج مع مجموعة من حلفائها لتزوديها التكنولوجيات اللازمة لتوطين القطاع البحري، من أبرزها مشروع تعاون بين الرياض وواشنطن لتبادل التقنيات لبناء أربع سفن قتالية، إلى جانب تطوير قاعدة الملك عبد العزيز في الجبيل، وفي ديسمبر/ كانون الاول الماضي تسلمت القوات الملكية البحرية أول سفينة، "جلالة الملك سعود"، تم بناؤها في ولاية ويسكونسن في الولايات المتحدة الأميركية.

.أ.ب
دبابات تابعة للقوات الأميركية تشارك في معرض الدفاع العالمي، في الرياض 8 فبراير 2026

ومن أهم المشاريع التي تعمل عليها وزارة الدفاع، مشروع السروات بالتعاون مع شركة "نافانتيا"، التي سلمت الرياض حتى الآن خمس سفن مزودة أحدث التقنيات مثل سفينتي "عنيزة" و"الدرعية"، وكانت آخرها سفينة "المدينة".

سفن وغواصات وطوربيدات

وعلى هامش المعرض قالت شركة "نافانتيا" لـ"المجلة"، "لدينا عقد مع وزارة الدفاع السعودية وتم تسليم خمس سفن حتى الآن، وبعد نجاح المشروع المشترك قمنا بتعديل الاتفاقية لتتم إضافة ثلاث وحدات أخرى، وبعد نجاح المشروع الأول، أبرمنا اتفاقية أخرى مشتركة لا تقتصر فقط على بناء السفن بل هو برنامج شامل لتقديم التدريب ونقل التكنولوجيا بالتعاون مع الجانب الآخر لكي يتم تنفيذ جزء منه محليا في المملكة".

في السياق نفسه، وقعت شركة "فينكانتييري" الايطالية عقدا مع وزارة الدفاع من خلال شركتها "واس لأنظمة الغواصات" بقيمة 200 مليون يورو لتوريد طوربيدات  MU90 خفيفة الوزن، وتعتبر مدة الاتفاقية الكبرى في تاريخ العقود السعودية على المستوى الدفاعي حيث تمتد 150 عاما. على أن يتم تسليم الدفعة الأولى من الطوربيدات بين عامي 2029 و2030.

بالنسبة لنا المملكة شريك أساس في المجال الأمن البحري، ونعمل على بناء تكامل بينها وبين الصناعات الإيطالية كافة

أيوجينيو سانتاغاتا، المدير العام لقسم السفن البحرية في "فينكانتييري" الإيطالية

وصرح أيوجينيو سانتاغاتا، المدير العام لقسم السفن البحرية في "فينكانتييري" لـ"المجلة" خلال فاعليات المعرض عن أهم المشاريع المشتركة مع السعودية: "بالنسبة لنا المملكة شريك أساس في مجال الأمن البحري، ونعمل على بناء تكامل بينها وبين الصناعات الإيطالية كافة"، وأضاف: "قد يكون عقد توريد طوربيدات "MU90"  تمهيدا لمزيد من فرص التعاون الطويل الأمد في هذا المجال، إذ تجرى حاليا دارسة مشروع نوعي مستقبلا، يتضمن تقديم فرقاطات من طراز FREMM EVO لتوفير حلول قتالية على سطح المياه بما يتلاءم مع احتياجات السعودية وهذه القطع يعتد بها الأسطول البحري الإيطالي".

رويترز
طائرة ضخمة تابعة للقوات الأميركية، في معرض الدفاع العالمي الرياض 11 فبراير 2026

وأشار سانتاغاتا إلى أن التعاون مع وزارة الدفاع يشمل برامج متنوعة من ضمنها الكوادر البشرية، إذ "يدعم تعاوننا مع جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية الذي يوفر برامج منح دراسية للباحثين والمتخصصين، لا سيما بعد افتتاح فرع لشركة "فينكانتييري أرابيا" للخدمات البحرية في الرياض عام 2024، ليس فقط لتقديم القطع والوحدات، بل نطمح للمساهمة في تحقيق مستهدفات الاستراتيجيا السعودية في القطاع البحري".

صفقات عسكرية وتحالفات دولية

تزامن عقد النسخة الثالثة من معرض الدفاع مع فترة يتشكل فيها نظام عالمي جديد، وبالطبع شرق أوسط جديد في الأفق القريب وسط تنافس على بناء التحالفات السياسية التي عمقها الاتفاقيات العسكرية، ولعب المعرض دورا محوريا في هذا الملف حيث لم يكن مجرد عرض لآخر التطورات الدفاعية، بل منصة شراكات في هذه المرحلة التي يمر بها العالم. وشهد المعرض على مدار أيامه الخمسة إعلان أكثر من 60 صفقة عسكرية ودفاعية بحجم بلغ نحو 33 مليار ريال (8,8 مليارات دولار)، من جانب 89 دولة وفي حضور 513 وفدا رسميا من 121 دولة.

وقال محافظ الهيئة العامة للصناعات العسكرية، رئيس اللجنة الإشرافية لمعرض الدفاع العالمي، المهندس أحمد بن عبد العزيز العوهلي، في ختام المعرض إن "معرض الدفاع العالمي 2026 عكس التقدم المستمر الذي تحققه المملكة في بناء قطاع صناعات عسكرية قادرة  على المنافسة العالمية، ونجح المعرض في تحقيق دوره في أن يصبح منصة عالمية فاعلة لتحقيق التواصل وتبادل المعرفة وبناء العلاقات التجارية في جميع أنحاء العالم".

بناء استقلالية صناعية

في الخلاصة، لا شك أن ما شهده معرض الدفاع العالمي 2026 يعكس الزخم في طريقة توظيف الإنفاق العسكري داخل الاقتصاد السعودي، من كونه بندا استهلاكيا كبيرا إلى أداة استراتيجية لإعادة تشكيل القاعدة الصناعية الوطنية. فالرهان لم يعد مقتصرا على تعزيز القدرات الدفاعية، بل يمتد إلى تعميق سلاسل المحتوى المحلي، وتحفيز الصناعات المتعلقة به، ورفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي غير النفطي.

تؤكد التجارب العالمية أن الصناعات العسكرية تعد من أكثر القطاعات كثافة في التكنولوجيا ورأس المال البشري، مما يجعلها منصة لنقل المعرفة وبناء منظومات ابتكار متقدمة تنعكس آثارها على مختلف القطاعات.

في المحصلة، تبدو الاستراتيجيا السعودية قائمة على معادلة مزدوجة: تعميق التحالفات الدولية من جهة، وبناء استقلالية صناعية تدريجية من جهة أخرى، بما ينسجم مع مستهدفات تنويع الاقتصاد وتعزيز مكانته التنافسية إقليميا وعالميا.

font change