عبد الكريم الرازحي يستذكر طفولته في عدن

عندما كان دخول السينما فضيحة

 Saleh Al-OBEIDI / AFP
Saleh Al-OBEIDI / AFP
مبنى سينما قديمة في مدينة عدن جنوب اليمن، 11 سبتمبر 2018

عبد الكريم الرازحي يستذكر طفولته في عدن

يعود بنا الكاتب اليمني عبد الكريم الرازحي في كتابه الجديد "أبو الروتي" إلى ستينات القرن العشرين، حيث عاش جزءا من طفولته في عدن، قبل وأثناء رحيل الاستعمار البريطاني، فيتذكر أحلامه الأولى في هذه المدينة التي عرف فيها السينما أول مرة كما عرف الحب والخروج في تظاهرات.

الكتاب الذي صدر أخيرا عن "دار عناوين" في القاهرة يقترب من فن السيرة الذاتية، إلا أنه يقتصر على جانب من هذه السيرة محدد بخمس سنوات عاشها الكاتب في عدن، عندما كانت المدينة مقصدا لأبناء القرى والمدن المجاورة، ومنها قرى تعز القريبة منها.

كان الرازحي آنذاك طفلا، يذهب إلى مدينة قريبة من قريته ليجلب بعض الاحتياجات للأهالي فوق حمار العائلة، لكن سيلا مباغتا جرف الحمار معه فيما نجا الرازحي بتسلقه شجرة في الوادي. جدته رأت بعد هذه الحادثة عدم جدوى بقائه في القرية ومواصلة دراسته في مدرستها المتواضعة، حيث كان وصل فيها إلى الصف الرابع الابتدائي، ووجهته بالسفر إلى عدن ليدرس في مدرسة "النصارى"، كما كانت تقول.

شغف الاكتشاف

في عدن، كان يعيش جده وإخوته، لكنه وصل إلى أحد أبناء قريته ليعمل معه في فرن للخبز، وهو خبز على هيئة أقراص مستطيلة شبيهة بـ"الباغيت" الفرنسي، يسمى في عدن ومعظم المدن اليمنية "الروتي"، ومن هنا جاء لقبه الذي وضعه عنوانا للكتاب.

يتذكر الرازحي كيف كان أبناء قريته يحذرونه من ثلاثة أشياء تبدأ بحرف سين: سينما وسيكل (دراجة هوائية) وسيكريم (بوظة)، لظنهم أن هذه الأشياء تفسد الأخلاق

إلى جانب عمله، حاول الكاتب أن يدرس في مدرسة "البادري" الخاصة بأبناء عدن والأجانب إلا أنه لم يوفق، فذهب للدراسة في "المعهد العلمي الإسلامي" لمدة سنة، لكنه رسب في نهايتها مما اضطره إلى الانتقال إلى مدرسة "كلية بلقيس" ليكمل فيها الابتدائية والإعدادية.

كان عليه في سنته الأولى أن يصحو مبكرا ليصلي صلاة الفجر تبعا لتقاليد العائلة التي يسكن معها، ثم يذهب مع أحد عمال الفرن إلى الساحات والشواطئ لجلب القوارير الفارغة التي يتركها هناك شاربو الخمور. كان عامل الفرن مولعا بالأشربة وأنواعها، لذا كان يحرص على أن يجمع ما تبقى من قطر في القوارير ليشربها. كانوا ينظفون القوارير بالماء والصابون قبل أن يملؤوها ماء ثم يبردونها بالثلاجة ويبيعونها. ولأن القوارير كانت تتقطر على ملابسه أثناء حملها، فقد واجه مشاكل في المدرسة بسبب رائحة الخمر، كما واجه تنمر وتحرش أولاد عدن الذين كانوا يسخرون منه بلقب "أبو الروتي".

غلاف رواية "أبو الروتي"

يتذكر الرازحي كيف كان أبناء قريته يحذرونه من ثلاثة أشياء تبدأ بحرف سين: سينما وسيكل (دراجة هوائية) وسيكريم (بوظة)، لظنهم أن هذه الأشياء تفسد الأخلاق. وكان مع تصرفات المجتمع الجديد يستكشف الفرق بين طفولته في القرية وأولاد المدينة: "شعرت أن هناك مسافة بيني والولد العدني، بين القرية التي جئت منها والمدينة التي ينتمي إليها، بين حماري ودراجته، بين مظهري القروي البائس ومظهره المدني المترف، بين حضوري البليد وحضوره الذكي والمدهش. لكني بعد أن تركته وعدت إلى (سوق الطويل) تنامى لدي الشعور بالمسافة، وبقدر ما كنت أحاول الاقتراب من الناس كانوا يبتعدون. وكلما وقفت للسلام وللكلام، رأيتهم يمرون من جنبي مرور اللئام، فلا يردون السلام مثل أهل قريتنا، ولا يسلمون".

MOHAMMED HUWAIS / AFP
خبّاز يمني يحضّر العجين في مخبز بصنعاء، 27 مارس 2022

بدا الطفل شغوفا باكتشاف كل الأشياء التي حذروه منها، وبالذات السينما التي كان دخوله إليها بمثابة فضيحة وصل خبرها إلى أمه وجدته في القرية. وصار طوال مكوثه في عدن يحكي عن قصة الفيلم الأول الذي شاهده، "صراع في الوادي"، ومنه صار يعلم فتاته الهندية كافيتا فن القبل بعدما انجذب إليها. وإذ تعرف الى فتيات كثيرات، وكتب إلى بعضهن رسائل حب، بقيت فتاة كشمير الهندية الأكثر حضورا في باله. وهي الوحيدة التي هم بخطبتها لولا أن عائلتها قررت الرحيل بعد مغادرة المستعمرين البريطانيين من عدن عام 1967. وهنا يحتار الرازحي بين كرهه للاستعمار وأمنيته أن تبقى حبيبته.

رسالة من عبد الناصر

بأسلوبه الساخر من كل شيء، يكتب الرازحي عن انقسام الطلاب بين مؤيدين للتظاهرات ومعترضين عليها، وكيف كان يقف مع الطرف الأول بسبب كرهه الدراسة، واعتباره التظاهرات وسيلة للهروب منها، خاصة وقد صار مدمنا الذهاب إلى "سينما بلقيس" بدلا من "كلية بلقيس".

كتب الرازحي رسالة إلى جمال عبد الناصر ليتفاجأ برد منه موقع باسم مدير مكتبه سامي شرف، ومعه كتاب "فلسفة الثورة"

آنذاك كتب الرازحي رسالة إلى جمال عبد الناصر ليتفاجأ برد منه موقع باسم مدير مكتبه سامي شرف، ومعه كتاب "فلسفة الثورة"، وأدت هذه الرسالة إلى جدل بين معارفه ما بين مصدق ومكذب، إلا أنها في الأخير منحته مكانة يتباهى بها لدى المجتمع المحيط به.

غلاف كتاب "قبيلي يبحث عن حزب"

هذا التباهي كان ينسيه بعض الذكريات المؤلمة التي بقي بعضها معه، مثل تبوله اللاإرادي ليلا، ونزول المخاط من أنفه بشكل دائم، حتى عرف بـ"عبد الكريم الممخط"، ولتجاوز المشكلة الأخيرة، عالجته أمه في القرية لدى أحد المشعوذين الذين أوسموه بآلة حديدية ملتهبة على قفا رأسه، مما أدى إلى افتقاده حاسة الشم. وصار من الصعب عليه، بعد هذا "الكي"، التعرف الى رائحة العطر المميز لإحدى المترددات على الفرن.

المدينة والقرية

تكشف المذكرات عن الفوارق الاجتماعية بين الريف والمدينة، وكيف تنتقل بعض العادات الريفية إلى المدينة ويصبح لدى المتمسكين بها القدرة على إيجاد مبررات لإطلاق القيم الأخلاقية على المجتمع المديني، فتناول الأيسكريم "البوظة" يؤدي إلى احمرار الشفاه لدى الأولاد الصغار مما يجعلهم جاذبين للإغواء، أما النساء فأي تجمل منهن مدعاة للريبة، بل وللحكم عليهن من قبل هؤلاء القرويين: "كان (شباطة) من النوع الذي يتهم ببساطة، ويصدر أحكاما على الناس بسهولة، وكان الوهم هو الغالب على تفكيره، وكل ما يتوهمه هو الحق، وهو الحقيقة، ولو شعر أن هناك من يشكك في أوهامه واتهاماته وأحكامه التي يصدرها في حق الآخرين، يقسم يمينا تلو يمين أن ما قاله عن فلان، أو عن فلانة، صحيح كل الصحة".

لكن الفتى الذي جبل على روح المغامرة والتطلع كان يخالف كل هذه القيود والأحكام: "كان من الصعب علي وأنا في عدن أن أمشي دون أن ألتفت، وكيف بمقدوري ذلك وكل شيء فيها يستوقفك ويلفت انتباهك! لكن أكثر ما كان يستوقفني ويلفت انتباهي هو الجمال، جمال العدنيات، وبقدر ما كان جمالهن يثير دهشتي، كنت أندهش أكثر من خروجهن ليلا وسيرهن في الشوارع وهن بكامل حريتهن، وبكامل زينتهن، وشفاههن كأنها جمرات مشتعلة من أحمر الشفاه".

يقترب الرازحي من عوالم السيرة الروائية، التي يستذكر فيها جوانب من حياته وحياة الأمكنة والناس في زمن ما زال أثره قائما

يتذكر الرازحي بعض الوجوه السياسية التي رآها آنذاك ومن بينها الرئيس    عبد الفتاح إسماعيل، وكان قد أثار جدلا في الوسائط الاجتماعية، حين نشر أن عبد الفتاح كان يتردد على بيت أخت الرازحي في عدن للقاء زوجته التي تقيم معها أثناء الكفاح ضد الاستعمار البريطاني، كما يسرد بعض قصص المواجهة بين جبهة التحرير والجبهة القومية قبل الاستقلال، ويكشف عن حصوله على بطاقة عضوية اتحاد الطلاب اليمنيين التابع للجبهة القومية. مع هذا ظل الرازحي دائما يسخر من صفة "المناضل" ويعتبرها شتيمة إذا أطلقت عليه.

AFP
مقاتلان يمنيان من محمية عدن البريطانية سابقا عند الحدود الأنكلو-يمنية في عدن، ستينيات القرن الماضي

عبد الكريم الرازحي الذي عرفناه كاتبا ساخرا في كبريات الصحف والمجلات اليمنية والعربية، مثل "المجلة" و"عكاظ" و"الوطن" و"المستقبل"، وكتب الشعر والقصة والنص المسرحي، نجده في هذا الكتاب قد اقترب من عوالم السيرة الروائية، التي يستذكر فيها جوانب من حياته وحياة الأمكنة والناس في زمن لا يزال أثره قائما.

font change