الفنانة التونسية نجاة الذهبي في مزرعة أورويل

الأنوثة تقاوم الاستبداد

نجاة الذهبي امام إحدى لوحاتها

الفنانة التونسية نجاة الذهبي في مزرعة أورويل

تفكر الرسامة التونسية نجاة الذهبي دائما في ارتباك الكائنات التي ترسمها وحيرتها الوجودية وهي لا ترغب أصلا في إقناعنا بأن ما ترسمه يشكل واقعا ثابتا. ما لم يقع بعد، قد يشكل نقيضا لما توصلت إليه بصريا. فهي ترسم بتأثير الإيحاء من غير أن تكون متأكدة من أن الصورة ستتحول إلى فكرة مطلقة. كل شيء هو عبارة عن شذرة قابلة للتطوير والمراجعة، حذفا وإضافة.

لذلك فإنها غالبا ما تترك شيئا من الكائن الذي ترسمه يسيل، وفي ذلك تضعنا أمام تفسيرين. إما أن ذلك الكائن في طريقه إلى التشكل، وإما أنه ذاهب إلى زواله. وفي الحالين، فإن الطابع الرمزي هو الغالب. تلك كائنات ليست موجودة إلا من أجل خدمة أفكارها وفي مقدمتها فكرة العيش المجاور. لا تميل الرسامة إلى عزل الإنسان عن حكاياته أو لنقل خرافته بشكل محدد.

الرسامة المولودة عام 1978 في بلدة المزونة بولاية سيدي بو زيد، لا تسلم أشكالها ليأس المعنى المستعار من النهايات الحزينة للحكايات، بقدر ما تعمل على استيعاب الموقف النقدي الذي يدفع بكائناتها إلى العزوف عن الاتصال المباشر، بعضها بالبعض الآخر.

هل قررت نجاة الذهبي أن تؤكد لأورويل أن مخاوفه في محلها وأن العالم لم يغادر مزرعته؟  

فهل هي مثلا كائنات عاطلة عن الحب، مستهلكة العواطف أم أنها بعدما هزمت، قررت أن تكتفي بما يرد عنها الوحشة؟ ذلك عالم موحش سيجد له محلا في مزرعة جورج أورويل المتخيلة التي سبقها الواقع بخياله. لِمَ إذن العودة إلى تلك الرواية بعد ثمانين سنة من نشرها؟ تغير العالم والحياة معا. هذا صحيح. ولكن الاستلاب لا يزال قائما. العنف لا يزال ممكنا. لا تزال الحكاية مقيمة في الممر الأول، كأن أحدا لم يُدل بعد بشهادته. لا تكتفي المحاكمة برساميها. لم يمت أورويل مطمئنا إلى أن روايته ستكون نوعا من الخيال الذي لا يمس جوهر الحياة البشرية بضرر. فهل قررت نجاة الذهبي أن تؤكد لأورويل أن مخاوفه في محلها وأن العالم لم يغادر مزرعته؟ 

جورج أورويل

الرسم يقول ولا يترجم

نجاة الذهبي التي سبق لها ودرست أكاديميا "إيروس في تصويري للجسد الانثوي" بعد "الصورة الإيروسية في المنمنمة الإسلامية"، إذ تتجول في عالم أورويل، فإنها لا ترغب في أن تكون شبيهة بـ"أليس في أرض العجائب". لذلك لم تورط نفسها في وصف ما رأته وما تراه، وهو بالضبط ما عاشته وما تعيشه. فالغاية لا تكمن في هدف توضيحي، ذلك لأن الرسم بالنسبة للذهبي يغادر دائرة جماياته إن استسلم لرغبة المتلقي في الفهم. ثم أن أي عالم يقدر لنا أن نفهمه، لا يستحق أن يكون مادة للرسم. الحوار الاستفهامي الذي يبدو مرحا بعض الأحيان بين الكائنات المرسومة، ما هو إلا محاولة لاستدراج المتلقي إلى مناطق ملغومة، سيشكل الخروج منها حياة جديدة. 

نجاة الذهبي امام إحدى لوحاتها

ليست الكائنات التي رسمتها الذهبي مستلهمة كلها من رواية أورويل. فالرسم يقول ولا يترجم. لذلك فإنها عقدت صلحا ما ببين عالمين. الأول خيالي يمرر قسوته بمرح طفولي، والثاني واقعي غير أنه يضع قناعا على وجهه لكي لا يفتضح أمره. ستكون الذهبي على درجة هائلة من الغبطة، لو قيل لها إنها نجحت في إقامة حفلة تنكرية مثلما فعل أورويل. تستعيد الرسامة لعبة الكاتب، لكن بطريقة معكوسة. مشى أورويل على خطى إبن المقفع في "كليلة ودمنة". الرمزية واضحة، غير أن كل شيء يظل في إطار حكاية خرافية. ما فعلته الذهبي أنها لعبت بتلك المعادلة من أجل أن تمرر معادلة جديدة، تكون المرأة بقوة أنوثتها حاضرة فيها. تلك قوة تعد المعنى بشكله الأنثوي، وهي لذلك تكتفي بطاقتها الإيجابية من غير أن تتحول إلى قيمة رمزية. وجدت نجاة الذهبي في حكاية أورويل مناسبة لإعلان موقف المرأة من السلطة.

ركز أورويل على ذكورة السلطة، فيما سعت الذهبي إلى الثناء على التمرد الأنثوي باعتباره معالجة تاريخية اجتماعية لشرور تلك السلطة

تلك مسألة على قدر هائل من الالتباس. لم يولها أورويل شيئا من اهتمامه، وجعلتها الذهبي محور عملها. غير أن الاثنين يتنافسان على تهشيم سلطة الواقع وصولا إلى مفهوم السلطة. أورويل من خلال التركيز على ذكورة تلك السلطة، فيما سعت الذهبي إلى الثناء على التمرد الأنثوي باعتباره معالجة تاريخية اجتماعية لشرور تلك السلطة وتهالك أدواتها ورثاثة أساليبها.  

    

لوحة لنجاة الذهبي

الأنوثة حبل إنقاذ

في مشروعها، "مزرعة أورويل"، تستأنف نجاة الذهبي عملية التحدي الأنثوي من خلال الرسم. صحيح أنها لا تكف عن التفكير وهي ترسم، تلك عادة شخصية غير أنها لا تخضع الرسم للأفكار الجاهزة. أفضل لها أن تطارد جمالا شاردا ومتلفتا وحائرا من غير أن تكون متأكدة مما ينطوي عليه من معان، ومن أن تسجن الجمال في إطار فكرة معدة سلفا، يتمكن المتلقي من احتوائها في وقت قياسي. "الأنوثة تسبق كل شيء" .فهل فكرت الفنانة بتأنيث عالم أورويل؟

الفنانة التشكيلية نجاة الذهبي

إذا كان الكاتب البريطاني جورج أورويل (1903 ــ 1950) وهو مؤلف الرواية الشهيرة (1984) قد كتب روايته تنديدا بسلطة الاستبداد المطلق التي مثلها جوزيف ستالين في الاتحاد السوفياتي السابق، فإن نجاة الذهبي وهي ابنة القرن الحادي والعشرين، تدمج السلطة الذكورية بالسياسة لتضع العدو في مكانه الحقيقي ولتتمكن في ما بعد من وصفه باعتباره نظاما تاريخيا يعادي المرأة الحرة بالقوة نفسها التي يستعبد المجتمع.

كل ما ورد ذكره هو عبارة عن مرجعيات ثقيلة ومملة لا بد أن الرسامة المتمردة تضيق بها وتنفر منها، غير أنها كانت مضطرة للتعامل معها. حين تقف أمام أعمالها وقد رأيتها في مرحلة الإعداد للمعرض، فإنها تبحث عن ثغرة في ذلك الجدار الذي شيده أورويل. فكرتها عن ذكورة ذلك الجدار، هي السبب الذي يجعلها متأكدة من ان الأنوثة تشكل حبل انقاذ. ولكن ذلك ليس كل شيء بالنسبة لإمرأة صارت على يقين من أن الرسم هو مصير حياتها. "دعونا نرسم"، تلك جملة ترددها نجاة وهي تعرف أنها من خلال الرسم تقاوم سلطة الواقع.

من أعمال نجاة الذهبي

في فضاء جمال غير متوقع

تعالج نجاة الذهبي في تجربتها الفنية علاقة الرسم بالأدب من منطلق ما تنطوي عليه تلك العلاقة من كفاءة في استلهام المضامين بصريا، من غير الاكتفاء بالقيمة التعبيرية لما يتم تصويره. ذلك ما تعلمته من إطلاعها على تجارب الرسامين المعاصرين الذي غادروا الواقعية التقليدية، وفي الوقت نفسه  لم يتوقفوا عند حدود الواقعية المفرطة التي كرست الواقع وهو في حالة خلو من المشاعر. ولأن الفنانة تسعى إلى تمرير الحكاية ياعتبارها نوعا من الشعر المرئي، فإنها كانت دائما متصالحة مع لغة الزهد والتقشف في الخطوط كما في المساحات الملونة. لا تصنع الذهبي لوحات براقة بمساحات لونية جاذبة لتغرر بعين متلقي أعمالها. العكس من ذلك هو ما يحدث، حين تتمتع الرسامة بما تحدثه رسومها من إرباك وحيرة في نفس ذلك المتلقي الذي تطلب منه ضمنا المساهمة في إفراغ العمل البصري من كل أثر أدبي من خلال الاكتفاء بالصورة.

"دعونا نرسم"، تلك جملة ترددها نجاة وهي تعرف أنها من خلال الرسم تقاوم سلطة الواقع

 ربما ستكون محاولة الفنانة التونسية التي عرفت عربيا وعالميا من خلال مشاركاتها في اللقاءات الفنية ومعارضها الشخصية، سببا مضافا لإعادة قراءة رائعة جورج أورويل. ذلك ما لا تخطط له الفنانة في ظل رغبتها في أن تكون قراءتها البصرية هي الأساس في أية عودة جديدة إلى نص أورويل المدهش.

عمل لنجاة الذهبي

ما أخذته نجاة من نص أورويل صار ملكها بعدما صهرته في ماكينة خيالها. ذلك سرد من أجل جيل جديد. سيكون النظر إلى السلطة المطلقة من زاوية أنثوية، فرصة لخلق فضاء جديد. فما فعلته الذهبي يمكن تلخيصه في أنها أزاحت عالم أورويل عن منطقة بلادة تمسكه بذكوريته لتنفتح به على أنوثة، ستكون مصدر جمال غير متوقع.     

font change

مقالات ذات صلة