عندما احتلت إسرائيل قطاع غزة والضفة الغربية، وضمنها القدس الشرقية، في حرب 1967، شعرت بأنها حقّقت التطابق بين ما تسميه "أرض إسرائيل" و"شعب إسرائيل"، وهو الأمر الذي ظلّت تفتقد له وتشعر بمرارته منذ إقامتها في 1948، كونها لم تُقم حينها فيما تعتبره في أدبياتها الأيديولوجية-الدينية "يهودا والسامرة"، أو "أرض الميعاد"، كمبرّر لإقامتها في الأوساط اليهودية المنتشرة في العالم.
بعد ذلك مرت علاقة إسرائيل بالضفة الغربية بكثير من الأطوار. الأول، تمثل بخضوع الفلسطينيين فيها للحكم العسكري المباشر (1967-1981)، مع فرض سيادتها على أراضي الضفة، وضمنها القدس الشرقية، التي اعتبرت، فيما بعد، عاصمة موحدة لإسرائيل، بموجب قانون-أساس أصدره الكنيست الإسرائيلي (1980).
الطور الثاني، تمثل بالانتقال من الحكم العسكري المباشر إلى الإدارة المدنية، (1981-1994)، الخاضعة للجيش الإسرائيلي. واللافت أن ذلك تم بعد الانتقال من حكومات حزب "العمل"، الذي أسّس إسرائيل، وصاحب نظرية "وحدانية الشعب"، وديمقراطية إسرائيل، إلى حكومات حزب "الليكود"، بزعامة مناحيم بيغن (منذ الانقلاب السياسي في العام 1977)، حيث تم في هذه المرحلة الانتقال إلى نظرية "تكامل الأرض"، أو "أرض إسرائيل الكاملة"، الذي تم عبره تشريع الاستيطان الواسع في مختلف أرجاء الضفة الغربية.
أما الطور الثالث، فأتى بعد التسوية الفلسطينية-الإسرائيلية، بموجب اتفاق أوسلو (1993)، التي سمحت بإقامة كيان فلسطيني، لكن إسرائيل لم تسلم بذلك، إذ تم تقسيم الضفة إلى ثلاث مناطق، منطقة سيطرة فلسطينية، ومنطقة سيطرة مشتركة، فلسطينية-إسرائيلية، ومنطقة سيطرة إسرائيلية، هي الأكبر، بمساحة 60 في المئة من أراضي الضفة.
"دولة المستوطنين" انتصرت على دولة إسرائيل، إذ فرضت ذاتها وأجندتها عبر سياسة "الاستيطان الزاحف"، بل إنها فرضت تشكيل ميليشيا عسكرية أيضا، تحت رعاية الدولة
وما يجب ملاحظته هنا أن إسرائيل لم تتوقف يوما، لا قبل اتفاق أوسلو، ولا بعده، عن القيام بكل ما من شأنه تكريس وتعزيز احتلالها للضفة، وإعادة هندستها جغرافياً وديموغرافياً، بسيطرتها على المعابر، وحركة السكان، وموارد المياه، وعبر تعميق تبعيتها واعتماديتها الاقتصادية والتجارية والخدمية لإسرائيل، في العملة، والاتصالات، والمواصلات، والبني التحتية، كما ببناء المستوطنات، وتكثيف الاستيطان، في مختلف أنحاء الضفة، وفك التواصل بين المدن والبلدات والقرى والمخيمات الفلسطينية، هذا مع إحكام سيطرتها الأمنية فيها.
وبكل الأحوال فقد ظلت سياسة إسرائيل، بمختلف حكوماتها، تقوم على عدم الانسحاب من أراضي الضفة، والتلويح فقط بالانسحاب من المناطق كثيفة السكان، أي من المدن، وفرض إملاءاتها بخصوص هندسة الطرق، والتحكم بمجال التوسع السكني للفلسطينيين، إلى جانب السعي لتفكيك أوصال الضفة الغربية، وتحجيم مكانة السلطة الفلسطينية.
القصد أن الفلسطينيين يدخلون اليوم في طور آخر، في سياسة إسرائيل إزاء الضفة، في ظل حكومة اليمين القومي والديني المتطرف، التي تريد تحويل إسرائيل من دولة ديمقراطية ليبرالية (لليهود فيها)، وفق نظرية "وحدانية الشعب" لـ"حزب العمل"، إلى دولة قومية-دينية، وفق نظرية "تكامل الأرض"، أو "أرض إسرائيل الكاملة"، التي تنسجم مع سياستها.
الفكرة أن إسرائيل، في ظل حكومتها المتطرفة، لا تكرّس فقط وضع الفلسطينيين، من أصحاب الأرض الأصليين كمجرد سكان لا حقوق قومية لهم، وإنما هي تكرس وضع الضفة من كونها أرضا محتلة إلى كونها أرضا إسرائيلية، ما يشمل ترسيم أراضي الدولة كملكية لإسرائيل، ومنازعة الفلسطينيين في ملكياتهم الخاصة من هذه الأراضي.
ما يفترض ملاحظته في هذا الطور، من السياسة الإسرائيلية، أن اليمين القومي والديني المتطرف يحاول أن يفرض تصوراته في تحديد طبيعة إسرائيل، وحدودها، وشكل علاقتها مع الفلسطينيين، من أهل الأرض الأصليين، بين البحر والنهر. هذا أولا.
ثانيا، معنى ذلك أن "دولة المستوطنين"، وهذا مصطلح إسرائيلي، انتصرت على دولة إسرائيل، إذ فرضت ذاتها، وأجندتها، عبر سياسة "الاستيطان الزاحف"، بل إنها فرضت تشكيل ميليشيا عسكرية، أيضا، تحت رعاية الدولة.
حكومة المتطرفين في إسرائيل تجد نفسها إزاء إدارة أميركية هي الأكثر تماهيا مع سياساتها الداخلية والخارجية، كما تجد نفسها في ظل ظروف سياسية وأمنية هي الأنسب لها في تاريخها
ثالثا، ما تقدم لا يلغي مسؤولية "اليسار الإسرائيلي" لأنه هو المسؤول عن إطلاق سياسة الاستيطان في الضفة، في مختلف الحكومات التي شكلها منذ حرب (1967)، وحتى بعد توقيع اتفاق أوسلو (1993)، عبر تمييزه بين مستوطنات إسرائيلية ومستوطنات سياسية، ورفضه الانسحاب الكامل من الأراضي الفلسطينية المحتلة، في حكومات إسحق رابين (1992-1995)، وشيمعون بيريز (1995-1996)، وصولا إلى حكومة إيهود باراك (1999-2001). تقول عميرة هس: "حركة الاستيطان التابعة لليمين الديني والـحريدي تدين بنجاحاتها وتهجير التجمعات من المنطقة (ج) لمهارة التخطيط التي ظهرت في اتفاق أوسلو... كان يمكن إعادتها إلى الفلسطينيين فوراً، مع الحفاظ على أمن المستوطنين. وكيف كان ربط التجمعات بالمياه، وإعداد مخططات هيكلية وتنفيذها، وبناء مدارس وعيادات ومراكز سياحية سيضرّ بأمن الإسرائيليين؟ الجواب: لم يكن ليضر، بل كان سيُفشل خطط إقامة مستوطنات جديدة، وهذا ما عرفه جيداً بيريز ورابين وباراك" ("هآرتس"- 18/2/2026).
رابعا، هذا يعني أن بنيامين نتنياهو، كرئيس للحكومة الإسرائيلية وكزعيم لحزب "الليكود"، هو المسؤول الأول، بتحالفه مع المتدينين المتطرفين، عن التحولات الحاصلة، سواء في إسرائيل، أو في علاقاتها مع الأراضي الفلسطينية المحتلة، والفلسطينيين بين النهر والبحر عموما.
واضح أن حكومة المتطرفين في إسرائيل تسير في هذين الاتجاهين دون أن تلوي على شيء، ودون أي يردعها أي أحد، فهذه الحكومة تجد نفسها إزاء إدارة أميركية، في ظل رئاسة ترمب، هي الأكثر تماهيا مع سياساتها الداخلية والخارجية، كما تجد نفسها في ظل ظروف سياسية وأمنية هي الأنسب لها في تاريخها، بخاصة مع انهيار كل القوى المناهضة لها في محيطها، وهذا يشمل الوضع الفلسطيني، الذي بات كأنه خارج المعادلات السياسية، بعد حرب الإبادة الوحشية التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، منذ أكثر من عامين، وبالنظر لضعف حال الفلسطينيين، بخاصة في الضفة، وهذا يشمل حال المنظمة والسلطة والفصائل.