إحسان الخطيب لـ "المجلة": لو كان جلجامش في زمننا لمات قهرا

يسعى في لوحاته إلى تجريد الألم

إحسان الخطيب

إحسان الخطيب لـ "المجلة": لو كان جلجامش في زمننا لمات قهرا

يستند الفنان التشكيلي العراقي إحسان الخطيب على تاريخ طويل بدأه بشكل احترافي منذ حصوله على بكالوريوس فنون تشكيلية من قسم الرسم في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد عام 1973.

يتجاوز الخطيب الحدود بين الكلمة والصورة في لوحاته، مستمدا مواضيعها من أشعار عمر الخيام والمتنبي وديك الجن ومظفر النواب وغيرهم من الشعراء، ومتمرسا بالألوان المائية متحكما في شفافيتها عبر مئات اللوحات. هنا حوار "المجلة" معه.

كيف تصف تجربتك في تحويل القصائد إلى لوحات؟

القصيدة هي لوحة لكن مكتوبة، واللوحة الفنية هي صورة ومكتوبة أيضا. عندما تسمعين الشعر، تسبحين في خيالك مع الكلمات، وكل شخص يسبح في الشعر وينجذب إليه بشكل عاطفي أو غير عاطفي، يرى صورا، والصور الذهنية هذه أو المكتوبة حولتها إلى لوحات بحسب رؤيتي أنا.

من وحي الخيال

ما الذي يدفعك إلى اختيار قصيدة دون أخرى؟

هناك نوعان من القصائد، أحدهما يجعلنا نبكي، والآخر ينقل الحب فينا إلى عشق. بالنسبة إلي، أميل إلى القصائد الغزلية والشعبية أكثر من تلك القصائد المكتوبة بالفصحى، وعندما أسمعها، خاصة إن كانت باللهجة العراقية أو الجنوب العراقي، أجد فيها حميمية غريبة عجيبة، لذلك تدخل إلى القلب مباشرة، ومن القلب إلى الخيال، وتتحول إلى لوحة مؤثرة أمامي.

أتبنى مشاعر القصيدة وأحولها الى لوحة، فالقصيدة لا تأتي بفكرة إنما بمشاعر ومن ثم تدخل إلى عالم من الخيال

 وكذلك الأمر بالنسبة إلى القصائد الحزينة التي تدخل بشكل ما إلى أعمالي، فأرسم الألم بطريقة تجريدية، لأن رسم مريض أو جريح بشكل واقعي يحول اللوحة إلى صورة فوتوغرافية، لكن عندما أرسم الألم نفسه والصيحة نفسها والاستغاثة نفسها، تتحول إلى تجريد لوني وخط، بشكل أو بآخر.

أي أنني أتبنى مشاعر القصيدة وأحولها الى لوحة، فالقصيدة لا تأتي بفكرة إنما بمشاعر، ومن ثم تدخل إلى عالم من الخيال، بينما الفكر له علاقة بالوعي، وهو ما لا يتناسب مع المشاعر. هناك صراع عنيف بين المشاعر والوعي، وهو صراع قائم منذ الأزل.

استلهمت ملحمة جلجامش في بعض أعمالك، فهل ترى أن الأسطورة لا تزال معينا خصبا للفنانين؟

المسألة بسيطة جدا لأني استلهمت الواقع واستمددت الفكرة من الأسطورة، فجلجامش الذي يقال عنه إنه نصف إله، أو يقال إنه آخر الملوك السومريين، كان قد ذهب ليبحث عن الخلود في منطقة هي الأهوار حاليا، وكانت في ذلك الوقت أور، عاصمة السومريين، لكنني رأيت من خلال الواقع الذي أعيشه أن هناك الكثير من الطيور المهاجرة التي كانت تأتي إلى العراق، قد تراجعت عن المجيء، وهناك الكثير من الحيوانات التي كان مقتربة من الانقراض، قد انقرضت في ذلك المكان، فبدأت أواسي جلجامش، وفي الوقت نفسه أقول له من حسن حظك أن الخلود لم يصبك، لأنك إن أصبحت خالدا كنت مت قهرا في هذا الوقت.

من "رسائل إلى جلجامش"

الأسطورة ترتبط بواقع ما نعيشه، هي حياة قد تكون خيالا وقد تكون واقعا. نحن لا نعرف كيف كان شكل الحياة قبل ثلاثين ألف سنة أو أكثر، لكن بهذا الشكل نمسك التاريخ من الوسط. عندما بدأت الكتابة وصلتنا الأسطورة، و"جلجامش" أقدم أسطورة جاءت قبل "الإلياذة" وقبل "الأوديسة"، فهي مكتوبة ولا يمكن أن نضيف عليها، كما حدث في "ألف ليلة وليلة".

شفافية الأبيض

ما خصوصية تعاملك مع الألوان المائية؟

أعتبر الألوان المائية حالة مستمرة، فعند السفر يبقى الوطن معنا أينما نذهب، في دول الغربة سواء أكانت عربية أو أجنبية. خمسون سنة والوطن يسري في دمي، وبقيت الأماكن الشعبية أجمل الأشياء عندما عشت في بغداد، وهي تشبه كثيرا الأماكن الشعبية القديمة في دبي والشارقة، حيث بيوت توحي بالحميمية والحنين، فجاءت ألواني المائية على علاقة مباشرة بالواقع الذي نعيشه في داخلنا والحنين، وصورت آلاف الصور من أنحاء الإمارات، ورسمت الأبواب القديمة والمشربيات والمساجد القديمة والقلاع، فالأبنية القديمة متشابهة بما في ذلك الزخارف الموجودة فيها.

مائية

 من هنا أصبحت أرسم بالألوان المائية بشكل يومي عندما أجلس في الغاليري الخاصة بي منذ عام 1984. وخلال ذلك أنجزت لوحات مائية بأحجام مختلفة، وانتشر الكثير منها أو من البطاقات التي طبعتها عنها في الكثير من البيوت والسفارات.

الألوان المائية تسحب كل الطاقات السلبية الناتجة من أعمالي عن الألم، وكأنها تحويل من الداخل إلى الخارج

أحب الرسم بالألوان المائية لأنها تسحب كل الطاقات السلبية الناتجة من أعمالي عن الألم، وكأنها تحويل من الداخل إلى الخارج، لأنها تمنحني الفرح. فهذه الألوان تمتلك شفافية لا يمتلكها الكثيرون من الذين يرسمون بالخيال، وهي تمتد بشفافيتها إلى عنان السماء وإلى السوريالية، وبها صعوبة. فغالبية الفنانين في العالم أجمع، لا يعملون بالألوان المائية لأن أي خطأ بسيط يؤدي إلى تمزيق الورق، إذ لا يمكن تعديل الخطأ، بعكس التعامل مع الألوان الأخرى مثل الزيت والأكريليك.

من المائيات

ما سر النقطة البيضاء التي تقول إنك تحرص على تركها وسط كل لوحة تنجزها؟

الإنسان بشكل دائم إذا فقد الأمل فقد الإيمان، هذه النقطة البيضاء هي الأمل، والغد أجمل من اليوم. النقطة البيضاء عنوان الأمل والراحة النفسية والسلام والحب والعمل الطيب. فالأبيض نفسه بشفافيته يمكن الانطلاق إلى أي مكان، كما أنه مثل الأسود يحمل الألم، ولكن فيه الفرح أيضا، ولذلك إن لم أجد للأبيض مكانا في لوحاتي فإنني أوقع باللون الأبيض.

كيف تجلى تأثير والدك الخطاط والرسام على تجربتك، وهل ما زلت تستحضر هذا الأثر؟ 

عشت مع والدي المشهور بعلي إحسان الخطاط وقد كان رساما وخطاطا، وكنت دائما معه في العطل، وعندما كنت صغيرا علمني خط الرقعة، مع العلم أني كنت أحب الخط الديواني لأن حروفه راقصة، لكنه قال لي قبل أن تتعلم كل هذا، تعلم الرقعة، لأجل أن تكون يدك ثابتة بالقلم، وبعد ذلك أكتب كما تشاء ببقية أنواع الخطوط. وبدأت بالفعل معه ولا يزال موجودا. عندما أمسك القلم وأخط، أشعر بأن الوالد يمسك بيدي ويخط معي. فالوالد معي في كل لمسة قلم.

وهو بالنسبة إلى الرسم، كان يرسم بشكل أكاديمي، وهذا ما تعلمته منه إلى جانب رسم البورتريه، وكان هذا قبل التحاقي بكلية الفنون، لكني تميزت عنه بأني أحلق بالخيال وأحب شعر الغزل.

"الصرخة"

وجوه تصرخ

كيف تنعكس أوضاع بلدك العراق والمآسي الكثيرة التي شهدها في أعمالك؟ 

قضايا العراق والقضية الفلسطينية أيضا أخذت مني حياتي كلها، ومن يوم تخرجي الأكاديمي الى اليوم بقيت قضيتي. هي قضية الإنسان في العراق واستمرار الألم فيه. كنت أرسم كل المآسي التي تدور فيه، وعندما غادرت العراق في العام 1975، كان الموضوع الذي اشتغلت عليه هو "المنظر الطبيعي والخيال" واستخدمت الأهوار العراقية كمثل لذلك، ومنذ ذلك اليوم وأنا أرسم الأهوار، إن بأسلوب التجريد المطلق أو التجريد التعبيري. وعندما أتناول فلسطين يتوقف كل عملي ويبقى الألم الذي يعاني منه إخواننا هو شغلي الشاغل، ففي آخر معرض لي قدمت 12 لوحة واحدة منها طولها سبعة أمتار بارتفاع مترين اسمها "الصرخة"، فيها وجوه تصرخ.

إحسان الخطيب في مرسمه

كيف تنظر إلى الفن العراقي في الوقت الراهن، وهل ساهمت هجرة الفنانين العراقيين في انتشار تجربة الفن العراقي؟

نجح كل الفنانين في الخارج، فالفنانون في العراق مضطهدون ومظلومون، وعندما غادروا العراق فتحت لهم الأبواب وزادت حرية التعبير. نذكر مثلا فيصل لعيبي وصلاح شيرزاد ونعمان هادي وضياء العزاوي وغيرهم، اشتهروا عالميا مع العلم أنها الأعمال نفسها التي كانوا يشتغلونها في العراق، لكن لم يكن هناك إعلام يظهر تجربتهم. مثلا هناك الفنان شاكر حسن آل سعيد الذي كان يعمل في نهاية الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، اشتغل على أسلوب البعد الواحد، وهو فنان صوفي وكانت أعماله مستمدة من الرسوم التي على الجدران يشتغلها بأسلوبه ووفق فلسفته الخاصة.

الفنان الذي يخرج من العراق إلى أي مكان فيه فسحة من الحرية يحقق الشهرة والنجاح فورا

وكان هناك فنان آخر مثله هو الأميركي جاكسون بولوك الذي كان يشتغل على البعد الواحد لكنه أصبح مشهورا أكثر من بيكاسو نفسه، لأنه اشتغل على التجريد المطلق، وشاكر حسن آل سعيد اشتغل أيضا على التجريد المطلق واستلهم البعد الواحد من الجدران المهدمة، وبقي في العراق ومن ثم الأردن ولم تنتشر تجربته، أما الفنان الذي يخرج من العراق إلى أي مكان فيه فسحة من الحرية فيحقق الشهرة والنجاح فورا، فهجرة الفنانين العراقيين إلى دول العالم جعلتهم يرتقون أسلوبا وموضوعا.  

font change