الإعلانات تقتحم عالم الذكاء الاصطناعي... ماذا يعني ذلك؟

من مساعدك الشخصي إلى بائع خفي

 Sara Padovan
Sara Padovan

الإعلانات تقتحم عالم الذكاء الاصطناعي... ماذا يعني ذلك؟

تخيل أن كل ما شاركته مع "تشات جي بي تي" عن صحتك أو مخاوفك أو أدق تفاصيل حياتك لا يبقى حديثا خاصا، بل يتحول إلى مادة لنظام إعلاني بالغ الدقة. هنا لا نتحدث عن تتبع ما تشاهده كما في منصات التواصل، بل عن تحليل ما قلته بنفسك وبإرادتك، بما في ذلك لحظات ضعفك وأسئلتك الأكثر خصوصية. ومع توجه "أوبن أيه اي" لإدخال الإعلانات، يبرز قلق حقيقي من أن تتحول مساحة بنيت على الثقة إلى قناة تسويقية تستثمر أكثر بياناتك حساسية، لتصبح المسألة مرتبطة بملكية التجارب الشخصية لا بمجرد إعلان.

منذ إطلاقه أواخر 2022، قدم "تشات جي بي تي" كبديل مختلف عن الإنترنت التقليدي: لا روابط دعائية ولا تدفق إعلانات، بل مساعد معرفي مباشر يحافظ على سرية البيانات. هذا الغياب للإعلانات كان جزءا أساسا من هويته وعنصرا محوريا في بناء الثقة مع مئات الملايين الذين لجأوا إليه أحيانا لطلب النصيحة وفهم أنفسهم.

لكن في 16 يناير/كانون الثاني الماضي أعلنت الشركة بدء اختبار الإعلانات في الولايات المتحدة ضمن النسخة المجانية والاشتراك المنخفض التكلفة، مع تأكيد فصلها بوضوح عن الإجابات وعدم ظهورها في جوار موضوعات حساسة، ومنح المعلنين مؤشرات عامة دون بيانات فردية. ورغم هذه الضمانات، يمثل القرار تحولا جذريا، إذ يفتح الباب لأول مرة أمام نموذج إعلاني داخل بيئة ذكاء اصطناعي تفاعلية.

فالتحول يتجاوز شركة واحدة. إنه لحظة فاصلة في تطور الإنترنت. فكما أعادت محركات البحث تشكيل الاقتصاد الرقمي حول الإعلانات، قد تعيد أنظمة الذكاء الاصطناعي تشكيله حول الإجابة نفسها. السؤال لم يعد فقط كيف سيجني الذكاء الاصطناعي أرباحه، بل كيف سيؤثر ذلك على طبيعة المعرفة والثقة، وعلى المستخدم الذي قد يكتشف أن أكثر مساحات حياته خصوصية أصبحت أيضا مساحة محتملة للإعلان.

فجوة تمويلية

لفهم خطوة "أوبن أيه اي" نحو إدخال الإعلانات في "تشات جي بي تي"، لا بد من النظر إلى الفجوة الكبيرة بين الإيرادات والمصروفات في قطاع الذكاء الاصطناعي. فرغم أن قيمة الشركة تقدر بنحو 500 مليار دولار، وحققت إيرادات تقارب 20 مليار دولار في 2025، فإن هذه الأرقام تبدو أقل بريقا عند مقارنتها بحجم الالتزامات المالية. إذ تعتزم الشركة إنفاق ما يقارب 1.4 تريليون دولار على البنية التحتية للحوسبة خلال السنوات العشر المقبلة، مع توقع خسائر تراكمية تصل إلى 143 مليار دولار قبل احتمال تحقيق أول أرباح في 2029.

تكشف هذه المعطيات أن نموذج الذكاء الاصطناعي، رغم انتشاره الواسع، لم يصل بعد إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي ماليا. فـ"تشات جي بي تي" يضم أكثر من 800 مليون مستخدم أسبوعيا، ومع ذلك لا تزال الحاجة قائمة إلى مصادر دخل إضافية. ويختلف هذا النموذج جذريا عن شركات الإنترنت التقليدية، فبينما اعتمدت منصات التواصل على محتوى ينتجه المستخدمون بتكلفة محدودة، فإن كل تفاعل مع أنظمة الذكاء الاصطناعي يترتب عليه إنفاق مباشر على الطاقة والمعالجة والبنية التحتية، مما يعني أن زيادة عدد المستخدمين تؤدي إلى ارتفاع التكاليف لا انخفاضها.

لا يمكن فصل هذه الخطوة عن النقاش حول هوية الشركة نفسها. فقد تأسست "أوبن أيه اي" كمؤسسة غير ربحية تهدف إلى تطوير الذكاء الاصطناعي لصالح البشرية

في هذا الإطار، تبدو الإعلانات خيارا مفهوما من الناحية الاقتصادية، حتى وإن شكلت تحولا في فلسفة المنصة. فالتقديرات تشير إلى إمكان تحقيق عائدات سنوية قد تصل إلى 25 مليار دولار في حلول 2030، وهو ما يمثل محاولة لبناء نموذج تمويلي قادر على دعم سباق الذكاء الاصطناعي الطويل الأمد.

كما يعكس القرار حقيقة أوسع مفادها أن الذكاء الاصطناعي أصبح مشروعا عالميا مكلفا على مستوى البنية التحتية. وعلى عكس شركات مثل "غوغل" التي تمول تطوير تقنياتها من أرباح إعلانية قائمة، لا تمتلك "أوبن أيه اي" قاعدة أرباح مماثلة، مما يجعل الإعلانات، التي وصفها سام ألتمان سابقا بأنها خيار أخير، تتحول إلى أداة تمويل أساسية. بالتالي، فإن إدخال الإعلانات لا يمثل مجرد تعديل في نموذج الأعمال، بل هو دليل على أن اقتصاد الذكاء الاصطناعي لا يزال في طور البحث عن استدامة مالية واضحة.

لا يمكن فصل هذه الخطوة عن النقاش حول هوية الشركة نفسها. فقد تأسست "أوبن أيه اي" كمؤسسة غير ربحية تهدف إلى تطوير الذكاء الاصطناعي لصالح البشرية، قبل أن تعتمد لاحقا نموذجا هجينا يسمح بتحقيق أرباح ضمن ضوابط محددة. ومع تصاعد التكاليف والمنافسة، طرحت فكرة التحول إلى كيان ربحي أكثر تقليدية لجذب استثمارات أكبر، ورغم التراجع الجزئي عن ذلك تحت ضغط الانتقادات، فإن تبني الإعلانات يعكس تصاعد الاعتبارات الاقتصادية. فعندما ترتبط استدامة الشركة بإيرادات بمليارات الدولارات سنويا، تتحول الإعلانات من خيار مرفوض إلى ضرورة عملية، بما يشير إلى تحول أعمق في طبيعة المؤسسة من مشروع ذي طابع شبه عام إلى شركة تعمل بمنطق السوق الكامل.

تعديل الاستراتيجيا

المفارقة أن هذا التوجه يتعارض مع مواقف سابقة. ففي مايو/أيار 2024، وصف سام ألتمان فكرة دمج الإعلانات بالذكاء الاصطناعي بأنها مقلقة، وأعرب عن عدم ارتياحه لفكرة الإعلانات. وبعد نحو 20 شهرا، تغير الواقع. فالانتقال إلى الإعلانات لا يعكس فقط تعديلا في الاستراتيجيا، بل يكشف عن تحديات حقيقية تواجه نماذج الأعمال في هذا القطاع. وإذا كانت الشركة الأبرز في مجال "تشات بوت" تتجه إلى هذا الخيار، فمن المرجح أن تحذو شركات أخرى حذوها، مما يعني أننا أمام مرحلة جديدة في اقتصاد الذكاء الاصطناعي تصبح فيها الإعلانات جزءا من القاعدة لا الاستثناء.

AP
سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة "أوبن أيه آي" يتحدث في قمة الذكاء الاصطناعي في الهند

وقد أعلنت الشركة المطورة لـ"تشات جي بي تي" نيتها إدخال الإعلانات إلى المنصة خلال الفترة المقبلة، بالتوازي مع توسيع نطاق اشتراكها المنخفض التكلفة، "جو". وبينما يتم تقديم الخطوة باعتبارها وسيلة لتوسيع الوصول إلى الذكاء الاصطناعي وتقليل الفجوة الرقمية، يثير هذا التوجه موجة من التساؤلات والانتقادات حول تأثير الإعلانات على حيادية المنصة وثقة المستخدمين فيها.

تؤكد الشركة أن هدفها يتمثل في "إتاحة الذكاء الاصطناعي للجميع" وأن الإعلانات ستساعد في تمويل الوصول الأوسع مع تقليل قيود الاستخدام على النسخ المجانية. غير أن منتقدين يرون أن إدخال الإعلانات إلى منصة يعتمد عليها الملايين في مهام تعليمية ومهنية وشخصية حساسة، قد يغير طبيعة العلاقة بين المستخدم والأداة، وينقلها من مساحة معرفية محايدة إلى بيئة تجارية تحمل مصالح متعددة.

تثير فكرة إدخال الإعلانات إلى واجهة حوارية ذكية، مخاوف إضافية تتعلق بطبيعة التفاعل المستقبلي، خصوصا مع الحديث عن تطوير إعلانات تفاعلية يمكن المستخدم أن يطرح عليها أسئلة قبل اتخاذ قرار شراء

ورغم تعهد الشركة بأن الإعلانات لن تؤثر على إجابات نموذج الذكاء الاصطناعي، وبأنها ستكون منفصلة بوضوح عن المحتوى الأساسي، إلا أن خبراء يشيرون إلى أن مجرد وجود محتوى مدفوع داخل سياق محادثة شخصية قد يخلق تأثيرا غير مباشر على سلوك المستخدم، خاصة عندما تكون التوصيات الإعلانية مرتبطة مباشرة بموضوع النقاش. فالفصل التقني بين "الإجابة" و"الإعلان"، لا يلغي احتمال التأثير النفسي أو توجيه الانتباه.

كما يبرز ملف الخصوصية كأحد أكثر الجوانب حساسية في هذه الخطوة. فحتى مع تأكيد الشركة أنها لا تبيع بيانات المستخدمين ولا تشارك المحادثات مع المعلنين، فإن عرض إعلانات مرتبطة بسياق الحديث يطرح تساؤلات حول آلية تحليل المحتوى، وحدود استخدام البيانات، ومدى قدرة المستخدمين فعلا على التحكم الكامل في تخصيص الإعلانات أو تعطيله.

معادلة غير متوازنة

من جهة أخرى، يرى بعض المراقبين أن ربط تقليل القيود بوجود الإعلانات، يضع المستخدم أمام معادلة غير متوازنة، فإما الدفع مقابل تجربة خالية من الإعلانات، أو القبول بمحتوى تجاري داخل محادثاته. ويعتبر هؤلاء أن هذا النموذج قد يعمق الفجوة بين من يستطيع الدفع مقابل تجربة "نقية" ومن يدفع نحو النسخة المدعومة بالإعلانات.

كما تثير فكرة إدخال الإعلانات إلى واجهة حوارية ذكية مخاوف إضافية تتعلق بطبيعة التفاعل المستقبلي، خصوصا مع الحديث عن تطوير إعلانات تفاعلية يمكن المستخدم أن يطرح عليها أسئلة قبل اتخاذ قرار شراء. ويرى منتقدون أن هذا الدمج بين المساعد الذكي والمسوق الرقمي قد يطمس الحدود بين الإرشاد الموضوعي والتوجيه التجاري، حتى وإن تم ذلك تحت مظلة "الشفافية".

ورغم إعلان الشركة أنها لن تعرض إعلانات في جوار موضوعات حساسة مثل الصحة أو السياسة، وأنها ستستثني الحسابات التي يتوقع أن أصحابها دون 18 عاما، فإن تطبيق هذه الضوابط بدقة على نطاق واسع يظل محل وقلف يخضع للاختبار العملي، خاصة في ظل تعقيد تصنيف المحتوى والسياقات الحوارية.

إذا كانت "أوبن أيه اي"، التي قدمت نفسها لسنوات كنموذج أكثر التزاما للمعايير الأخلاقية، قد وصلت إلى هذه المرحلة، فإن السؤال لا يخصها وحدها بل يشمل مستقبل الصناعة بأكملها

تجسد هذا القلق الأخلاقي في استقالة زوي هيتزيغ، الباحثة السابقة في "أوبن أيه اي". ففي مقال رأي نشرته في "نيويورك تايمز"، اعتبرت أن التوجه نحو الإعلانات يغير طبيعة العلاقة بين المستخدم ونظام الذكاء الاصطناعي بشكل خطير.

وأوضحت هيتزيغ أن المستخدمين لا يتعاملون مع "تشات جي بي تي" كمنصة اجتماعية عادية، بل يضعون فيه ثقة كبيرة ويفصحون له عن معلومات شخصية عميقة، تتراوح بين مشكلات صحية ونفسية وأزمات عائلية ومهنية. وفي رأيها، أن إدخال الإعلانات في هذا السياق يخلق تعارضا أساسيا بين مصلحة المستخدم ومصلحة الشركة، ويعيد إنتاج المسار الذي سلكته منصات التواصل الاجتماعي حين بدأت بخدمات متمحورة حول المستخدم ثم انتهت إلى نماذج قائمة على استثمار بياناته. ولم تكن استقالتها مجرد موقف فردي، بل عكست مخاوف أوسع من أن الضغوط المالية قد تدفع الشركة إلى تغليب الاستدامة الاقتصادية على المبادئ التي تأسست عليها.

AFP
شعار "تشات جي بي تي"

كما أن سجل المنصة يتضمن حوادث سابقة، من بينها ظهور عناوين محادثات خاصة لبعض المستخدمين بشكل غير مقصود، إضافة إلى انتقادات في شأن تقديم نصائح غير دقيقة في بعض الحالات. ورغم أن تلك الوقائع لم تكن بدافع تجاري، فإنها أظهرت أن النظام غير معصوم من الخطأ. ومع دخول الإعلانات إلى المعادلة، يبرز تساؤل أكثر حساسية، إذا كانت الأخطاء قد حدثت سابقا دون وجود حافز ربحي مباشر، فما الضمان ألا تتكرر في بيئة أصبح فيها عنصر العائد المالي حاضرا؟ والأهم، هل سيظل الوصول إلى البيانات الحساسة محصورا في الشركة وحدها، أم قد تتوسع دائرة الأطراف المعنية؟

وإذا كانت "أوبن أيه اي"، التي قدمت نفسها لسنوات كنموذج أكثر التزاما للمعايير الأخلاقية، قد وصلت إلى هذه المرحلة، فإن السؤال لا يخصها وحدها بل يشمل مستقبل الصناعة بأكملها. ففي سباق مكلف تحكمه المنافسة الشرسة، قد لا تجد شركات أخرى دافعا قويا للامتناع عن استثمار بيانات التفاعل العميق للمستخدمين. وعندها لا يصبح استخدام هذه البيانات استثناء، بل قاعدة. فالتقنية القادرة على فهم المستخدم بهذا العمق لا تملك فقط القدرة على خدمته، بل أيضا على التأثير في قراراته. ومع ارتباط هذا التأثير بنموذج ربحي، يصبح الحد الفاصل بين المساعدة والاستغلال أكثر هشاشة من أي وقت مضى.

font change