تخيل أن كل ما شاركته مع "تشات جي بي تي" عن صحتك أو مخاوفك أو أدق تفاصيل حياتك لا يبقى حديثا خاصا، بل يتحول إلى مادة لنظام إعلاني بالغ الدقة. هنا لا نتحدث عن تتبع ما تشاهده كما في منصات التواصل، بل عن تحليل ما قلته بنفسك وبإرادتك، بما في ذلك لحظات ضعفك وأسئلتك الأكثر خصوصية. ومع توجه "أوبن أيه اي" لإدخال الإعلانات، يبرز قلق حقيقي من أن تتحول مساحة بنيت على الثقة إلى قناة تسويقية تستثمر أكثر بياناتك حساسية، لتصبح المسألة مرتبطة بملكية التجارب الشخصية لا بمجرد إعلان.
منذ إطلاقه أواخر 2022، قدم "تشات جي بي تي" كبديل مختلف عن الإنترنت التقليدي: لا روابط دعائية ولا تدفق إعلانات، بل مساعد معرفي مباشر يحافظ على سرية البيانات. هذا الغياب للإعلانات كان جزءا أساسا من هويته وعنصرا محوريا في بناء الثقة مع مئات الملايين الذين لجأوا إليه أحيانا لطلب النصيحة وفهم أنفسهم.
لكن في 16 يناير/كانون الثاني الماضي أعلنت الشركة بدء اختبار الإعلانات في الولايات المتحدة ضمن النسخة المجانية والاشتراك المنخفض التكلفة، مع تأكيد فصلها بوضوح عن الإجابات وعدم ظهورها في جوار موضوعات حساسة، ومنح المعلنين مؤشرات عامة دون بيانات فردية. ورغم هذه الضمانات، يمثل القرار تحولا جذريا، إذ يفتح الباب لأول مرة أمام نموذج إعلاني داخل بيئة ذكاء اصطناعي تفاعلية.
فالتحول يتجاوز شركة واحدة. إنه لحظة فاصلة في تطور الإنترنت. فكما أعادت محركات البحث تشكيل الاقتصاد الرقمي حول الإعلانات، قد تعيد أنظمة الذكاء الاصطناعي تشكيله حول الإجابة نفسها. السؤال لم يعد فقط كيف سيجني الذكاء الاصطناعي أرباحه، بل كيف سيؤثر ذلك على طبيعة المعرفة والثقة، وعلى المستخدم الذي قد يكتشف أن أكثر مساحات حياته خصوصية أصبحت أيضا مساحة محتملة للإعلان.
فجوة تمويلية
لفهم خطوة "أوبن أيه اي" نحو إدخال الإعلانات في "تشات جي بي تي"، لا بد من النظر إلى الفجوة الكبيرة بين الإيرادات والمصروفات في قطاع الذكاء الاصطناعي. فرغم أن قيمة الشركة تقدر بنحو 500 مليار دولار، وحققت إيرادات تقارب 20 مليار دولار في 2025، فإن هذه الأرقام تبدو أقل بريقا عند مقارنتها بحجم الالتزامات المالية. إذ تعتزم الشركة إنفاق ما يقارب 1.4 تريليون دولار على البنية التحتية للحوسبة خلال السنوات العشر المقبلة، مع توقع خسائر تراكمية تصل إلى 143 مليار دولار قبل احتمال تحقيق أول أرباح في 2029.
تكشف هذه المعطيات أن نموذج الذكاء الاصطناعي، رغم انتشاره الواسع، لم يصل بعد إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي ماليا. فـ"تشات جي بي تي" يضم أكثر من 800 مليون مستخدم أسبوعيا، ومع ذلك لا تزال الحاجة قائمة إلى مصادر دخل إضافية. ويختلف هذا النموذج جذريا عن شركات الإنترنت التقليدية، فبينما اعتمدت منصات التواصل على محتوى ينتجه المستخدمون بتكلفة محدودة، فإن كل تفاعل مع أنظمة الذكاء الاصطناعي يترتب عليه إنفاق مباشر على الطاقة والمعالجة والبنية التحتية، مما يعني أن زيادة عدد المستخدمين تؤدي إلى ارتفاع التكاليف لا انخفاضها.

