استعادة الديستوبيا في ثلاث روايات مصرية جديدة

حدود المستقبل ترسمها وقائع الحاضر

AFP
AFP
عادت رواية "1984" لجورج أورويل لتتصدر قائمة الأكثر مبيعا على "أمازون" بعد عقود من نشرها، مما دفع الناشر الى طباعة 75 ألف نسخة إضافية

استعادة الديستوبيا في ثلاث روايات مصرية جديدة

منذ أن كتب يفغيني زامياتين روايته "نحن" عام 1920، وبعد أن استلهمها وسار على نهجها الروائي البريطاني جورج أورويل بروايته الأشهر "1984"، أصبح وجود أدب الديستوبيا شائعا ومطروقا ومعترفا به في الآداب على امتداد العالم شرقا وغربا، ولا شك أن كثيرا من التحولات التي تعصف بالكرة الأرضية، لا سيما في السنوات الأخيرة، تدفع الروائيين والكتاب إلى خوض تجربة هذا النوع من الأدب والرواية التي تدور في المستقبل لا باعتبارها وسيلة للتحليق بالخيال ولكنها تأتي سودواية وكئيبة على هذا النحو، كأنها تنذر بما سيكون عليه العالم بعد سنوات.

"أصل الأنواع" لأحمد عبد اللطيف

في روايته التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة الرواية العربية لهذا العام (منشورات حياة 2025)، يرسم الروائي أحمد عبد اللطيف عالما يتداعى ببطء من خلال أبطال روايته الثلاثة الذين يمثلون في مجملهم شريحة منتقاة من الطبقة المتوسطة: رام، المهندس المدني المكلف هدم مقابر في مدينته ويفاجأ بسقوط شعره وتحوله إلى شخص أمرد، يحيى الحافي لاعب كرة القدم الذي يكتشف اختفاء أصابع قدميه فجأة، وسيد باتشان بائع الفاكهة الذي يسعى لأن يعيش حياته بعيدا من المشاكل، لكنه يصبح مرشدا للشرطة في المنطقة ويفاجأ باختفاء أصابع يده وضمور عضوه الجنسي.

تحضر المرأة بقوة في علاقات الثلاثة بطرق مختلفة، ففي الوقت الذي يفتقد فيه رام زوجته المتوفاة نيفين، يسعى الى المزيد من العلاقات النسائية، بل وتتداخل لديه الحقيقة بالخيال في بعض العلاقات بين مريم وفاتن، فيما يسعى الحافي جاهدا إلى الحفاظ على علاقته بخطيبته ليلى ويخشى رد فعلها عندما تعرف ما حدث له.

تحولات السرد

لعل أكثر ما يميز الرواية هو تحولات السرد مع كل فصل يخص أحد أبطال العمل بما يتناسب مع طبيعة تفكير البطل وشخصيته، فعندما يتناول السرد شخصية المهندس رام، يأتي السرد منظما منطقيا بأسباب وأفكار ونتائج، فيما يكون السرد عند شخصية يحيى الحافي لاعب كرة القدم مرتبطا بالبيئة الشعبية التي انطلق منها حيث يذهب إلى إدوارد الطبيب الذي ليس له علاقة بالطب إلا من خلال قراءة كتيبات "طبيبك الخاص"، فيما تذهب به أمه إلى أحد السحرة لاعتقادها أن ما أصابه هو سحر من عمته التي تكرهها. ويتحول السرد مع شخصية الفاكهاني سيد باتشان الذي كان لصا وتحول إلى مخبر صغير، ولكنه يحب "الروقان"، تطربه أم كلثوم وينزعج من أغاني المهرجانات و"الراب"، نتعرف من خلاله الى ذلك العالم الخفي للمسجلين خطر، الذين يسيطرون على شوارع القاهرة، ويجمعون بين الطيبة والخبث والدهاء أحيانا، ولكن ها هو يقع في شر أعماله وتصبح حياته مهددة بعد الاختفاء المفاجئ لأصابعه.

مرثية واضحة لعالم اليوم وما يجري فيه من تحولات وتشوهات تطول الأحياء والأموات على السواء

لا يقتصر الأمر على اختفاء الأطراف وضمور بعض الأعضاء، بل يتطور إلى غياب المشاعر تماما، حتى أن الحافي يجد أمه قد فارقت الحياة فلا يبكي من أجلها ولا يحزن، بل يلحظ بدلا من ذلك انتشار الناس بأعضائهم المبتورة، وتزايد الأشباح الذين يعيشون بكل بساطة في منزله ويعتبرونه غريبا في بيتهم، بل ويبدأ الناس في شراء الأطراف الصناعية ويستبدل الحافي أصابعه بأخرى بلاستيكية، وكذلك تنتشر النهود من القطن والبلاستيك للنساء، لكنهم في المقابل لا يشعرون بقيمة الأشياء بل يفقدون عددا من حواسهم مثل اللمس والتذوق أيضا.

غلاف رواية "أصل الأنواع"

الرواية مرثية واضحة لعالم اليوم وما يجري فيه من تحولات وتشوهات تطول الأحياء والأموات على السواء، وكيف أن كل ادعاء للتطوير هو تدمير بشكل آخر، ليس فقط للمباني والحجارة وإنما لعلاقات الأشخاص بعضهم ببعض، هؤلاء الذين حولتهم السلطة إلى آلات وأدوات ترصد وتراقب وجعلت بعضهم الآخر مجرد باحثين عن النجومية والشهرة والتسليع بكل شكل ممكن، فيما تتلاشى القيم والمبادئ وتختفي الأخلاق وتتفكك الروابط، بما ينذر بالتأكيد بنهايات أشد قتامة وسوادا مما في الرواية.

"في مدينة الذباب" لأحمد عبد المنعم رمضان

في القاهرة يعيش بطل رواية "في مدينة الذباب" (دار الشروق 2026)، دون تحديد لزمن بعينه ولكنه المستقبل كما يظهر من استدعاء لقطات الماضي القريبة (مثل ثورة يناير 2011)، وتحضر تفاصيل الأحياء القاهرية مثل "الزمالك" و"المنيل" وغيرها، يعمل في جهاز سيادي اسمه "الهؤلاء"، يراقب الناس وتحركاتهم ويقدم تقارير يومية إلى مرؤوسيه، يعيش مع زوجته نجوى التي اختارها بعناية بمواضفات جسدية محددة، تبدو حياته عادية ورتيبة حتى يفاجأ بتزايد وجود "الذباب" من حوله، ويرفع بذلك قرارا إلى الجهات العليا التي تسارع الى تنفيذ خطة محكمة للقضاء على الذباب.

غلاف رواية "في مدينة الذباب"

في المستوى المباشر لتلقي العمل، يبدو الذباب بشكل واضح معادلا موضوعيا لكل ما من شأنه أن يزعج السلطة، ولذا يأتي القرار سريعا وحاسما بضرورة التصدي والمواجهة، ولكن الراوي لا يكتفي بذلك بل يستغل ذلك الموقف وتلك الحادثة التي ربما تبدو عادية، إلى شرح وبيان موقف السلطة من الذباب كحشرة صغيرة مزعجة ومن كل ما يزعج، سواء في الماضي أو الحاضر، فتأتي في الرواية الإشارة إلى أن الشباب المعترض على ممارسات ذلك النظام لا يختلف كثيرا عن "الذباب" في إزعاجه وقدرته على التسلل إلى الأماكن الحيوية والسيطرة عليها، وأن القضاء عليه يجب أن يكون بكل سرعة وبأقصى قوة.

مواجهة النظام

يجعل الراوي الحرب مع الذباب نقطة مفصلية في مسيرة حياة بطل الرواية، الذي يكتب يومياته، ويتولى مهمة سرد الأحداث كراو مشارك، إذ تتحول حياة البطل من تلك اللحظة إلى مواجهة غير محسوبة مع "الهؤلاء" تنتهي بأن يودعوه إحدى المصحات النفسية، وهناك يستسلم لرواية أخرى عن حياته يبدو فيها كضحية للنظام مثل العديد من المودعين هناك.

لا تقتصر الرواية على تصوير بطل الرواية في مواجهته مع النظام فحسب، وإنما تمنحه ملمحا إنسانيا مغايرا من خلال علاقة حب تبدو عابرة في البداية مع هند التي يعجب بها البطل ويراقبها حتى يأمر باحتجازها لكي تكون تحت سيطرته، ولكن خططه تتغير عندما يقبض عليه ويساق إلى مستشفى المجانين ليفاجأ بعد فترة بوجودها هناك، ويأخذ خطوات نحوها لم يكن قادرا على القيام بها حينما كان صاحب سلطة وقوة.

يرتاح بطل الرواية لوجوده في المصحة، ويرفض في النهاية حتى بعد تقدم الحشود نحوه، أن يخرج من ذلك المكان الذي استطاع أن تكون له فيه حالة خاصة منعزلة ومختلفة تماما عن عالمه الذي تركه رغم منصبه السيادي وموقعه المهم.

تطرح الرواية قضية الحرية والهوية، وعلاقة الفرد بالسلطة الكبرى، وكيف تحول تلك السلطة أفرادها إلى أدوات تنفذ ما يطلب منها

هكذا تطرح الرواية قضية الحرية والهوية، وعلاقة الفرد بالسلطة الكبرى، وكيف تحول تلك السلطة أفرادها إلى أدوات تنفذ ما يطلب منها، وكيف أن كل ذلك لا يمكن أن يمنع في النهاية من تسرب أقل الحشرات وأكثرها تفاهة لكي تقضّ في النهاية كل هذا البنيان مهما بدا متماسكا وصلبا، كما تطرح بشكل واضح عواقب إحكام سيطرة القوة والهيمنة في الوقت الذي تسخر فيه من أدوات السلطة ومحاولاتها التي تبدو في كثير من الأحيان عبثية بامتياز.

 في النهاية، تبدو رواية أحمد عبد المنعم على ما فيها من كابوسية، حالمة أيضا، إذ تنتهي بذلك الحشد الجماهيري الذي يسعى لاقتحام الأسوار، حتى أن عدم انضمام بطل الرواية اليهم يشير بشكل واضح إلى تماهيه مع السلطة السابقة حتى لو ضاعت هويته في مكان آخر، إلا أنه لا يزال عاجزا عن المواجهة والتغيير الذي يتم رغما عنه.

"الاستخدامات الشعبية لآلة الزمن" لخالد أحمد

من مكان آخر، ينطلق خالد أحمد في روايته هذه (دار المصري 2026) حيث عالم التطبيقات الإلكترونية وسيطرة التكنولوجيا على عالم اليوم، والسعي الحثيث لمعرفة المستقبل واختراق حواجز الزمن. يجد أحد الأشخاص نفسه أمام جهاز يمكنه سؤاله عن أي شيء يتعلق بحياته ومستقبله وسيجد الإجابة. يتعلم الناس تلك الطرق بسرعة ويسعون لتحقيق المكاسب من خلالها، يكتبون ما يريدون الوصول إليه في المربع المخصص ويجيبون عن الأسئلة، فتبدأ الآلة في اقتراح مسارات على شكل نصوص، وبمجرد الضغط على أي من هذه المسارات يتم عرض فيديو قصير لمسيرة الشخص بعد اتخاذ القرار. هكذا تقدم الآلة نصائحها للمستخدم بتحديد الأهداف والقرارات حتى يتمكن من الوصول إلى نتائج أكثر دقة.

غلاف رواية "الاستخدامات الشعبية لآلة الزمن"

لا يحدد خالد أحمد زمانا لروايته، ولكن يبدو أنها في المستقبل أيضا، إذ نكتشف من تفاصيل الرواية أن التكنولوجيا أصبحت متاحة لكل الطبقات وكل الفئات بما فيها الأكثر فقرا، بل لقد وصلت إلى السائقين والمكوجية وعمال مغاسل السيارات والترزية وغيرهم من البسطاء، وأصبح هناك ما يسمى بشركات "تكنولوجيا مالية"، ويبدو أن هناك مسؤولين في هذه الشركات الكبرى يريدون التحكم بما يصل إلى عامة الناس كي لا يفلت الزمام منهم، وحتى تبقى زيادة الثروة حكرا على فئة بعينها، وذلك من خلال سن قوانين جديدة تحدد لهم ما يمكن أن يفعلوه ويكسبوه من أموال.

مفتتحات شعرية

يقسم الكاتب الرواية ثلاثة فصول، يفتتح كل فصل بمقطع شعري دال، ففي الأول "القطارات ترحل فوق قضيبن: ما كان ما سيكون"، وكأنه منذ البداية يشير إلى أن أحداث الرواية تقوم على ما هو قائم بالفعل في عالم اليوم، وهو ما سيلحظه القارئ في التفاصيل العادية التي يحرص السارد على ذكرها، وكأن تفاصيل الحياة اليومية لا تزال قائمة سواء في علاقات اناس بعضهم ببعض أو الرغبة في الثراء السريع ومحاولات الهجرة والسفر، وحتى محاولات السلطة للسيطرة.

يبدأ الفصل الثاني بعبارة "لأنك كنت... كما لم تكن/ ونازع فيك الوجود العدم"، في إشارة الى الدور المهم الذي سيقوم به بطل الرواية هادي سعيد بعد معرفته بأمر جهاز "الآلة الشخصية لنمذجة الوقت"، ومحاولة المسؤولين فرض سيطرتهم على الموضوع بعد ذلك، وذلك من خلال مجموعات من الخبراء التابعين للدولة بكل الطرق الممكنة، حتى لو وصل الأمر إلى قطع الإنترنت عن البلد كله، بل وتوصية بعض دول العالم بأن تفعل ذلك أيضا.

يصدر الكاتب الفصل الثالث من الرواية بأوراق أبي نواس لأمل دنقل التي يأتي فيها "إنه الذهب المتلألئ في كل عين، إن تكن كلمات الحسين وسيوف الحسين... سقطت دون أن تنقذ الحق من ذهب الأمراء، أفتقدر أن تنقذه ثرثرة الشعراء؟"، وكأنه يشير إلى أن كل محاولات البسطاء إلى إحكام السيطرة والتغلب على الأنظمة العالمية سوف تبوء بالفشل، وهو ما يتناوله هذا الفصل.

هكذا استطاعت الرواية أن تقدم تصورا ديسوتبيا مختلفا للعالم وفق تطور وتحولات التقنيات الإلكترونية والتكنولوجيا والبرامج والتطبيقات حول العالم

لا تقوم الرواية على البناء التقليدي المعتاد للشخصيات والأحداث، وإنما تعتمد أسلوب المقاطع القصيرة التي تجمع بينها الفكرة العامة، وعرض الشخصيات بشكل عام من خلال دورها في الرواية والأحداث، وقد استطاع خالد أحمد أن يجعل الرواية شيقة ومترابطة، خاصة أنها تتماس في كثير من أجزائها بل وفقراتها مع حياة الناس اليوم وما تقوم به بعض الحكومات العربية من فرض السيطرة سواء على الإنترنت أو المواقع والتطبيقات الإلكترونية أو المؤثرين وغير ذلك.

shutterstock
رجل يرتدي قناعا واقيا من الغاز في أرض قاحلة، كتجسيد بصري لعالم ديستوبي

هكذا استطاعت الرواية أن تقدم تصورا ديسوتبيا مختلفا للعالم وفق تطور وتحولات التقنيات الإلكترونية والتكنولوجيا والبرامج والتطبيقات حول العالم، وأن تصور كذلك كيفية تعامل السلطات في كل زمان ومكان مع تلك البرامج وكيف تسعى للسيطرة أيضا، كما أن انتشار مثل تلك البرامج والتطبيقات سيدفع الكثيرين إلى الثراء السريع من جهة، وربما يدفعنا إلى الهاوية على نحو أسرع.

.

font change

مقالات ذات صلة