منذ أن كتب يفغيني زامياتين روايته "نحن" عام 1920، وبعد أن استلهمها وسار على نهجها الروائي البريطاني جورج أورويل بروايته الأشهر "1984"، أصبح وجود أدب الديستوبيا شائعا ومطروقا ومعترفا به في الآداب على امتداد العالم شرقا وغربا، ولا شك أن كثيرا من التحولات التي تعصف بالكرة الأرضية، لا سيما في السنوات الأخيرة، تدفع الروائيين والكتاب إلى خوض تجربة هذا النوع من الأدب والرواية التي تدور في المستقبل لا باعتبارها وسيلة للتحليق بالخيال ولكنها تأتي سودواية وكئيبة على هذا النحو، كأنها تنذر بما سيكون عليه العالم بعد سنوات.
"أصل الأنواع" لأحمد عبد اللطيف
في روايته التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة الرواية العربية لهذا العام (منشورات حياة 2025)، يرسم الروائي أحمد عبد اللطيف عالما يتداعى ببطء من خلال أبطال روايته الثلاثة الذين يمثلون في مجملهم شريحة منتقاة من الطبقة المتوسطة: رام، المهندس المدني المكلف هدم مقابر في مدينته ويفاجأ بسقوط شعره وتحوله إلى شخص أمرد، يحيى الحافي لاعب كرة القدم الذي يكتشف اختفاء أصابع قدميه فجأة، وسيد باتشان بائع الفاكهة الذي يسعى لأن يعيش حياته بعيدا من المشاكل، لكنه يصبح مرشدا للشرطة في المنطقة ويفاجأ باختفاء أصابع يده وضمور عضوه الجنسي.
تحضر المرأة بقوة في علاقات الثلاثة بطرق مختلفة، ففي الوقت الذي يفتقد فيه رام زوجته المتوفاة نيفين، يسعى الى المزيد من العلاقات النسائية، بل وتتداخل لديه الحقيقة بالخيال في بعض العلاقات بين مريم وفاتن، فيما يسعى الحافي جاهدا إلى الحفاظ على علاقته بخطيبته ليلى ويخشى رد فعلها عندما تعرف ما حدث له.
تحولات السرد
لعل أكثر ما يميز الرواية هو تحولات السرد مع كل فصل يخص أحد أبطال العمل بما يتناسب مع طبيعة تفكير البطل وشخصيته، فعندما يتناول السرد شخصية المهندس رام، يأتي السرد منظما منطقيا بأسباب وأفكار ونتائج، فيما يكون السرد عند شخصية يحيى الحافي لاعب كرة القدم مرتبطا بالبيئة الشعبية التي انطلق منها حيث يذهب إلى إدوارد الطبيب الذي ليس له علاقة بالطب إلا من خلال قراءة كتيبات "طبيبك الخاص"، فيما تذهب به أمه إلى أحد السحرة لاعتقادها أن ما أصابه هو سحر من عمته التي تكرهها. ويتحول السرد مع شخصية الفاكهاني سيد باتشان الذي كان لصا وتحول إلى مخبر صغير، ولكنه يحب "الروقان"، تطربه أم كلثوم وينزعج من أغاني المهرجانات و"الراب"، نتعرف من خلاله الى ذلك العالم الخفي للمسجلين خطر، الذين يسيطرون على شوارع القاهرة، ويجمعون بين الطيبة والخبث والدهاء أحيانا، ولكن ها هو يقع في شر أعماله وتصبح حياته مهددة بعد الاختفاء المفاجئ لأصابعه.



