سوريا والحرب في إيران... تضامن عربي صريح وإجراءات فورية لحماية الحدود

مواجهة مباشرة مع أذرع إيران في المنطقة

أ.ف.ب.
أ.ف.ب.
العلم السوري في وسط العاصمة دمشق، 4 يونيو 2025

سوريا والحرب في إيران... تضامن عربي صريح وإجراءات فورية لحماية الحدود

تتعامل الحكومة السورية بحذر شديد مع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران التي انطلقت يوم السبت 28 فبراير/شباط الفائت، هذا الحذر تُرجم بإجراءات أمنية مكثفة في المناطق الحدودية مع العراق ولبنان، وعبر اتصالات مكثفة أجراها الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير خارجيته أسعد الشيباني مع قادة الدول العربية ودول الجوار.

الحكومة السورية سمعت أكثر من مرّة رسائل حول تصعيد كبير في المنطقة من جانب المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك وقائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، هذه الرسائل كانت في سياق ضرورة التوصل مع "قسد" إلى اتفاق وإنهاء حالة التشرذم الجغرافي شرق الفرات. الجانب الأميركي أكد عدّة مرات للحكومة السورية وقائد "قوات سوريا الديمقراطية" مظلوم عبدي أن المنطقة مقبلة على حرب كبيرة، وأن واشنطن لا تريد لسوريا أن تكون منطلق فوضى تعقّد تلك الحرب أو تؤثر على سرعة واشنطن في تحقيق أهدافها.

وبحسب معلومات "المجلة"، فإن قادة في الحكومة السورية استشعروا قرب الحرب مع انسحاب القوات الأميركية من سوريا نحو العراق، ونقل مساجين "داعش" من السجون السورية إلى سجون في العراق. الإجراءات السريعة التي قامت بها الولايات المتحدة الأميركية تعكس قلق واشنطن من أن تتعرض قواعدها في سوريا لهجمات توقع في صفوف قواتها ضحايا وأن تسبب حالة الفوضى فراغاً أمنياً يسمح للميليشيات الإيرانية أو "داعش" بالتمدد أكثر في المنطقة، وذلك في ظل الضعف العسكري الجوي (القدرة على الاعتراض) لدى الحكومة السورية، التي فقدت غالبية قدراتها العسكرية نتيجة مئات الغارات الإسرائيلية على المواقع العسكرية السورية خلال الأيام الأولى من سقوط نظام الأسد.

إضافة إلى أن سوريا لم تكن تملك أي قدرات متقدمة قادرة على اعتراض الصواريخ والهجمات الإيرانية، كما أن إمكانية وجود خلايا تابعة لإيران في الأراضي السورية زاد مخاوف واشنطن من تعرض قواتها لهجمات من داخل الأراضي السورية ومن مسافة قريبة.

ومع قيام إيران توسيع ساحة الحرب، من خلال دفع الميليشيات التابعة لها في العراق للمشاركة في تنفيذ هجمات ضد القواعد الأميركية في العراق وأربيل، وبدء طهران استهداف دول مجلس التعاون الخليجي والأردن، قامت الحكومة السورية بإجراءات احترازية في المناطق الحدودية فورا، إضافة إلى إعلانها الوقوف مع الدول العربية وإدانة الهجمات الإيرانية لهم، وجاء ذلك بشكل صريح في بيان وزارة الخارجية السورية يوم السبت 28 فبراير/شباط الماضي، الذي أكدت فيه إدانتها الشديدة "الاعتداءات الإيرانية التي استهدفت سيادة وأمن كل من المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، ودلة قطر، ودولة الكويت، والمملكة الأردنية الهاشمية"، مضيفة أن سوريا "تعرب عن تضامنها الكامل مع الدول الشقيقة التي تعرضت لهذه الاعتداءات".

معلومات "المجلة" تقول إن الحكومة السورية أكدت لكل من العراق، ولبنان، وكردستان العراق، أن الحكومة السورية أرسلت تعزيزات إلى المناطق الحدودية مع العراق ولبنان لضبط الأمن، وأن سوريا لن تدخر أي جهد لوقف أي عملية نقل سلاح أو مقاتلين عبر أراضيها، وشددت الحكومة السورية أن سوريا لا تريد أن يتم استخدام أراضيها لتنفيذ أي اعتداءات.

إمكانية وجود خلايا تابعة لإيران في الأراضي السورية زاد مخاوف واشنطن من تعرض قواتها لهجمات من داخل الأراضي السورية ومن مسافة قريبة

تحشيدات على الحدود لمنع تحولها لممر دعم

بدأت الحكومة السورية يوم السبت 28 فبراير/شباط إرسال تعزيزات إلى الحدود السورية-اللبنانية، والحدود السورية-العراقية، التعزيزات بدأت بإرسال مجموعات من وزارتي الدفاع والداخلية إلى الحدود مع لبنان، والتعليمات كانت واضحة، ضبط الحدود، ومنع أي عملية تهريب للسلاح أو الأشخاص من سوريا إلى لبنان والعكس.

المخاوف السورية تأتي من إمكانية وصول أسلحة مخبأة في سوريا لـ"حزب الله" اللبناني عبر الحدود، أو أسلحة من "الحزب" إلى مجموعات تعمل معه في سوريا بهدف شن هجمات من الأراضي السورية نحو إسرائيل أو القواعد الأميركية. كما تجلت المخاوف السورية من تهريب سوريين يتعاملون مع "حزب الله" إلى لبنان للانضمام إلى "الحزب" في عمليات قتالية محتملة في حال تطورت الحرب في لبنان بين "حزب الله" اللبناني وإسرائيل.

رويترز
سوريون مقيمون في لبنان ينتظرون أمام إدارة الهجرة والجوازات التابعة لوزارة الداخلية، على الحدود السورية اللبنانية، أثناء عودتهم إلى سوريا بعد بدء الحرب بين حزب الله واسرائيل، في 3 مارس 2026

مصادر أمنية أكدت لـ"المجلة" أنه على الرغم من صعوبة ضبط الحدود، فإن الحكومة السورية خلال الأيام الثلاثة الأولى أرسلت آلاف العناصر إلى المناطق الحدودية، وأسلحة دفاعية لمنع أي محاولات لـ"حزب الله" باستخدام الحدود لزعزعة الأمن وزج سوريا في دوامة الحرب القائمة. كما فعّلت وزارتي الدفاع والداخلية الجاهزية القصوى، وعززت وجودها في الجنوب السوري من الناحية الأمنية والاستخباراتية لمنع استغلال المنطقة القريبة من إسرائيل لشن هجمات من شأنها إدخال سوريا في حالة من الحرب والفوضى التي لا تخدم سعي الحكومة لضبط الأمن والاستقرار.

المخاوف السورية تأتي من إمكانية وصول أسلحة مخبأة في سوريا لـ"حزب الله" اللبناني عبر الحدود، أو أسلحة من "الحزب" إلى مجموعات تعمل معه في سوريا بهدف شن هجمات من الأراضي السورية نحو إسرائيل أو القواعد الأميركية

على الحدود العراقية كانت وتيرة وصول التعزيزات أقل خلال الأيام الماضية، وذلك لأن المنطقة في الأصل تكتظ بقوات الأمن الداخلي ووزارة الدفاع التي تم استقدامها في سياق ضبط الأمن ومحاربة خلايا "داعش"، مهمة هذه القوات اليوم مركبة، هي تتابع وتواجه خلايا "داعش" وتفكك قدراته، وتحرس الحدود السورية-العراقية لمنع تسلل الميليشيات العراقية التابعة لإيران، أو محاولة إدخال أسلحة للخلايا في سوريا أو محاولة تمريرها إلى "حزب الله" اللبناني. وبحسب معلومات "المجلة" فإن التنسيق الأمني تم تكثيفه بين الحكومات السورية والعراقية واللبنانية، كما أن عمليات التبادل الاستخباراتي بين الأطراف زادت خلال الأيام الماضية في محاولة لمنع التصعيد أكثر في المنطقة، خصوصا وأن إيران تعتمد على الفوضى للضغط على المجتمع الدولي لإنهاء الهجمات الأميركية-الإسرائيلية عليها. 

أ.ف.ب
يتفقد جنود حفظ السلام التابعون للأمم المتحدة حطام صاروخ إيراني تم اعتراضه من قبل الدفاعات الاسرائيلية في ريف القنيطرة جنوب سوريا، قرب هضبة الجولان في 28 فبراير 2026

مجموعة "المقاومة الإسلامية في سوريا-أولي البأس"، التي تنشط في الجنوب السوري بشكل رئيس، أعلنت يوم السبت 28 فبراير/شباط أنها لن تقف مكتوفة الأيدي، ودعت "المقاومين والشرفاء في كل مكان إلى تحمل مسؤولياتهم التاريخية... كل وفق موقعه وإمكاناته، وباجتهاد شخصي وواع، والتنسيق مع الفعاليات والمرجعيات العليا حين توفر الإمكانية"، هذا الإعلان والدعوة يدلان على رغبة المجموعات التابعة لإيران في خلق فوضى كبيرة من خلال ترك الأمر وطبيعة التحرك للأفراد والمجموعات. المجموعة نفسها تبنّت يوم الاثنين 2  مارس/آذار هجوما على قاعدة الشدادي التي أخلتها القوات الأميركية قبل أسابيع، الهجوم رغم أنه لم يكن استهدافا مباشرا للمصالح الأميركية، فإنه يأتي في سياق محاولة المجموعة تشجيع أي شخص أو مجموعة تعمل وتخدم المصالح الإيرانية في سوريا للتحرك.

عامل آخر يشير إلى أن الميليشيات التابعة لإيران تريد زجّ المنطقة في حالة فوضى، وهو عودة اسم "المقاومة الإسلامية في العراق" إلى الواجهة بعد خمود لأكثر من عام

عامل آخر يشير إلى أن الميليشيات التابعة لإيران تريد زجّ المنطقة في حالة فوضى، وهو عودة اسم "المقاومة الإسلامية في العراق" إلى الواجهة بعد خمود لأكثر من عام، هذه المجموعة يغلب الظن أنها مظلّة وهمية أو غرفة عمليات وهمية، الهدف منها تبنى أي هجوم يتم من قبل المجموعات المنظمة وغير المنظمة في العراق، وذلك في سبيل عدم تعريض هذه المجموعات للخطر في حال تبنّت الهجمات باسمها الحقيقي. في سوريا خلال السنوات الماضية كانت هناك غرفتان لتبني الهجمات ضد قواعد التحالف الدولي و"قسد"، المجموعتان هما "المقاومة الشعبية" و"المقاومة الإسلامية"، ونشطت بياناتها في الفترة التي شهدت توترا واشتباكات بين العشائر العربية و"قسد" والتي اندلعت بعد اعتقال "قسد" لرئيس مجلس دير الزور العسكري أحمد الخبيل (أبو خولة) في أغسطس/آب عام 2023. وقد تكون مجموعة "المقاومة الإسلامية في سويا-أولي البأس" هي المظلة الجديدة لتبني أي هجمات قد ينفذها الأفراد الذين ما زالوا على تواصل مع الميليشيات الإيرانية في العراق ولبنان، إضافة إلى الهجمات التي يمكن أن تنفذها المجموعة نفسها.   

الحكومة السورية تدرك المرحلة الصعبة التي تمر بالمنطقة، وتتعامل بحذر معها ميدانيا، وتقف مع الدول العربية سياسيا في مواجهة العدوان الإيراني عليها، إلا أنه وفي الوقت نفسه تدرس كل الخيارات العسكرية والأمنية في حال تعقدت الحرب أكثر، وبدأت أذرع إيران بتشكيل تهديد مباشر على سوريا وأمنها في محاولة لزجّ سوريا في نار الحرب الحاصلة. ويبقى السؤال الأبرز في المرحلة القادمة هو هل ستبقى مهمة التحشيدات السورية على الحدود السورية العراقية واللبنانية محصورة في حفظ الحدود، أم إنها قد تتحول في مرحلة ما إلى مهمة الدفاع عن أمن سوريا في مواجهة مباشرة مع أذرع إيران في المنطقة؟

font change

مقالات ذات صلة