الحرب على إيران تخسر معركة مهمة في الداخل الأميركي

حين لا تصنع الحرب إجماعا

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة أمام أفراد البحرية على متن حاملة الطائرات "يو إس إس جورج واشنطن" في قاعدة يوكوسوكا البحرية، 28 أكتوبر 2025

الحرب على إيران تخسر معركة مهمة في الداخل الأميركي

ألمح الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى أن الحرب على إيران قد تنتهي قريبا، قائلا إن الولايات المتحدة باتت متقدمة كثيرا على الجدول الزمني، وأن العمليات العسكرية الأميركية المشتركة مع إسرائيل شارفت على الإنجاز. لكن البنتاغون بعث، وفي اليوم نفسه، برسالة مغايرة تماما، فنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي عبارتين قويتين: "لا رحمة"، و"لقد بدأنا القتال للتو".

وإذا بدت رسائل إدارة ترمب بشأن الحرب على إيران ملتبسة ومربكة، فمن المهم التذكير بأن هذا هو المقصود أصلا. فاختلاط الرسائل وتناقض النبرة أمر متعمد، وليس مجرد نتيجة ارتباك أو ضعف في الكفاءة. وجانب أساسي من الاتصالات الاستراتيجية على الطريقة الترمبية يقوم على إبقاء الجميع في حال تخمين دائم، العالم كله، حلفاء وخصوما على السواء، سعيا إلى كسب أفضلية عبر إرباك الجميع برسائل متناقضة، تبقي الأضواء مسلطة عليه وحده.

وينسجم هذا النهج، الذي يبدو كأنه فوضى محسوبة، مع القالب الذي اعتمده فريق ترمب في الأسابيع التي سبقت الحرب، حين طرح سلسلة واسعة من المبررات لها، تراوحت بين تغيير النظام، وحماية الشعب الإيراني، والتعامل مع البرنامج النووي، والتصدي لخطر الصواريخ الباليستية.

غير أن لهذا الأسلوب كلفته المتراكمة، إذ يقيّد قدرة الإدارة على بناء تأييد أميركي ثابت للعمل العسكري، في ظل افتقار الحملة إلى هدف جامع ورسالة مركزية واضحة. وهذا التأييد الشعبي ضروري لنيل موافقة الكونغرس على تمويل إضافي تحتاجه واشنطن لتعويض الأسلحة التي استهلكها هذا النزاع.

ضعف التأييد الشعبي الأميركي للحرب على إيران في أيامها الأولى

مع دخول الحرب أسبوعها الثاني، يبدي معظم الأميركيين اعتراضهم على الطريقة التي أدارها بها ترمب. فقد أظهر أحدث استطلاع أجرته "NPR" و"PBS News" و"Marist" أن 56 في المئة من الأميركيين يعارضون الحرب على إيران، في مقابل 44 في المئة أعربوا عن تأييدهم لها. ولم يعرب سوى 36 في المئة فقط من الأميركيين عن موافقتهم على طريقة تعامل ترمب مع إيران.

وتبدو هذه الأرقام متدنية جدا إذا قيست تاريخيا بمستوى الرأي العام الأميركي عند انطلاق الحملات العسكرية. فقد حظيت حربا العراق وأفغانستان في العقد الأول من الألفية، وكذلك الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في العقد الثاني منها، بدعم أغلبية الأميركيين عند بدايتها، وإن تراجع ذلك التأييد بمرور الوقت، مع ارتفاع كلفة تلك الحروب في أرواح الأميركيين وأموال دافعي الضرائب.

وعادة ما يسعى الرؤساء الأميركيون إلى بناء إجماع وطني يوحد البلاد في زمن الحرب، لكن ترمب لا يتحرك على هذا النحو. فقد استغل خطاب "حالة الاتحاد" الشهر الماضي لتعميق الانقسام داخل البلاد في طيف واسع من القضايا الداخلية والخارجية، ولم يأت على ذكر إيران إلا لماما في ختام خطاب طويل.

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر صحافي بعد اجتماع في نادي مارالاغو التابع لترمب في بالم بيتش، فلوريدا، الولايات المتحدة، في 29 ديسمبر 2025

عادة ما يسعى الرؤساء الأميركيون إلى بناء إجماع وطني يوحد البلاد في زمن الحرب، لكن ترمب لا يتحرك على هذا النحو

وفوق ذلك، لطالما ولّد دخول أميركا أي نزاع في أيامه الأولى نزعة تعرف باسم الالتفاف حول العلم، حيث يميل الأميركيون إلى إظهار الدعم للقوات الأميركية وهي تواجه الخطر. على أن ذلك لم يحدث في الأيام الأولى من الحرب على إيران، وقد يكون هذا من الأسباب التي تدفع الرئيس ترمب وفريقه إلى الإيحاء بأنهم يفضلون إنهاءها عاجلا لا آجلا. ومع بقاء أقل من تسعة أشهر على انتخابات التجديد النصفي، فإن آخر ما تريده إدارة ترمب هو مزيد من التآكل في التأييد الشعبي للرئيس، وهو تأييد كان قد هبط إلى أدنى مستوياته حتى قبل اندلاع هذه الحرب غير الشعبية، إذ يبدي ستة من كل عشرة أميركيين عدم رضاهم عن أدائه العام.

ويبرز عبء سياسي محتمل قد تفرضه هذه الحرب على ترمب، يتمثل في خطر أن تقود القفزة في أسعار الوقود، الناجمة عن الحرب على إيران، إلى مزيد من إضعاف نظرة الأميركيين إلى طريقته في إدارة الاقتصاد وكبح التضخم، وهما الملفان اللذان لا يزالان في صدارة اهتمامات الناخب الأميركي. وقد أظهر استطلاع أجرته "رويترز/إبسوس" خلال الأسبوع الماضي أن 67 في المئة من الأميركيين يتوقعون ارتفاع أسعار الوقود بعد الضربات على إيران. وتبرز نقطة ضعف أخرى في هذه الحرب، تتمثل في احتمال سقوط مزيد من الجنود الأميركيين في القتال.

ومع ذلك، فإن لدى ترمب عاملا يصب في مصلحته داخل المعادلة السياسية الداخلية المرتبطة بإيران، وهو أن قاعدته السياسية الصلبة تؤيد قراره الذهاب إلى الحرب. فقد أظهر استطلاع آخر نُشر في الأسبوع الأول من الحرب أن 84 في المئة من ناخبي ترمب، وبينهم 94 في المئة من المحافظين الذين يعرفون أنفسهم بأنهم من أنصار "MAGA"، أي شعار "لنجعل أميركا عظيمة مجددا". يوافقون على قرار الرئيس ترمب إصدار أوامر بتوجيه ضربات أميركية إلى إيران.

أ.ف.ب.
لحظة اندلاع حريق في مستودع نفطي في العاصمة الإيرانية طهران

 

قد يكون عدم شعبية قرار الحرب من الأسباب التي تدفع الرئيس ترمب وفريقه إلى الإيحاء بأنهم يفضلون إنهاءها عاجلا لا آجلا

ويعكس هذا الولاء لأجندة ترمب داخل قاعدته السياسية الكيفية التي يسانده بها أنصاره في معظم القضايا الأخرى أيضا. غير أن الصورة الأوسع تستدعي التوقف عند حقيقة مغايرة، وهي أن حدة هذا التأييد داخل معسكره تحجب مشهدا أشمل يتصدره رفض غالبية الأميركيين لطريقة تعامله مع إيران، ومع معظم الملفات الأخرى كذلك. أما الديمقراطيون، فعلى الرغم من أنهم يقفون في معارضتهم لهذه الحرب ضمن صف واحد إلى حد بعيد، فإنهم اكتفوا في الغالب بتوجيه الانتقادات من دون طرح بدائل استراتيجية واضحة.

وفي هذا السياق السياسي الداخلي، يبدو قرار ترمب خوض الحرب على إيران إلى جانب إسرائيل، من دون جهد يذكر لبناء توافق شعبي واسع، رهانا محفوفا بالمخاطر. وهو امتداد لقراره إشعال الحرب بالتنسيق مع إسرائيل من غير تعاون وثيق ولا دعم كاف من شركاء إقليميين آخرين، ولا سيما حلفاء واشنطن العرب الرئيسين، مثل السعودية وقطر والإمارات ومصر والأردن.

وفي المحصلة، فإن موقف الرأي العام الأميركي من الحرب على إيران سيتحدد تبعا لما يجري على الأرض. وقد تنتهي النجاحات التكتيكية التي تحققت في ساحة المعركة، عبر تصفية كبار قادة النظام الإيراني في اليوم الأول، إلى أن تكون ذروة ما أمكن إحرازه، ما لم تقدم إدارة ترمب للأميركيين غاية نهائية أوضح لهذه الحرب. وكلما طال أمدها، ازدادت كلفتها السياسية على ترمب وتعاظمت مخاطرها عليه.

font change