التحول المعرفي في "ماذا لو كنت مخطئا؟" لعبدالله الغذامي

الخطاب النقدي بين المركز والهامش

المفكر والناقد السعودي عبدالله الغذامي

التحول المعرفي في "ماذا لو كنت مخطئا؟" لعبدالله الغذامي

يعد المفكر والناقد السعودي عبدالله الغذامي واحدا من أبرز الأسماء التي أسهمت في تشكيل الوعي النقدي في الفضاء الثقافي العربي خلال العقود الأخيرة، إذ أمضى سنوات طويلة في التدريس والبحث، وشارك في بناء جيل من الدارسين والمهتمين بالنظرية الأدبية والدراسات الثقافية، مما منح مشروعه صرامة منهجية واضحة، وأكسبه في الوقت ذاته قدرة على التواصل مع التحولات الفكرية العالمية ومواكبتها.

مر الغذامي بمراحل فكرية متعددة، بدأ اهتمامه بالنظرية النقدية وتحليل الخطاب، ثم توسع نحو دراسات المرأة واللغة، قبل أن يكرس جهدا واسعا في النقد الثقافي والدراسات البصرية، وصولا إلى اشتغاله على الأسئلة الفلسفية المرتبطة بالحرية والإيمان والعقل، مما يعكس ذهنية بحثية ترى الثقافة شبكة مترابطة، وتتعامل مع النصوص بوصفها ظواهر اجتماعية وفكرية تتجاوز حدود الأدب إلى مجالات أرحب.

ضمن هذا السياق يأتي كتابه الجديد، "ماذا لو كنت مخطئا؟"، الصادر عن المركز الثقافي العربي في المغرب (2025)، امتدادا لمسيرة مفكر اعتاد مراجعة أدواته وتوسيع أفق رؤيته. مسيرة تتغذى من التجربة الأكاديمية ومن الاحتكاك الدائم بأسئلة المجتمع، وتؤكد أن الفكر رحلة متجددة عبر الزمن. يتجه الكتاب نحو إعادة تأسيس العلاقة بين الذات والحقيقة، ومنذ العنوان يفتح المؤلف بابا على سؤال مقلق ومغر في آن، سؤال يهز يقين الكاتب والقارئ معا، ويضع المعرفة في موضع مساءلة دائمة.

يضع المؤلف القارئ في مواجهة مفهوم جديد للخطأ، بوصفه أداة لتحرير الفكر من استبداد التصور الواحد

يتوزع الكتاب على فصول تنسج خيطا واحدا: الشك بوصفه قيمة أخلاقية ومعرفية، ومسارا لتطهير الفكر من غواية الوثوق المطلق. وتكشف صفحاته عن نزعة تأملية عميقة تصغي إلى التجربة الشخصية، وتحولها إلى مختبر لفحص آليات الاعتقاد ومواطن العمى في الرؤية النقدية.

تفكيك سلطة اليقين

يحمل عنوان الكتاب طاقة استفهامية تتجاوز دلالته النحوية، فصيغة السؤال هنا تمارس وظيفة مزدوجة: زعزعة مركزية الأنا المفكرة، وفتح المجال أمام إمكانات متعددة للمعنى. إن الكتاب/ السؤال "ماذا لو كنت مخطئا؟"، يستدعي سيناريوا وجوديا كاملا يعيد ترتيب العلاقة بين الفكر والواقع، يقول المؤلف: "سؤال تكون له قيمة معرفية إذا تم توجيهه للذات السائلة، وما لدى الذات من منجز متحقق أو نظرية نقدية، بهدف رفع الحصانة عن الذات والمنجز كي لا يتحول المنجز إلى إرث ذاتي نركن إليه لدرجة الاستسلام له فنكون تحت سلطته". عبر هذا المقتطف يضع المؤلف القارئ في مواجهة مفهوم جديد للخطأ، بوصفه أداة لتحرير الفكر من استبداد التصور الواحد. كذلك، ينشئ العنوان، علاقة تعاقدية بين الكاتب والقارئ، إذ يدعوه إلى مشاركة القلق ذاته، ويضعه في موقع الشريك في التجربة، وعبر هذه البنية الاستفهامية، تتحول القراءة إلى فعل تشاركي، يتخلص من سلطة المؤلف.

Saudipedia
المفكر والناقد السعودي عبدالله الغذامي

يتقاطع "ماذا لو كنت مخطئا؟" مع جنس السيرة، غير أنه سيرة نقدية تعيد تأمل المواقف السابقة للكاتب، وتفكك أدواته التي استخدمها في تحليل الثقافة العربية. يستعيد المؤلف بعض أطروحاته القديمة، ويعيد النظر فيها من زاوية أكثر اتساعا، وكأنه يمارس مراجعة شاملة لمشروعه الفكري، يقول: "تقع التعددية الثقافية في مأزق إشكالي مع مفهوم المساواة. وإن كانت المساواة تعني التساوي في الحقوق والفرص بين كل المكونات لكنها تجنح لمعنى نقيض، وهو إلغاء الاختلاف". تكشف هذه العبارة عن وعي متقدم بطبيعة المعرفة بوصفها سيرورة مفتوحة.

يواصل الغذامي اشتغاله على مفهوم المركزية الثقافية، غير أنه يضيف إليه بعدا ذاتيا، إذ يراجع علاقته بالمؤسسة الثقافية، وبالسلطات الرمزية التي تحكم إنتاج المعنى. كما يظهر في الكتاب ميل واضح إلى تفكيك البنى الصلبة التي تمنح الخطاب النقدي هالة من العصمة.

تتجلى أهمية هذا الطرح في كونه يربط بين التجربة الفردية والتحولات الجماعية، ويقدم نموذجا لتفكير عربي يسعى إلى تجديد ذاته عبر مساءلة مستمرة

يتجلى هذا التفكيك في مقاطع يناقش فيها المؤلف دور الناقد داخل المشهد الثقافي، ويعترف بإغراءات النجومية الفكرية، وبالتحولات التي قد تصيب الخطاب حين يتحول إلى سلطة، إذ يضع الغذامي ذاته تحت مجهر التحليل، فيكشف هشاشة الحدود بين النقد والهيمنة.

يمنح هذا المسار الكتاب طابعا شجاعا، فيمارس النقد على الذات بوصفها جزءا من النظام الذي تنتقده، ومن خلال هذا الاعتراف، يقدم نموذجا لمثقف يعيد التفكير في موقعه باستمرار.

من جهة أخرى، يتحول مفهوم الخطأ في الكتاب إلى منهج كامل، يقوم على افتراض هشاشة المعرفة، وإمكان تغيرها مع الزمن. الخطأ هنا ليس حادثة عرضية، إنه جزء من بنية التفكير ذاته. وحين يطرح المؤلف سؤال الخطأ، فهو يدعو إلى بناء عقلية مرنة، تستقبل الاحتمالات المتعددة. يستحضر المؤلف تجارب فكرية متنوعة، ويقارن بين مواقف سابقة له وبين ما يراه اليوم، فيكشف عن مسافة زمنية تولد وعيا جديدا، يتأسس على فكرة أن الحقيقة ليست معطى جاهزا، وإنما نتيجة حوار مستمر مع الواقع.

تتسم لغة الكتاب بصفاء تعبيري، يمتزج فيه التحليل بالفلسفة، وتظهر فيه نبرة تأملية واضحة: الجمل طويلة، تنساب عبر مفاصل فكرية متشابكة، وتحمل في طياتها إحساسا بالتردد الجميل الذي يسبق اكتشاف المعنى.

غلاف كتاب "ماذا لو كنت مخطئا؟"

يقترب المؤلف من أسلوب أقرب إلى المصارحة، في تحول أسلوبي عن أعمال سابقة له ينسجم مع روح الكتاب، إذ يعكس استعداد الكاتب لاستبدال الأحكام القاطعة بنبرة تساؤلية. تؤدي اللغة هنا إلى تفكيك المعنى وبنائه في الوقت ذاته، وكل جملة تبدو كأنها تسعى إلى فتح نافذة جديدة في جدار الفكر، وتدعو القارئ إلى المشاركة في إعادة صوغ الرؤية.

البعد الفلسفي وأفق التفكير العربي

يتجاوز الكتاب إطار النقد الأدبي نحو أفق فلسفي أوسع، يناقش فيه المؤلف طبيعة اليقين، وحدود العقل، وإمكانات التغيير الثقافي. يطرح أسئلة تتصل بعلاقة المثقف بمجتمعه، وبكيفية إنتاج المعرفة في سياق عربي يتسم بتعقيدات متشابكة.

هذه النهاية المفتوحة تنسجم مع روح النص، وتؤكد أن الخطأ احتمال دائم، وأن الاعتراف به بداية لطريق أوسع نحو الفهم

تتجلى أهمية هذا الطرح في كونه يربط بين التجربة الفردية والتحولات الجماعية، ويقدم نموذجا لتفكير عربي يسعى إلى تجديد ذاته عبر مساءلة مستمرة، فالسؤال الذي يرفعه الغذامي يتجاوز حدود شخصه، ليصبح سؤالا موجها إلى الثقافة برمتها.

يحمل "ماذا لو كنت مخطئا؟" قيمة جمالية ومعرفية جلية، إذ يقدم مثالا لمفكر يعيد قراءة مشروعه، ويحول المراجعة إلى فعل إبداعي، ليقترح مسارا مختلفا، يقوم على الحوار مع الذات. يتجلى ذلك في قدرته على تحفيز القارئ على التفكير في مواقفه الشخصية، وعلى إعادة فحص يقينياته، إذ يزرع الكتاب بذرة سؤال قد تستمر في النمو داخل ذهن القارئ، بعيدا من منح أجوبة جاهزة.

كما يزاوج الكتاب بين الجرأة الفكرية والتحول المعرفي، ويضع القارئ أمام مرآة يرى فيها انعكاس أسئلته الخاصة، ليثبت المؤلف أن النقد الحقيقي يبدأ من الداخل، وأن الشك يمكن أن يتحول إلى طاقة بناءة تعيد صوغ علاقتنا بالحقيقة.

بهذا يغدو الكتاب بيانا فكريا يدعو إلى ثقافة تحتفي بالحوار، وتعتبر الخطأ جزءا من رحلة البحث عن المعنى، ومن خلال لغة متأنية وتأملات عميقة، يفتح المؤلف أفقا جديدا، تتعايش فيه الجرأة مع الحذر، ويصبح السؤال جسرا نحو معرفة أكثر إنسانية واتساعا.

ينتهي الكتاب دون خاتمة، وكأنه يترك السؤال مفتوحا في فضاء التفكير. هذه النهاية المفتوحة تنسجم مع روح النص، وتؤكد أن الخطأ احتمال دائم، وأن الاعتراف به بداية لطريق أوسع نحو الفهم.

font change

مقالات ذات صلة