المطلع على سيرة الفنانة السعودية المتعددة الوسائط شادية عالم يلاحظ أنها تمثل علامة مهمة في الفن السعودي المعاصر، ليس فقط بسبب الأعمال الباهرة التي قدمتها وتواصل تقديمها، بل أيضا لأنها من أقوى الأمثلة على كيف يمكن الممارسة الفنية الطويلة والمستمرة، المتجذرة بعمق في البنية الثقافية والاجتماعية للبلاد، أن تنتج أعمالا ذات كثافة وقوة تعبيرية استثنائية، سواء من حيث الشكل أو الفكرة.
أزهار الضوء
تجيب أعمال الفنانة التي عرفت التحولات التقنية وتشعب الأفكار المطروحة بصريا وتبلورها في اتصال وثيق بالحاضر وبالعالم خارج مدينتها، عما يمكن اعتباره أهم تساؤل على الإطلاق أمام النتاج الفني السعودي المعاصر بشكل عام: هل يمكن الفن أن يحدث فجأة؟ تتجلى الإجابة عن هذا التساؤل في التطور التقني والمفاهيمي الذي وصلت اليه الفنانة دون الانجرار إلى ما يمكن تسميته الحداثة السطحية أو الأساليب المستوردة المنفصلة عن السياق المحلي.
إذ أن أي محاولة لفصل فترة من مسيرتها الفنية عن أخرى، من شأنها تشويه استمرارية وغنى عملها المبني بشكل عضوي على الذاكرة والهوية والخبرة الثقافية. يجدر الذكر هنا أن هذا النوع من التطور الغني على جميع الصعد لا يقتصر على شادية عالم فحسب، بل هو شائع بين العديد من الفنانين الذين يعملون بشغف وجدية على مدى عقود.
في المقابل، قد تبدو أعمال بعض الفنانين الآخرين، وخصوصا الذين هم في مقتبل مسيرتهم الفنية، متقطعة بطبيعتها، لعدم نشأتها من مخطط حيوي ومتواصل نفسيا وثقافيا واجتماعيا. تظهر ممارسة شادية عالم كيف يمكن الارتباط العميق بالمكان والتاريخ والسرد الشخصي، أن يخلق مجموعة أعمال تتسم بالعمق الجذري في السياق المحلي، وبالقدرة على الرنين على المستوى العالمي. وهذا بالطبع لا يقلل أهمية التجربة الشبابية في هذا المجال، بل يسلط الضوء على خاصية جوهرية في الفن، وهي التعطش الدائم للتعبير عما يميل إليه الفنان ضمنيا من أفكار ومشاعر لم "تهبط " عليه بل ولدت من صميم تجاربه الشخصية، وينطبق هذا الكلام بالطبع على الفن الذي لم ينتج بواسطة الذكاء الاصطناعي.
الأثر بطبيعته مؤثر
تطور عمل شادية عالم بشكل ملحوظ مع مرور الزمن، تقنيا ومفاهيميا. في مراحلها المبكرة، كان فنها تعبيريا باستخدام الزيت والأكريليك، بألوان قوية وأشكال تمثيلية أو شبه تمثيلية، مستكشفا الهوية والذاكرة والانتماء الثقافي والرمزية الشخصية. ومع تقدم مسيرتها، اتجهت إلى الوسائط المختلطة والكولاج وأعمال التصوير التركيبي والتركيبات الفنية، مركزة على العمارة المقدسة والتحولات العمرانية في مكة والتوتر بين الحداثة والتقليد، حيث أصبح الرمز المقدس محورا فلسفيا وميتافيزيقيا أكثر من كونه مجرد موضوع سردي.


