سيرة الضوء المتحول في أعمال شادية عالم

حيث يتقاطع الماضي والحاضر والروحي والمادي

Marco Secchi / Getty Images
Marco Secchi / Getty Images
عمل فني بعنوان "القوس الأسود" للفنانتين السعوديتين رجاء وشادية عالم، معروض في جناح السعودية المشارك للمرة الأولى في بينالي البندقية، 2 يونيو 2011

سيرة الضوء المتحول في أعمال شادية عالم

المطلع على سيرة الفنانة السعودية المتعددة الوسائط شادية عالم يلاحظ أنها تمثل علامة مهمة في الفن السعودي المعاصر، ليس فقط بسبب الأعمال الباهرة التي قدمتها وتواصل تقديمها، بل أيضا لأنها من أقوى الأمثلة على كيف يمكن الممارسة الفنية الطويلة والمستمرة، المتجذرة بعمق في البنية الثقافية والاجتماعية للبلاد، أن تنتج أعمالا ذات كثافة وقوة تعبيرية استثنائية، سواء من حيث الشكل أو الفكرة.

أزهار الضوء

تجيب أعمال الفنانة التي عرفت التحولات التقنية وتشعب الأفكار المطروحة بصريا وتبلورها في اتصال وثيق بالحاضر وبالعالم خارج مدينتها، عما يمكن اعتباره أهم تساؤل على الإطلاق أمام النتاج الفني السعودي المعاصر بشكل عام: هل يمكن الفن أن يحدث فجأة؟ تتجلى الإجابة عن هذا التساؤل في التطور التقني والمفاهيمي الذي وصلت اليه الفنانة دون الانجرار إلى ما يمكن تسميته الحداثة السطحية أو الأساليب المستوردة المنفصلة عن السياق المحلي.

إذ أن أي محاولة لفصل فترة من مسيرتها الفنية عن أخرى، من شأنها تشويه استمرارية وغنى عملها المبني بشكل عضوي على الذاكرة والهوية والخبرة الثقافية. يجدر الذكر هنا أن هذا النوع من التطور الغني على جميع الصعد لا يقتصر على شادية عالم فحسب، بل هو شائع بين العديد من الفنانين الذين يعملون بشغف وجدية على مدى عقود.

في المقابل، قد تبدو أعمال بعض الفنانين الآخرين، وخصوصا الذين هم في مقتبل مسيرتهم الفنية، متقطعة بطبيعتها، لعدم نشأتها من مخطط حيوي ومتواصل نفسيا وثقافيا واجتماعيا. تظهر ممارسة شادية عالم كيف يمكن الارتباط العميق بالمكان والتاريخ والسرد الشخصي، أن يخلق مجموعة أعمال تتسم بالعمق الجذري في السياق المحلي، وبالقدرة على الرنين على المستوى العالمي. وهذا بالطبع لا يقلل أهمية التجربة الشبابية في هذا المجال، بل يسلط الضوء على خاصية جوهرية في الفن، وهي التعطش الدائم للتعبير عما يميل إليه الفنان ضمنيا من أفكار ومشاعر لم "تهبط " عليه بل ولدت من صميم تجاربه الشخصية، وينطبق هذا الكلام بالطبع على الفن الذي لم ينتج بواسطة الذكاء الاصطناعي.

الأثر بطبيعته مؤثر

تطور عمل شادية عالم بشكل ملحوظ مع مرور الزمن، تقنيا ومفاهيميا. في مراحلها المبكرة، كان فنها تعبيريا باستخدام الزيت والأكريليك، بألوان قوية وأشكال تمثيلية أو شبه تمثيلية، مستكشفا الهوية والذاكرة والانتماء الثقافي والرمزية الشخصية. ومع تقدم مسيرتها، اتجهت إلى الوسائط المختلطة والكولاج وأعمال التصوير التركيبي والتركيبات الفنية، مركزة على العمارة المقدسة والتحولات العمرانية في مكة والتوتر بين الحداثة والتقليد، حيث أصبح الرمز المقدس محورا فلسفيا وميتافيزيقيا أكثر من كونه مجرد موضوع سردي.

كنت أنصت إلى أبي وهو يقرأ القرآن فجرا ويعزف على العود مساء، فما هو أكثر من هذا التداخل بين الروحي والشخصي، بين المعاصرة والتراث الروحي

في مرحلتها المعاصرة اللاحقة، تبنت عالم التجريد المفاهيمي والروحي من خلال الطبقات الرقمية والتركيبات المعمارية والتكرار واستحضار حالات تأملية ومساحات ميتافيزيقية، مما يعكس تطورا ناضجا نحو لغة فنية شعرية وعالمية. حول بنيان انتقالها من التعبير الشخصي إلى الفن المفاهيمي، أكدت الفنانة لـ"المجلة": "لم يكن هناك انتقال بل استمرارية. منذ بداياتي حتى اليوم، فني هو تعبير شخصي في جوهره. نشأت في عائلة وبيئة روحية، يتداخل فيهما الفن والإيمان على نحو طبيعي. والدي كان مغرما بالكاليغرافي، وأسرتني في عمر مبكر حركة أقلامه وأحباره على الورق، وكنت أنصت إليه وهو يقرأ القرآن فجرا ويعزف على العود مساء، فما هو أكثر من هذا التداخل بين الروحي والشخصي، بين المعاصرة والتراث الروحي. ذلك المعيش اليومي الذي كان يملأ البيت أشكالا وتلاوة ونغما، علمني أن الفن يمكن أن يكون عبادة، وأن الإيقاع يمكن أن يكون معنى. الخط لم يكن حروفا فقط، بل كان أثرا للروح، والصوت لم يكن موسيقى فقط، بل كان امتدادا لحالة داخلية. في تلك اللحظات تشكل إدراكي بأن الفن ليس إنتاج صورة، بل استحضار ووجود. كما كانت والدتي تطرز الأشكال والنصوص، فتتحول الأشياء اليومية إلى مساحات مرئية صامتة للتأمل، وهكذا أصبح الروحي في حياتي ممارسة فنية يومية لا فكرة مجردة، وأصبح المفاهيمي تجربة معيشة قبل أن يكون تنظيرا".

وروت: "زياراتنا للمسجد الحرام في مكة عمقت هذا الإدراك، إذ كونت لدي الهندسة والتكرار والفضاء وحركة الجموع، فهما مبكرا لعلاقة الجسد بالفضاء، والإنسان باللانهاية. لذلك لم يكن الروحي أو المفاهيمي منفصلا عن الشخصي يوما، بل هو نفسه الداخلي حتى الآن".

HAZEM BADER / AFP
مشهد جوي للمسجد الحرام ومحيطه في مكة المكرمة أثناء أداء المصلين صلاة المساء حول الكعبة، 6 يونيو 2025

الناظر إلى مجمل أعمال شادية عالم خلال السنوات العشرين الأخيرة يلحظ كيف تلقت الانفتاح على الخطاب الفني الدولي، والتحولات في السياسات الثقافية السعودية والمشهد الفني المحلي، إضافة إلى تطورها الفكري والروحي الشخصي، وكذلك انتقالها من الرسم البحت إلى الفن المفاهيمي، وهو توجه أوسع في الفن المعاصر على مستوى العالم والمشاركة في المعارض الدولية، فجاء نصها الفني حاملا للماضي والحاضر والمستقبل باعتبارها جريانا واحدا في سياق الزمن.

ومن المعلوم أن الفنانة تعيش وتعمل ما بين جدة وباريس، وهو ما وسع خيالها الفني دون أن يقصي الحمولة الثقافية والروحية التي تسكن في أعماقها، وقد أكدت أن التنقل بين المدن لم يشتت هويتها بل عمقها، وخلق توترا منسجما بين المقدس والمعاصر، حيث تلتقي الذاكرة الشخصية بلغة إنسانية مشتركة: "العيش بين مكة وجدة وباريس خلق رحلة داخلية مستمرة في أعمالي، وحوارا بين المقدس واليومي، وبين التراث والمعاصرة، وبين الحميمي والعام. مكة شكلت وعيي الروحي، ورسخت لدي مفاهيم الطقوس الروحية، والهندسة الجمالية، وإيقاع اليومي والغيبي: إيقاع الصلاة، العمارة، حركة الجماعة، جميعها عناصر كونت أساسا روحيا بصريا وعاطفيا مبكرا في أعمالي. أما جدة، كمدينة ساحلية، فكانت أكثر انفتاحا، حيث التبادل الثقافي والتعايش بين القديم والحديث، وأتاحت لي اتصالا مباشرا بالمشهد الفني المعاصر في السعودية، كما منحتني إحساسا بالحرية وسلاسة الانتقال. أما باريس فوسعت إطاري المفاهيمي، وعرفتني بتاريخ فني متنوع، ونظريات وتجارب فنية مختلفة، فدفعتني البيئة الفكرية هناك إلى صوغ أفكاري بوعي أكبر وضمن حوار فني عالمي أوسع".

سيرة الأسود المضيء

من العسير الإحاطة بجميع أبعاد أعمال الفنانة المفهومية، لكن يمكننا أن نختار: "القوس الأسود" و"كعبة الله العظمى"، ويمكننا من خلالهما الإضاءة على منطق أعمال الفنانة بشكل عام والقوة المحركة لها. جوهر أعمال شادية عالم، على اختلافها من حيث التقنيات المستخدمة والمضمون على السواء، هو جوهر منشوري: مجال مغناطيسي من الطاقة، تتصادم جزيئاته، مهما صغرت في أعمال أو اتسعت في أعمال أخرى. جزئيات ينطلق بعضها من بعض أو ترتد عنها.

مكة شكلت وعيي الروحي ورسخت لدي مفاهيم الطقوس الروحية والهندسة الجمالية وإيقاع اليومي والغيبي

وفي هذا المجال المغناطيسي تحدث التحولات، وتنتقل الطاقة الحركية بصريا، فتتغير اتجاهاتها وسرعاتها. ويتحول هذا التبادل المستمر للطاقة إلى ضوء على شكل حزم دائرية، وأشعة شبه مستوية متفرقة تخترق بنى الأعمال، وعناصر صغيرة متلألئة تشبه إشراقا في قلب الظلام، ووحدات شفافة من "البليكسي غلاس" أو غيرها، تحتضن أبياتا شعرية من التراث العربي القديم، ولا سيما من المعلقات أو من نصوص شعرية صوفية مشابهة لتلك التي نجدها عند ابن عربي.

 HAZEM BADER / AFP
مشهد جوي للمسجد الحرام أثناء أداء المصلين صلاة المساء حول الكعبة، أقدس مقدسات الإسلام، في مكة المكرمة، 6 يونيو 2025

من بين أعمال الفنانة نختار أولا عملا مفهوميا عنونته بـ"القوس الأسود". يحاكي هذا العمل التركيز المعماري على البوابات والشكل المكعب للكعبة المكرمة، ليغدو مجازا للعبور والعتبة واللقاء الروحي، بدلا من أن يكون تمثيلا حرفيا. وإلى جانب المؤشرات البصرية، استكشفت الفنانة موضوعات الحج والتقوى والذاكرة، لتجسد الثقل الروحي للكعبة عبر تجريدها إلى شكل يوحي بالقرب والتبجيل في آن واحد. وكما تجذب الكعبة الحجاج جسديا وروحيا نحو مركزها، يدعو العمل الفني بدوره إلى التأمل والتفكر والتأويل الشخصي، منشئا توازيا تجريبيا بين الطقس المقدس والتأمل الفني والثقافي، في أفق أوسع متصل بالعالم بأسره.

من ضمن ما ذكرت  الفنانة حول هذا العمل أنه يستحضر ذاكرتها مع اللون الأسود، المتجذرة في ثلاثة عناصر: "كسوتنا السوداء التي تتماهى مع كسوة بيت الله الكعبة، والحجر الأسود الذي يعتقد أن تقبيله يعزز المعرفة، إذ أتي به من السماء على يد الملاك جبريل وثبت في ركن الكعبة. ثم حكاية جدتي قبل النوم، المستلهمة من ألف ليلة وليلة، عن ملك وقع في حب فتاة عادية حملها إلى عرشه، وقادها إلى أعلى قصره حيث غرفة الأبواب الألف المقوسة وقال لها كتحذير أبدي: يمكنك المرور عبر أي من هذه الأقواس، لكن إياك أن تعبري هذا القوس الأسود! ومع ذلك عبرت الملكة القوس الأسود - ما كانت جدتي تسميه سقوطها - فضاعت في مدن مثقلة بالغربة، ودخلت في صراع مهيب لا يستحق أن تمر به".

أخذتنا هذه القصة إلى رواية أخرى شبيهة جدا تحمل أيضا سمات الصوفية الرمزية وهي "التاجر وبوابة الخيميائي"، حيث يكتشف تاجر في بغداد، خلال العصور الوسطى، قوسا حجريا أسود يفتح على الماضي والمستقبل. وعند عبوره، يدرك أن عجائب الزمن، وبالتالي العالم الواسع المحيط، محفوفة بالمخاطر، فالبقاء طويلا قد يؤدي إلى فقدان  الذات نفسها. وأن الفهم الحقيقي ينبع من البقاء متصلين بذاكرتنا وهويتنا، مع الانطلاق نحو العالم بما فيه من مخاطر وجوانب مضيئة.

ومن أعمال الفنانة نذكر أيضا "كعبة الله العظمى"، ففي عملها  الفوتوغرافي الكولاجي هذا تضع الفنانة الكعبة المكرمة في المركز، لكنها لا تعزل البنية المقدسة عن محيطها، بل تؤطرها ضمن واقع التحديث، مسلطة الضوء على التوترات البصرية والروحية التي تنشأ في ظل التحول البنيوي المتسارع.

الناظر إلى هذه الأعمال سيتأثر بمشاهد تلاشي أقواس شفافة أحيانا، وظهورها بألوان خفيفة أحيانا أخرى، وكيف أنها تظل مثقلة بالحضور، ضاغطة على مساحات عبور الحجاج، متشابكة في السماء فوق الكعبة وحولها كحقل مشحون بطاقة كهربائية اصطناعية.

HAZEM BADER / AFP
مصلون مسلمون يتجمعون حول الكعبة في المسجد الحرام في مكة المكرمة، 1 يونيو 2025، قبيل موسم الحج السنوي

وفي هذه المشاهد الضاغطة يحدث أمر طارئ: يتمدد الذهن وتتسع الرؤية، مبتعدة عن صخب المحيط، سعيا للتمسك بروح التجارب التحولية للحج والعمرة، تلك التجارب التي تؤدي بدورها إلى تحول عميق في الحياة. في رأي الفنانة أن التحديث، رغم أهميته ومعالجته للتحديات اللوجستية المرتبطة باستيعاب ملايين الحجاج، قد يفضي أحيانا إلى خفوت الطابع الروحي للمكان، من حيث لا يقصد.

قد نتساءل عما حدث للملكة في القصة الأولى التي روتها الفنانة بعدما عصت وتجاوزت القوس الأسود: هل عادت يوما إلى مملكتها كشخص متغير تماما؟ وهل انقطعت روابطها العاطفية مع مملكتها بسبب تجوالها بعيدا عن المنطقة الآمنة؟ إنها أسئلة لا تعنينا حين نفكر في شادية عالم، التي اختارت أن تجمع من خلال فنها بين عراقة مدينة مكة المكرمة، حيث ولدت ونشأت، وحاضرها الشخصي الحافل بالتناقضات والتشابهات، وانفتاحها على العالم المحيط بكل ما يحمل من أفكار وأنماط جديدة ومختلفة.

اختارت شادية عالم أن تجمع بين عراقة مدينة مكة المكرمة، حيث ولدت ونشأت، وحاضرها الشخصي الحافل بالتناقضات والتشابهات، وانفتاحها على العالم المحيط

هذا التماس والتلاقح والتواجه والتفاعل والتكامل بين الماضي والحاضر، والروحي والمادي، والظاهر والباطن، وبين الحيز الداخلي الحميم والعالم الخارجي الواسع، وصولا إلى أقاصي البلدان التي عرفتها الفنانة، يشكل عصب أعمالها، وسيظل كذلك على الأرجح في عالم تتسارع فيه التغيرات، وتتعاظم فيه الظواهر التي تلقي بظلال عميقة، وأحيانا كثيرة مخيفة، على قاع غير معلوم.

font change

مقالات ذات صلة