منذ القرن السابع الميلادي إلى يومنا هذا لم يتوقف الناس عن الدهشة أمام "درب زبيدة" الذي يجد لنفسه في كل عصر سببا ليعيش. ويعد هذا الطريق من أقدم المشاريع التنموية العالمية على غرار طريق الحرير في الصين الذي يمتد إلى أجزاء من آسيا وأفريقيا، والأمر كذلك في درب زبيدة الذي اشتركت فيه جميع الأقطار الإسلامية في عصر الدولة العباسية، في تعبيد المسار نحو قبلة حجهم مكة، وطورت نظاما متكاملا على امتداد الطريق من آبار وأسواق ومساكن انتهت بولادة مدن جديدة.
أمضى الباحث السعودي الدكتور سعد الراشد نصف عمره في دراسة هذا الطريق وأسرار عمارته وأسباب خلوده على مدار القرون الماضية وسخر رسالته لشرح هذا المشروع.
والراشد هو ضمن قلائل في تاريخنا الحديث وجهوا بوصلة بحثهم وتأريخهم نحو دراسة سيرة "طريق زبيدة" والأحداث التي مهدت له وللدولة العباسية في التخطيط لتأسيس مشروع من هذا النوع. وتمتد حياة الطريق عبر التاريخ وصولا إلى عصرنا، داعية دول الجزيرة العربية والأقطار الإسلامية الى الانضمام إلى المملكة العربية السعودية في إعادة إحياء "درب زبيدة". "المجلة" التقت سعد الراشد وحاورته حول هذا المشروع.
شغف ممتد
عملت على "درب زبيدة" منذ عقود، ما الذي قادك إلى أن تخصص له كل هذا الوقت والجهد؟
تعود صلتي بموضوع هذا البحث إلى عام 1968، عندما كنت طالبا في مرحلة البكالوريوس - قسم التاريخ بكلية الآداب - جامعة الملك سعود. ففي ذلك العام تأسست "جمعية التاريخ والآثار" برئاسة الراحل الدكتور عبد الرحمن الطيب الأنصاري، وكان لي شرف الانضمام إلى عضوية هذه الجمعية، كما رشحت من قبل طلاب الكلية ممثلا لهم في أول جمعية علمية تنشأ في جامعة الملك سعود. ومن خلال عضويتي ومشاركتي في نشاط الجامعة، من محاضرات ورحلات علمية، تعلمت الكثير عن تراث المملكة وآثارها. فقد تهيأت لي فرص عدة لمشاركة الجمعية في الرحلات العلمية الآثارية لبعض مناطق المملكة بما في ذلك بعض المناطق التي يجتازها طريق الحج من الكوفة إلى مكة المكرمة، والمسمى "درب زبيدة". وقد لفتت انتباهي آثار الطريق ومعالمه الباقية، فشعرت منذ ذلك الوقت بأن هذه المعالم تستحق الدراسة والتحقيق من الناحيتين التاريخية والآثارية.




