هل تدفع العمالة الأجنبية في الخليج ثمن حروب لا تخصها؟

التحويلات الأجنبية من دول مجلس التعاون تحت وابل الصواريخ والمسيرات

أكسل رانجل غارسيا
أكسل رانجل غارسيا

هل تدفع العمالة الأجنبية في الخليج ثمن حروب لا تخصها؟

منذ بداية عصر النفط، تدفق الوافدون من كل حدب وصوب بحثا عن الرزق في دول الخليج التي تنعمت بإيرادات "الذهب الأسود"، فجعلتها هذه الإيرادات في مصاف الدول ذات المستويات المعيشية الجيدة، لكنها ظلت في حاجة إلى عمالة وافدة لتشغيل مختلف المؤسسات والمنشآت والمرافق الاقتصادية.

يبلغ عدد الوافدين الأجانب في دول الخليج مجتمعة نحو 31 مليون نسمة. تأتي السعودية في المرتبة الأولى في أعدادهم في المنطقة الخليجية، حيث يمثلون ما نسبته 40.3 في المئة من السكان عام 2024، في حين يمثل الوافدون في دولة الإمارات 74 في المئة من السكان عام 2024 حسب تقديرات البنك الدولي. ويمثلون 76.7 في المئة من سكان قطر، و43.2 في المئة من سكان عمان، و52.3 في المئة من سكان البحرين، و67.3 في المئة من سكان الكويت.

مما لا شك أن هذه الأعداد تمثل ثقلا اقتصاديا مهما، إذ يؤدي هؤلاء دورا رئيسا في النشاط الاقتصادي العام وينجزون الأعمال، التي لولاهم لما أنجزت، كما أن عددا من الوافدين أسسوا أسرا في الخليج، وأصبحوا يسهمون بشكل أكبر في الاستهلاك المحلي في مختلف الدول التي ينتمون إليها. يضاف إلى ذلك أن أعدادا من المقيمين يملكون مؤسسات تعمل في عدد من القطاعات ويوفرون فرص عمل للموظفين الأجانب عموما، وربما للمواطنين أيضا، ويسهمون في الناتج المحلي الإجمالي.

تقدر إحصاءات رسمية أن عدد الوافدين في دول الخليج مجتمعة يقدر بـ 35 مليون نسمة

وقد تسارعت أعداد الوافدين في مختلف دول الخليج خلال سنوات القرن الحادي والعشرين بفعل ارتفاع وتيرة النشاط الاقتصادي وتوسع أعمال القطاع الخاص وتعزز الأنشطة الخدمية والطلب على العمالة المنزلية. وعاش الوافدون الحروب والأزمات الأمنية التي مرت على دول المنطقة، ومنها الحرب العراقية - الإيرانية في الثمانينات من القرن الماضي، ومحنة الاحتلال العراقي للكويت، والآن الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران. وتثير هذه الحرب، كما سابقاتها من حروب وأزمات، الهلع بين المواطنين والوافدين على حد سواء، إلا أن الوافدين يشعرون بمخاوف وجودية، إذ إن مصدر رزقهم ورزق أهاليهم في دولهم القريبة والنائية يأتي نتاج عملهم في بلداننا.

الوظائف في القطاعين العام والخاص

ينتشر الوافدون في مختلف المنشآت والمرافق، ويتمتع كثير منهم بمستويات عالية من المهنية والاحتراف، ويشغلون أدوارا محورية في كلٍ من المؤسسات العامة والكيانات التابعة للقطاع الخاص. في المقابل، تعمل أعداد كبيرة منهم في مهن تُصنَّف تقليديا على أنها "أقل وزنا في التحليلات الاقتصادية"، لكنها في الواقع أصبحت شديدة الحيوية ولا غنى عنها في الاقتصادات الريعية الخليجية.

.أ.ف.ب
سوق شعبي وسط المنامة، البحرين 11 مارس 2026

 لا تزال قطاعات عديدة تعتمد بدرجة كبيرة على العمالة الوافدة، من بينها التدريس في المدارس الحكومية والخاصة، والكوادر الطبية في مختلف تخصصاتها، بما يشمل الأطباء ومساعديهم والتمريض في المستشفيات، والرعاية الصحية والاجتماعية. وعلى الرغم من الجهود المبذولة، لا يزال هناك عجز واضح في إحلال العمالة الوطنية في هذه المجالات. وينطبق الأمر كذلك على وظائف تتطلب مهارات عالية، مثل الأعمال الهندسية، والقطاع المصرفي، ومشاريع التشييد والبناء.

قلق من طول مدة الحرب

بعد اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، سرت بين الوافدين مخاوف من أخطارها واستمرارها لفترة طويلة وتأثيراتها على اقتصاديات دول الخليج وما قد ينتج من ذلك من مضار لأوضاعهم. وقد انتاب القلق الدول التي ينتمي إليها الوافدون، وتحسبت لأهمية حماية مواطنيها في دول المنطقة. وأبدى عدد منها اهتماما لوضع خطط لترحيل مواطنيها من منطقة الخليج. قد تبدو هذه المخاوف مبالغا فيها في ظل استمرار مظاهر الحياة الطبيعية، على الرغم من تضرر بعض المنشآت جراء الاعتداءات الإيرانية وسقوط عدد محدود من القتلى والجرحى. غير أن مشاعر القلق والخوف تظل طبيعية لدى البشر، ولا سيما لدى المقيمين الأجانب في مختلف الدول.

تتصدر الهند الدول المستقبلة لتحويلات الوافدين في دول الخليج، وهي تمثل أهم الدول التي تحصل تحويلات من العاملين الهنود في الخارج بمبالغ لامست 125 مليار دولار عام 2023 بحسب تقديرات البنك الدولي

وتبرز على هذا المستوى مساعي دول الخليج لإرساء الطمأنينة وتأكيدها وتعزيز إجراءات الأمن وبث مشاعر التفاؤل التي تنعكس بشكل إيجابي على الوافدين والمواطنين. بيد أن استمرار الحياة الطبيعية يعتمد على بقاء هؤلاء الوافدين في بلدان الخليج ليسهموا في النشاط الاقتصادي ويعملوا بعد نهاية الحرب على إعادة تشغيل المنشآت المتضررة وإصلاح كل ما تم تخريبه بفعل الاعتداءات.

التحويلات المصرفية من دول الخليج

في عام 2023، تجاوزت تحويلات الوافدين في دول الخليج  131.5 مليار دولار. وحوّل العاملون في السعودية إلى بلدانهم خلال عام 2025 ما يقدر بـ 165.5 مليار ريال أو 44.1 مليار دولار، بارتفاع بنسبة 15 في المئة عن عام 2024. أما الكويت فقدرت التحويلات خلال النصف الأول من عام 2025 بـ 2.54 مليار دينار أو 8.28 مليار دولار، بزيادة بنسبة 23.7 في المئة عن الفترة نفسها من العام السابق. أما في الإمارات، فبلغت التحويلات المالية الصادرة نحو 38.5 مليار دولار في عام 2023 وفقا للبنك الدولي، ويُقدَّر أنها تراوحت بين 40 و43 مليار دولار سنويا خلال 2024–2025، مما يعكس مكانتها كواحدة من أكبر الدول المرسِلة للتحويلات في العالم.

وأظهر استطلاع أجرته شركة "فيزا" العام الماضي في دولة الإمارات أن 95 في المئة من العمال الوافدين يرسلون الأموال إلى بلدانهم مرة واحدة على الأقل سنويا. يعكس هذا الاتجاه تصنيف دولة الإمارات كثالث أكبر مُرسِل للتحويلات المالية عالميا. ووفقا لمنصة "ستاتيستا"، من المتوقع أن تنمو قيمة المعاملات بمعدل سنوي قدره 17 في المئة لتصل إلى 6.59 مليارات دولار في حلول عام 2030.

ديانا استيفانيا روبيو

تتصدر الهند الدول المستقبلة لتحويلات الوافدين في بلدان الخليج، وهي تمثل أهم الدول التي تحصل تحويلات من العاملين الهنود في الخارج بمبالغ لامست 125 مليار دولار عام 2023 حسب تقديرات البنك الدولي. وتمثل تحويلات الهنود العاملين في دول مجلس التعاون الخليجية 38 في المئة من تلك التحويلات. تأتي بعدها المكسيك (67 مليار دولار) والصين (50 مليار دولار) والفليبين (40 مليار دولار) ومصر (24 مليار دولار). وتختلف قيمة التحويلات من بلد خليجي وآخر حسب الدول المستقبلة للأموال حيث تمثل السعودية أهم الدول المصدرة للأموال إلى باكستان كما أن الفلبين تعتمد على تحويلات هامة من السعودية والإمارات والكويت. والجدير بالذكر أن تحويلات العاملين تعادل 7 في المئة من الناتج المحلي في الفلبين.

تستخدم بعض الشركات الإيرانية القائمة في دولة الإمارات إمارة رأس الخيمة قاعدة لعملياتها في مجالات الخدمات المصرفية والتجارة، إضافة إلى إعادة تصدير السلع إلى إيران

وتقول عفت شريف، المديرة العالمية لقطاع الحماية الاجتماعية والوظائف لدى البنك الدولي: "خلال الأزمات، واجه المهاجرون الأخطار وأظهروا قدرة على الصمود لدعم أسرهم في بلدانهم. لكن ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي يؤثران في حجم الأموال التي يمكنهم إرسالها".

تبعات الحرب على الوافدين

يتخوف الوافدون من أن تتعطل أعمال الشركات التي يعملون فيها نتيجة تأثيرات الحرب على إيران وتراجع النشاط الاقتصادي. وقد تكون هذه المخاوف مشروعة إلا أن هناك مبالغات في التقديرات، إذ يمكن أن يحدث العكس وترتفع وتيرة الأعمال في دول الخليج بعد أن يتم إصلاح ما تسببت به الاعتداءات الإيرانية. وتتجلى هذه المخاوف في أوساط الجالية الإيرانية، التي تتركز في دولة الإمارات العربية المتحدة. ويقدر عدد الإيرانيين هناك بنحو  500 ألف، يعملون في مهن الانشاءات والأعمال الميكانيكية وإصلاح العربات والسلع المعمرة.

.أ.ب
عامل موظف في متجر للأقمشة في دبي، الإمارات 13 مارس 2026

كذلك تجد في أوساط الجالية الإيرانية في الإمارات من يملك منشآت اقتصادية، خصوصا المطاعم والمتاجر الصغيرة ومحلات بيع الأقمشة. كوّن عدد من الإيرانيين في الإمارات، وإلى حد ما في دول خليجية أخرى، ثروات معتبرة، وتوسعوا في الأنشطة المصرفية وأعمال الصرافة، إلى جانب قطاعات خدمية مثل الضيافة. تستخدم بعض الشركات الإيرانية القائمة في دولة الإمارات إمارة رأس الخيمة قاعدة لعملياتها في مجالات الخدمات المصرفية والتجارة، إضافة إلى إعادة تصدير السلع إلى إيران. وقد يواجه هؤلاء، بعد انتهاء الحرب، احتمالات تأثر أوضاع إقامتهم وأعمالهم بقرارات قد تصدر عن السلطات في دول الخليج، وهو احتمال قائم. غير أن هذه الدول قادرة على التمييز بين من يعمل بشكل مشروع لكسب رزقه، ومن ينخرط في أنشطة تمس بالأمن والاستقرار.

تجدر الإشارة إلى أن صادرات الإمارات إلى إيران بلغت نحو 5.78 مليارات دولار عام 2023، تركزت في الهواتف وأجهزة الكومبيوتر والمكسرات، حسب بيانات مرصد التعقيد الاقتصادي (The Observatory of Economic Complexity)،التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا‏. في المقابل، صدّرت إيران إلى الإمارات ما قيمته 453 مليون دولار، معظمها من المنتجات الزراعية والغذائية. 

توزيع الوافدين في دول الخليج 2024

  الأعداد ( مليون نسمة)

النسبة المئوية (%)

 السعودية 14.2 40.30
الإمارات 8.14 74
الكويت 3.3 67.3
عمان 2.28 43.2
قطر 2.2 76.7
البحرين 0.83 52.3
الإجمالي 35.2 59

المصدر: بيانات صندوق النقد الدولي

font change

مقالات ذات صلة