لماذا يتطلب استقرار لبنان انخراطا دبلوماسيا أميركيا أكثر ثباتا؟

يعد الحضور الدبلوماسي الأميركي المنتظم والاستراتيجي في الشرق الاوسط عنصرا أساسيا، لكنه غائب

لينا جرادات
لينا جرادات

لماذا يتطلب استقرار لبنان انخراطا دبلوماسيا أميركيا أكثر ثباتا؟

في وقت تتركز فيه الأنظار على إيران، تبرز جبهة أخرى تفرض تحديا مفصليا على استقرار الشرق الأوسط، وهي الحملة العسكرية الإسرائيلية في لبنان، ووضع "حزب الله"، ذراع إيران على مدى عقود.

وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن القوات الإسرائيلية تدمر معابر فوق نهر الليطاني في جنوب لبنان، زاعما أن "حزب الله" يستخدمها لدفع مزيد من المقاتلين أو الإمدادات. ودمر الجيش الإسرائيلي جسر القاسمية يوم الأحد، وهو مسار رئيس يربط الجنوب بوسط لبنان قرب مدينة صور الساحلية. هذا الجسر هو بنية تحتية أساسية تابعة للدولة اللبنانية، ويستخدمها المدنيون أيضا. ودعا وزير آخر في الحكومة الإسرائيلية، هو وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش، هذا الأسبوع إلى ضم جنوب لبنان وتوسيع حدود إسرائيل.

وأدت العملية العسكرية الإسرائيلية المستمرة، التي لم تشمل اجتياحا بريا وقت كتابة هذه السطور، إلى نزوح أكثر من مليون لبناني. وقالت إسرائيل إنها تسعى إلى تقويض قدرات "حزب الله" على تشكيل تهديد لها. تطور هذه الحملة، سيكون تأثيره في مكانة الحكومة اللبنانية وشرعيتها عاملا حاسما، ولا سيما من حيث قدرة الجيش اللبناني وغيره من المؤسسات الأمنية على حفظ القانون والنظام، أو عجزه عن ذلك.

وسائل بلا غاية

قال الجنرال والاستراتيجي العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز إن الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى. لكن الحروب في الشرق الأوسط اليوم كثيرا ما تُخاض بلا تصور واضح للنتيجة السياسية المنشودة أو للهدف النهائي. وينطبق ذلك بصورة خاصة على لبنان وعلى السياسة الأميركية تجاهه، وهي سياسة ركزت عمليا على ترك زمام المبادرة للتحركات العسكرية الإسرائيلية.

يعد الحضور الدبلوماسي الأميركي المنتظم والاستراتيجي عنصرا أساسيا، لكنه غائب. وفي إدارة ترمب الثانية، تتمثل الأولوية الأميركية الرئيسة في لبنان في نزع سلاح "حزب الله"

ويتمثل أحد المخاطر الاستراتيجية لحرب إسرائيل في لبنان في أنها تقوض دولة هشة أصلا وتخلق ظروفا لحرب أهلية جديدة، فتفضي إلى "مقديشو على البحر المتوسط"، على غرار ما أفضت إليه في نهاية المطاف سنتان من الحرب في غزة. وقد قوضت أطراف خارجية بالفعل استقرار الدولة في اليمن والعراق وسوريا وليبيا. أما استهداف النظام الإيراني من دون استراتيجية، فلا يؤدي إلا إلى زيادة مخاطر قيام دولة فاشلة يزيد عدد سكانها على 90 مليون نسمة.

ويعد الحضور الدبلوماسي الأميركي المنتظم والاستراتيجي عنصرا أساسيا، لكنه غائب. وفي إدارة ترمب الثانية، تتمثل الأولوية الأميركية الرئيسة في لبنان في نزع سلاح "حزب الله". ويرتبط الهدف السياسي في لبنان بالجهد الأميركي الإسرائيلي الرامي إلى تقويض قدرات إيران على تهديد الاستقرار الإقليمي.

أ.ف.ب
مدفعية إسرائيلية ذاتية الحركة تطلق قذائف باتجاه جنوب لبنان من موقع في الجليل الأعلى شمال إسرائيل قرب الحدود، في 20 مارس 2026

وإلى جانب نزع سلاح "حزب الله"، تأمل الولايات المتحدة في مساعدة الدولة اللبنانية على استعادة سيادتها وفتح مسار نحو علاقات سلمية مع جيرانها. ولهذا الغرض، ضاعفت واشنطن رهانها على استثمارها الممتد منذ عقود في الجيش اللبناني، مع تقديم المساعدة في التنسيق. وإضافة إلى ذلك، شددت وزارة الخزانة الأميركية إجراءاتها ضد اقتصاد السوق السوداء الذي يستخدمه "حزب الله" وخصوم آخرون يسيئون استغلال النظام المالي اللبناني.

زود الكونغرس الأميركي إدارة ترمب بالأدوات وإطار عمل لمواجهة "حزب الله". وأتاح قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2026 تمويلا للجيش اللبناني، ووضع شروطا لقياس التقدم في نزع سلاح "حزب الله" ومواجهة جماعات أخرى تهدد أمن لبنان وجيرانه. لكن الانخراط الدبلوماسي الأميركي الثابت والمتماسك لا يزال غائبا، وهو ما يعرقل تنفيذ هذه التوجهات.

كما تظهر في لبنان بعض التحديات التي برزت في ملفات أخرى خلال الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب، مثل عدم توافر عدد كاف من الدبلوماسيين الذين يملكون صلاحية تنسيق أدوات السياسة الأميركية المختلفة، والاعتماد المفرط على مجموعة صغيرة من المقربين من الرئيس، والتغييرات غير المفسرة في الكوادر، والتقويض المنهجي لأدوات "القوة الناعمة" الأميركية التي استخدمتها واشنطن تقليديا للتأثير في المشهد داخل بلدان أخرى.

أحد المخاطر الاستراتيجية لحرب إسرائيل في لبنان هو أنها تقوض دولة هشة أصلا وتخلق ظروفا لحرب أهلية جديدة

ويعد السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى المرجع الأميركي الأبرز في ما يخص البلاد، لكن مسؤولياته بصفته سفيرا تحد من قدرته على التعامل مع جوانب أخرى أساسية لازمة لمواجهة هذا التحدي في وقت النزاع. وينطبق الأمر نفسه على السفير الأميركي لدى تركيا توم باراك، الذي يعمل مبعوثا خاصا في عدد من الدول المحورية في المنطقة. وقد تلقى دوره في لبنان تقييما متباينا من أوساط لبنانية أساسية يحتاج إليها أي جهد يرمي إلى كسب المعركة الدبلوماسية والسياسية هناك. وفوق ذلك، لا تزال وزارة الخارجية الأميركية تفتقر إلى دبلوماسي رفيع مسؤول عن ملف الشرق الأوسط الأوسع ومصدق عليه من مجلس الشيوخ، وذلك بعد أكثر من عام على بدء الولاية الثانية لإدارة ترمب.

أ.ف.ب
رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام وهو يتحدث في نهاية اجتماع المجلس الوزاري في القصر الرئاسي بعبدا، شرق بيروت، في 2 مارس 2026

وتفتقد الولايات المتحدة "منسقا دبلوماسيا رئيسا"، أي مسؤولا رفيعا يصغي إليه الرئيس، ويرتبط بفاعلين أساسيين داخل الحكومة الأميركية، وله قنوات مع أطراف إقليمية، ويكرس عمله حصرا للبنان.

سبل الدعم

شرعت الحكومة اللبنانية الحالية العام الماضي في اتخاذ خطوات غير مسبوقة نحو نزع سلاح "حزب الله" ومواجهة النفوذ الإيراني في البلاد، لكنها لم تتحرك بالسرعة التي أرادتها الولايات المتحدة وإسرائيل وتوقعتاها. لذلك واصلت إسرائيل ضرب أهداف لـ"حزب الله"، وأبقت على وجود داخل لبنان. كما أن قرار "حزب الله" مهاجمة إسرائيل بعد أن هاجمت إسرائيل والولايات المتحدة إيران في 28 فبراير/شباط، قدم لإسرائيل حافزا إضافيا للانتقال إلى وضعية الحرب وإطلاق مرحلة جديدة من حملتها العسكرية في لبنان.

يشكل الجهد الدبلوماسي الأميركي الاستراتيجي في لبنان مكونا ضروريا من الحرب الأوسع ضد النظام الإيراني، الذي استخدم لبنان لعقود أداة في لعبة النفوذ والقوة الخاصة به

على المدى الطويل، يبقى ما يُبنى هو الأهم. ولذلك تحتاج الولايات المتحدة إلى تكثيف انخراطها الدبلوماسي الاستراتيجي في لبنان دعما للقادة السياسيين الشجعان المستعدين للمخاطرة بحياتهم في مواجهة "حزب الله". وليس نزع سلاح الجماعة مجرد مسألة أمنية أو عسكرية، بل هو مسألة سياسية تهدف في نهاية المطاف إلى إزالة "دولة داخل الدولة" يقتل فيها بلطجية فاسدون خصومهم.

ويعني الانخراط الدبلوماسي الأميركي الاستراتيجي في لبنان أيضا تمهيد الطريق لمحادثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، على أن يكون الهدف حماية سيادة لبنان ومنع احتلال إسرائيلي جديد لسنوات. وقد تحدث الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام بشجاعة عن الحاجة إلى ذلك. وتستطيع الولايات المتحدة أن تساعد إذا خصصت الوقت والاهتمام والثقل الدبلوماسي.

أ.ف.ب
جندي من الجيش اللبناني على متن ناقلة جند مدرعة متمركزة في مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين في الضواحي الجنوبية لبيروت، في 21 أغسطس 2025

ويشكل الجهد الدبلوماسي الأميركي الاستراتيجي في لبنان مكونا ضروريا من الحرب الأوسع ضد النظام الإيراني، الذي استخدم لبنان لعقود أداة في لعبة النفوذ والقوة الخاصة به، لكن الوقت قد حان الآن لوضع حد لتلك اللعبة. فالعمليات العسكرية وحدها، سواء في لبنان أو في إيران، لا تكفي لوضع إطار للسلام والاستقرار في المنطقة. والعنصر الأساسي الغائب هو رؤية سياسية لما ينبغي بناؤه بعد كل هذا الموت والدمار. ويتطلب الوصول إلى ذلك استثمارا في دبلوماسية استراتيجية تعزز شركاء أميركا في المنطقة، ولا سيما الشعب اللبناني، وأولئك في حكومة لبنان الجديدة الراغبين والقادرين على الوقوف في وجه بلطجية "حزب الله" ومن يدعمهم في طهران.

font change