في ذلك الزمن السحيق، قبل نحو 18 مليون سنة، لم تكن منطقة وادي المغرة المصرية صحراء قاحلة كما نعرفها اليوم، بل كانت عالما نابضا بالحياة. امتدت هناك سهول خضر تتخللها أنهار ومسطحات مائية ضحلة، حيث تختلط مياه الأنهار بالبحيرات في مشهد يشبه الدلتا الواسعة. كانت الأشجار الكثيفة تنتشر على ضفاف المياه، تتدلى منها الثمار، بينما تعيش بين أغصانها كائنات تشبه القردة الحديثة، تتحرك بخفة بحثا عن الغذاء.
كان الهواء أكثر رطوبة ودفئا، والأمطار الموسمية تغذي الغابات وتجعلها بيئة مثالية للحياة. على الأرض، كانت تجوب المنطقة حيوانات متنوعة، من ثدييات بدائية إلى زواحف كبيرة، بينما تعلو أصوات الطيور والحشرات في مشهد طبيعي صاخب. لم تكن هناك صحراء ولا رمال ممتدة، بل بيئة غنية ومتغيرة، تتيح للكائنات التكيف والتطور.
في هذا المشهد، كان أحد القرود العليا يتنقل بين الأشجار أو ربما على الأرض، ويعتمد على فواكه الغابة وربما يكسر بعض البذور الصلبة بأسنانه القوية، مستفيدا من وفرة الموارد. كانت تلك البيئة، بكل تنوعها وتعقيدها، هي المسرح الذي بدأ عليه واحد من أهم فصول تطور القردة العليا، قبل أن تتغير ملامح الأرض تدريجيا وتتحول إلى ما نراه اليوم.
قبل 6 سنوات، اقتحمت المشهد الرملي القاحل الحالي لوادي المغرة سيارة تحمل داخلها فريقا علميا مصريا من علماء الحفريات. وراء مقود القيادة يجلس عالم الحفريات المصري الشهير الدكتور هشام سلام، الذي سبق له اكتشاف الديناصور المصري منصوراصورس، وبجانبه تجلس سيدة ثلاثينية، هي الباحثة المصرية في علوم الحفريات شروق الأشقر، التي تعمل في مركز الحفريات الفقارية التابع لجامعة المنصورة المصرية. وفي الخلف يجلس باقي الفريق العلمي.
كنز من أسنان
كان الهدف الوصول الى الوادي، للبحث عن بقايا كائنات عاشت في المنطقة قبل ملايين السنوات، "تحديدا كنا نبحث عن أحد القردة العليا... فلا بد من وجود حفريات لذلك النوع في ذاك المكان. هكذا يقول العلم وينبئني حدسي"، حسب قول هشام سلام لـ"المجلة".
إلا أن ذلك البحث استمر 4 سنوات كاملة، تخللتها زيارات عدة للمنطقة الشاسعة. وفي صباح يوم مشرق، عثر سلام على حفرية صنفها فورا على إنها تؤكد وجود الثدييات في المنطقة، فأخبر زميلته وتلميذته شروق الأشقر أن تلك المنطقة بدأت تحنو عليهم بعد سنوات من العمل الشاق. وبعد ما لا يقل عن نصف الساعة، عثرت الأشقر على الكنز: جذور بعض الأسنان، بالإضافة إلى تيجان عدد من الأسنان الخلفية.
على الفور، أيقن سلام أن تلك الأسنان تنتمي إلى نوع من القردة العليا، "فالأسنان ببساطة تشبه أسناننا نحن البشر". وطيلة عام لاحق، بدأ الفريق العمل على العينات، التي شملت في نهاية المطاف الجزء الأمامي من الفك السفلي، وجذور بعض الأسنان، بالإضافة إلى تيجان عدد من الأسنان الخلفية، وجزء من الفك السفلي الأيسر مع أسنان متآكلة.
وبعد البحث، والكثير من المقارنات، كشفت التحليلات التطورية أن تلك الحفريات تنتمي الى نوع جديد كليا من القردة العليا، أسماه الفريق البحثي "مصريبثيكس موغراينسيس"، وهو اسم يجمع بين مصر و "بيثيكوس" اليونانية التي تعني القرد، في إشارة إلى مكان الاكتشاف. بينما يشير اسم النوع إلى وادي المغرة، وهو المكان الذي تم العثور على الحفرية فيه.

