تتصاعد الهوة بين واشنطن وأوروبا حول الحرب مع إيران، إذ يرفض عدد من القادة الأوروبيين المسار العسكري الأميركي، ويطالبون بمسار دبلوماسي بديل. غير أن هذا التوتر قد ينتهي بمفارقة دفع أوروبا نحو انخراط أعمق في صراع لم تختره، قد يقود تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وأوروبا، بسبب التحفظات التي أبداها عدد من القادة الأوروبيين إزاء مسار الحرب مع إيران، في نهاية المطاف إلى زيادة الانخراط الأوروبي في الصراع.
ومنذ اللحظة التي أطلق فيها الرئيس الأميركي دونالد ترمب "عملية الغضب الملحمي" بالتنسيق مع الإسرائيليين، الذين أطلقوا على حملتهم اسم "عملية زئير الأسد"، لم يُبد القادة الأوروبيون حماسة تذكر، لقرار ترمب استئناف الأعمال العدائية ضد حكام إيران. ومن المنظور الأوروبي، يُنظر إلى قرار ترمب شن موجة جديدة من الهجمات على إيران على أنه "حرب اختيارية"، وبالتالي فإنه لا يلزم حلفاء أميركا في "حلف شمال الأطلسي"، بالانخراط في الصراع.
وقد حرص القادة الأوروبيون على التمييز بين القرار الأحادي الذي اتخذته إدارة ترمب بمهاجمة إيران، وهو قرار لا يفرض عليهم أي التزام بدعم المجهود الحربي الأميركي، وبين صراع يبدأ بهجوم على دولة عضو في حلف "الناتو"، مثل هجمات 11سبتمبر/أيلول 2001، وهو ما يفرض على جميع دول "الحلف" الدفاع عن الدولة العضو التي تتعرض للهجوم.
وبرزت معارضة الأوروبيين لتقديم دعم للحملة العسكرية الأميركية بوضوح خاص في المملكة المتحدة، حيث تمثل الموقف الأولي الذي اعتمدته حكومة "حزب العمال" برئاسة السير كير ستارمر، في رفض السماح للجيش الأميركي باستخدام قواعد بريطانية رئيسة، لتنفيذ ضرباته ضد إيران. وشمل ذلك قواعد جوية في المملكة المتحدة مثل قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني فيرفورد في غلوسترشير، وقاعدة دييغو غارسيا شديدة السرية في المحيط الهندي.
واستند السير كير ستارمر في رفضه السماح للولايات المتحدة باستخدام تلك القواعد، إلى أن المملكة المتحدة لا تريد الانخراط في أي عمل هجومي ضد إيران، وهو موقف أثار انتقادات ترمب، ولا سيما بعدما اتضح أن إيران، في ردها على الهجمات الأميركية والإسرائيلية، كانت مستعدة لشن ضربات بالصواريخ والطائرات المسيرة على قواعد بريطانية في المنطقة، مثل قبرص، وكذلك على حلفائها في الخليج.
إلى جانب ذلك، تواجه المملكة المتحدة، شأنها شأن كثير من الدول الأوروبية الأخرى الأعضاء في حلف "الناتو"، احتمال التعرض لصعوبات اقتصادية حادة، نتيجة محاولات إيران تعطيل حركة الشحن عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والمسؤول عن نقل نحو 20 في المئة من احتياجات العالم من الطاقة.
ستكون المهمة الأساسية لأي قوة قد يشكلها الأوروبيون حماية مرور السفن التجارية عبر مضيق هرمز من تهديدات محتملة، مثل الألغام والطائرات المسيرة الانتحارية المعدة لهذا الغرض، والصواريخ، وهي أسلحة يُعرف أن "الحرس الثوري" طوّرها خلال العقود الأخيرة خصيصا، لجعل المضيق غير صالح للملاحة. ولا تخلو هذه المهمة من المخاطر، وهو ما يفسر إحجام القادة الأوروبيين عن الدفع بأصولهم البحرية قبل انتهاء الأعمال القتالية في الخليج. وجاء في بيان مشترك صادر عن خمس دول أوروبية، هي بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا، إلى جانب اليابان، أنها مستعدة لـ"المساهمة في الجهود المناسبة" للمساعدة في ضمان المرور الآمن عبر هذا الممر المائي، ودعم الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية. غير أن البيان لم يوضح كيف يمكن أن يحدث ذلك، ولا حجم الموارد التي قد تكون هذه الدول مستعدة لتسخيرها.
وقد ارتفعت أسعار النفط بعدما أغلقت إيران فعليا أكثر ممرات شحن النفط ازدحاما في العالم أمام الناقلات. وقال ترمب للصحافيين في واشنطن إنه "غير سعيد" بموقف المملكة المتحدة، مضيفا أنها "يجب أن تشارك بحماسة" في الجهود الرامية إلى إعادة فتح مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لشحن النفط.
وقد دفعت انتقادات ترمب اللاذعة لنهج السير كير ستارمر رئيس الوزراء البريطاني إلى التراجع عن قراره بشأن السماح للجيش الأميركي باستخدام القواعد البريطانية، إذ أشار في البداية إلى أن الأميركيين يمكنهم استخدام تلك المنشآت، ما دامت تُستخدم لأغراض "دفاعية"، مثل منع إيران من شن هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة.
لكن مع استمرار تصاعد الصراع، وعدم إظهار إيران أي مؤشر إلى وقف هجماتها في المنطقة، اضطر السير كير ستارمر إلى المضي أبعد من ذلك، فأعلن أنه منح الإذن للطائرات المقاتلة الأميركية باستخدام القواعد البريطانية لضرب القوات الإيرانية، التي تعرقل الملاحة في مضيق هرمز.

وقال متحدث باسم رئاسة الوزراء البريطانية إن وزراء المملكة المتحدة، قرروا أن "الاتفاق الذي يتيح للولايات المتحدة استخدام القواعد البريطانية في إطار الدفاع الجماعي عن المنطقة يشمل العمليات الدفاعية الأميركية الرامية إلى إضعاف مواقع الصواريخ والقدرات المستخدمة في مهاجمة السفن في مضيق هرمز". لكن حتى هذه الإجراءات لم تكن كافية لتهدئة الرئيس الأميركي، الذي بدلا من أن يُظهر امتنانا للدعم المتزايد، لوّح بإلحاق ضرر طويل الأمد بـ"حلف الناتو" حين وصف حلفاءه الأوروبيين بأنهم "جبناء" بسبب ضآلة استجابتهم العسكرية للأزمة المتفاقمة في الخليج.
ومع أن الولايات المتحدة لديها حاليا مجموعتان قتاليتان من حاملات الطائرات، متمركزتان في المنطقة، فإن البيت الأبيض يضغط على المملكة المتحدة ودول أوروبية أخرى لتقديم دعم بحري يساعد في مواجهة المحاولات الإيرانية لإغلاق مضيق هرمز.
وأشار السير كير ستارمر إلى أنه قد يكون مستعدا لنشر كاسحات ألغام بريطانية في المنطقة، بل أثار أيضا احتمال إرسال حاملة طائرات بريطانية. وكانت المملكة المتحدة قد أرسلت بالفعل إحدى مدمراتها من طراز "45"، وهي "إتش إم إس دراغون"، إلى المنطقة، فيما نشرت فرنسا حاملة الطائرات "شارل ديغول" مع مجموعة دعم بحرية في البحر الأبيض المتوسط. وتنظر دول أوروبية أخرى أيضا في احتمال تنفيذ عمليات انتشار بحري في المنطقة.
