لطالما ربط الفكر الإنساني، من الفلسفة القديمة إلى العلوم الحديثة، بين عمق النوم وانسحاب الوعي. فكلما تلاشى الإحساس، قيل إن النوم صار أعمق. لكن هذه الفكرة، رغم بساطتها، تخفي تناقضا داخليا، فكيف يمكن غياب التجربة أن يعاش كتجربة؟ وكيف نقيس "عمقا" لا نعيه؟ هنا يظهر الحلم كظاهرة مقلقة للفهم، لأنه يقلب المعادلة.
فالحلم، في هذا المعنى، ليس مجرد محتوى عابر داخل النوم، بل هو اختبار فلسفي لطبيعة الوعي ذاته، يطرح احتمالا مدهشا، أن يكون الإنسان قادرا على أن يكون واعيا دون أن يكون حاضرا في العالم، وأن يعيش تجربة مكتملة دون أن يمتلك سلطة عليها..
تعود دراسة علمية حديثة لتقترح أن المسألة أعمق من ذلك بكثير، فليس المهم فقط كم ننام، بل كيف نشعر بأننا نمنا.
لكن البحث الجديد يفتح بابا مختلفا للفهم، ويشير إلى أن الأحلام الغامرة، حتى خلال مرحلة من النوم غير مرتبطة تقليديا بالأحلام الكثيفة، قد تلعب دورا مفاجئا في الحفاظ على الإحساس بالنوم العميق، حتى عندما تكون الحاجة الفيزيولوجية إلى النوم في تراجع.
الخبرة الحلمية
انطلقت الدراسة من سؤال يبدو بسيطا لكنه معقد علميا، لماذا يشعر الإنسان أحيانا أنه كان في نوم عميق جدا، رغم أن دماغه لم يكن في أدنى درجات النشاط؟ للإجابة، استعان الفريق بتجربة واسعة اعتمدت على تسجيلات دماغية عالية الكثافة لـ44 شابا وبعدد إجمالي بلغ 196 ليلة مخبرية، مع أكثر من ألف إيقاظ متكرر خلال مرحلة النوم الثانية غير الحالمية.
اختيار هذه المرحلة لم يكن عشوائيا. فهي تشكل نحو نصف وقت النوم تقريبا، وتمتد على مدار الليل كله، كما أنها غنية بالتقلبات، أحيانا يكون النائم فيها غارقا في خبرة ذهنية أو حلمية، وأحيانا أخرى يبدو بلا أي خبرة واعية يمكن تذكرها. هذا جعلها مختبرا مثاليا لفحص العلاقة بين ما يجري في القشرة الدماغية وما يشعر به النائم عند سؤاله، فور الاستيقاظ، عن عمق نومه ومدى نعاسه وما إذا كان يحلم أو يشعر بأي شكل من أشكال الوعي.

