الأحلام الغامرة… هل تجعل نومنا أعمق؟

إعادة فهم النوم العميق

 Noelia de Alda
Noelia de Alda

الأحلام الغامرة… هل تجعل نومنا أعمق؟

لطالما ربط الفكر الإنساني، من الفلسفة القديمة إلى العلوم الحديثة، بين عمق النوم وانسحاب الوعي. فكلما تلاشى الإحساس، قيل إن النوم صار أعمق. لكن هذه الفكرة، رغم بساطتها، تخفي تناقضا داخليا، فكيف يمكن غياب التجربة أن يعاش كتجربة؟ وكيف نقيس "عمقا" لا نعيه؟ هنا يظهر الحلم كظاهرة مقلقة للفهم، لأنه يقلب المعادلة.

فالحلم، في هذا المعنى، ليس مجرد محتوى عابر داخل النوم، بل هو اختبار فلسفي لطبيعة الوعي ذاته، يطرح احتمالا مدهشا، أن يكون الإنسان قادرا على أن يكون واعيا دون أن يكون حاضرا في العالم، وأن يعيش تجربة مكتملة دون أن يمتلك سلطة عليها..

تعود دراسة علمية حديثة لتقترح أن المسألة أعمق من ذلك بكثير، فليس المهم فقط كم ننام، بل كيف نشعر بأننا نمنا.

لكن البحث الجديد يفتح بابا مختلفا للفهم، ويشير إلى أن الأحلام الغامرة، حتى خلال مرحلة من النوم غير مرتبطة تقليديا بالأحلام الكثيفة، قد تلعب دورا مفاجئا في الحفاظ على الإحساس بالنوم العميق، حتى عندما تكون الحاجة الفيزيولوجية إلى النوم في تراجع.

الخبرة الحلمية

انطلقت الدراسة من سؤال يبدو بسيطا لكنه معقد علميا، لماذا يشعر الإنسان أحيانا أنه كان في نوم عميق جدا، رغم أن دماغه لم يكن في أدنى درجات النشاط؟ للإجابة، استعان الفريق بتجربة واسعة اعتمدت على تسجيلات دماغية عالية الكثافة لـ44 شابا وبعدد إجمالي بلغ 196 ليلة مخبرية، مع أكثر من ألف إيقاظ متكرر خلال مرحلة النوم الثانية غير الحالمية.

اختيار هذه المرحلة لم يكن عشوائيا. فهي تشكل نحو نصف وقت النوم تقريبا، وتمتد على مدار الليل كله، كما أنها غنية بالتقلبات، أحيانا يكون النائم فيها غارقا في خبرة ذهنية أو حلمية، وأحيانا أخرى يبدو بلا أي خبرة واعية يمكن تذكرها. هذا جعلها مختبرا مثاليا لفحص العلاقة بين ما يجري في القشرة الدماغية وما يشعر به النائم عند سؤاله، فور الاستيقاظ، عن عمق نومه ومدى نعاسه وما إذا كان يحلم أو يشعر بأي شكل من أشكال الوعي.

أفاد المشاركون بوجود خبرة واعية، سواء كانت حلما واضحا أو حتى إحساسا بأن هناك تجربة كانت جارية من دون القدرة على تذكر محتواها، فأصبحت العلاقة بين النشاط الدماغي والشعور بعمق النوم أضعف.

اعتمد الباحثون على منهج "الإيقاظ التسلسلي"، أي إيقاظ المشاركين مرارا أثناء الليل وسؤالهم فورا عما كان يدور في أذهانهم قبل لحظة الاستيقاظ.  سمحت الدراسة بتجميع 1024 حالة موثقة من الاستيقاظ من مرحلة النوم غير الحالم، مع ربط كل حالة بتقرير ذاتي دقيق وبقياسات كهربائية من الدماغ خلال الدقيقتين السابقتين للاستيقاظ.

كانت التوقعات التقليدية واضحة، فكلما انخفض نشاط الدماغ العالي التردد، وكلما هيمنت الموجات البطيئة، بدا النوم "أعمق"، وهذا ما أكدته النتائج جزئيا. فقد وجد الباحثون أن الشعور بعمق النوم يرتبط عادة بانخفاض ما يعرف بنسبة النشاط العالي التردد إلى المنخفض التردد، وهي نسبة تعد مؤشرا عاما إلى درجة "تنشيط" القشرة الدماغية. بعبارة مبسطة، حين يبدو الدماغ أقل شبها بحالة اليقظة، يميل الشخص إلى القول إنه كان في نوم أعمق. لكن المفاجأة جاءت حين دخلت الأحلام على الخط.

تفكك الصورة التقليدية

هنا بدأت الصورة التقليدية في التفكك. فعندما أفاد المشاركون بوجود خبرة واعية، سواء كانت حلما واضحا أو حتى إحساسا بأن هناك تجربة كانت جارية من دون القدرة على تذكر محتواها، أصبحت العلاقة بين النشاط الدماغي والشعور بعمق النوم أضعف. أي إن ارتفاع بعض مؤشرات التنشيط القشري، الذي يفترض عادة أنه علامة على نوم أخف، لم يعد بالضرورة يترجم إلى إحساس بأن النوم كان سطحيا، إذا كان مصحوبا بحلم أو خبرة داخلية غامرة.

AFP
عمل فني بعنوان "Headthinker III" للفنانة البريطانية لورا فورد، ضمن معرض يحمل عنوان "النوم والأحلام: حالتنا الأكثر غموضا"

تقوض النتيجة افتراضا شائعا في علم النوم، أن النوم العميق، كما يشعر به الإنسان، يجب أن يكون بالضرورة نوما قليل الوعي أو عديمه. ما ظهر هنا أن العمق الذاتي للنوم لا يتحدد فقط بمدى انخفاض نشاط الدماغ، بل أيضا بطبيعة الخبرة الداخلية التي يعيشها النائم أثناء تلك المرحلة. فإذا كانت التجربة الحلمية ثرية وغامرة، فإن النوم قد يبدو عميقا حتى لو حمل الدماغ سمات نشاط أقرب إلى اليقظة نسبيا.

لفهم هذه الخبرات بدقة، لم يكتفِ الباحثون بالتقسيم التقليدي للحالات إلى حلم متذكر، أو إحساس بوجود تجربة دون تذكرها، أو غياب الوعي، بل أضافوا تفصيلا مهما داخل الفئة الأخيرة. فقد تبين أن غياب المحتوى لا يعني دائما انعدام الوعي، إذ إن نحو نصف الحالات كان يمثل وعيا ضئيلا بلا محتوى، وصفه المشاركون كشعور بالحضور أو مرور الوقت، مقابل حالات اللاوعي الكامل.

ازدياد الانغماس الحلمي يرتبط بزيادة الشعور بعمق النوم، بينما تقلل الخبرات التأملية هذا الإحساس، مما يؤكد أن طبيعة الحلم، لا مجرد وجوده، هي العامل الحاسم

وأظهرت النتائج أن أقل إحساس بعمق النوم يرتبط بهذه الحالة الوسطى "الباهتة"، بينما أعلى درجات العمق ظهرت إما مع حلم غامر وغني أو مع غياب كامل للوعي. وهذا يعني أن المشكلة ليست في وجود الوعي ذاته، بل في ضعفه وهشاشته، فالتجارب الداخلية الفقيرة تجعل النوم يبدو أخف، بينما تعززه الأحلام المتماسكة أو الغياب التام للوعي.

هذا التمييز يفسر لماذا يشعر بعض الأشخاص بأن نومهم غير عميق رغم كفايته فيزيولوجيا، إذ تختلف جودة الوعي أثناء النوم. فالحلم الغني يعزز الإحساس بالعمق، بينما الوعي الباهت يضعفه.

كما حلل الباحثون خصائص الأحلام نفسها، فميزوا بين "الاندماج الإدراكي" -أحلام غنية وحسية وانفعالية- و"التفكير التأملي" (خبرات أكثر تجريدا وأقل حسية). وخلصوا إلى أن ازدياد الانغماس الحلمي يرتبط بزيادة الشعور بعمق النوم، بينما تقلل الخبرات التأملية هذا الإحساس، مم ا يؤكد أن طبيعة الحلم، لا مجرد وجوده، هي العامل الحاسم.

الأكثر لفتا أن هذا الأثر ظهر حتى عندما لم يستطع المشاركون تذكر محتوى الحلم نفسه. فبعضهم كان يستيقظ وهو لا يتذكر ما رأى، لكنه يشعر بأن هناك حلما غنيا ومعقدا قد تبخر من الذاكرة. في هذه الحالات أيضا ارتفعت درجات الإحساس بعمق النوم مقارنة بحالات أخرى كانت الخبرة فيها أبسط وأقل غنى. وهذا يفتح احتمالا مثيرا، قد لا يكون تذكر الحلم شرطا لكي يؤثر في شعورنا بجودة النوم. ربما يكفي أن يكون الحلم قد حدث فعلا بوصفه تجربة غامرة، حتى لو لم يترك وراءه محتوى يمكن سرده صباحا.

التنشيط القشري

فرقت الدراسة بين شعورين غالبا ما يخلطان في الحياة اليومية هما "عمق النوم" و"النعاس عند الاستيقاظ". صحيح أن كليهما يرتبطان بدرجة ما بحالة الدماغ أثناء النوم، لكن النتائج أظهرت أنهما ليسا الشيء نفسه. فاللاوعي الكامل ارتبط بأعلى مستويات النعاس عند الاستيقاظ، بينما ارتبطت جميع أشكال الخبرة الواعية بانخفاض نسبي في هذا النعاس. بمعنى أن من يخرج من حلم، حتى لو كان نومه يبدو له عميقا، قد يشعر بنعاس أقل من شخص خرج من حالة غياب كامل للوعي. يفسر الباحثون ذلك بإمكان أن تكون الأحلام مصحوبة بدرجات من التنشيط القشري تسهل الانتقال إلى اليقظة وتخفف ما يسمى "قصور ما بعد الاستيقاظ".

يدل ذلك على أن عمق النوم الذاتي لا يمكن اختزاله في مجرد الشعور بالكسل أو الرغبة في مواصلة النوم بعد الاستيقاظ. قد يشعر شخص بأنه كان في نوم عميق جدا، لكنه لا يكون شديد النعاس عند الاستيقاظ، والعكس صحيح. وهذا يعزز فكرة أن النوم تجربة متعددة الأبعاد، وأن المؤشرات الذاتية المختلفة قد تعكس عمليات عصبية ونفسية مختلفة جزئيا.

أظهرت المؤشرات العصبية الكلاسيكية تراجعا في ضغط النوم وارتفاعا نسبيا في النشاط الأقرب إلى اليقظة مع التقدم في الليل. ومع ذلك، استمر شعور المشاركين بأن نومهم يزداد عمقا

وعندما انتقل الباحثون إلى تتبع ما يحدث عبر الليل، ظهرت مفارقة أخرى أكثر إثارة. فمن المعروف فيزيولوجيا أن "ضغط النوم" يتراجع تدريجيا كلما تقدم الليل. الموجات البطيئة التي تعد علامة على الحاجة المتراكمة إلى النوم تنخفض، كما تتغير ديناميكيات الدماغ تبعا لتفاعل الضغط الداخلي للنوم مع الساعة البيولوجية. وفق هذا المنطق، قد نتوقع أن يتراجع الإحساس بالنوم العميق في النصف الثاني من الليل. لكن ما حدث كان العكس: الإحساس بعمق النوم ازداد مع مرور الوقت.

AFP
صورة بالتعريض الضوئي الطويل تظهر مجرة درب التبانة

في المقابل، النعاس الذاتي لم يتبع خطا مستقيما، بل ارتفع أولا ثم بلغ ذروته بين الثالثة والرابعة صباحا، قبل أن يبدأ في الانخفاض. كما أظهرت المؤشرات العصبية الكلاسيكية تراجعا في ضغط النوم وارتفاعا نسبيا في النشاط الأقرب إلى اليقظة مع التقدم في الليل. ومع ذلك، استمر شعور المشاركين بأن نومهم يزداد عمقا. كيف يمكن تفسير ذلك؟

هنا يبرز الحلم الغامر كحل محتمل للمفارقة، إذ أظهرت الدراسة أن الأحلام تصبح مع الوقت أكثر غنى وحسية، وبالتوازي يزداد الإحساس بعمق النوم. لذلك يقترح الباحثون أن الأحلام قد تحافظ على هذا الشعور حتى مع تراجع الحاجة البيولوجية للنوم، وكأنها ليست مجرد محتوى عابر، بل آلية تدعم الإحساس بالانغماس في نوم عميق.

وقد تعيد هذه الفكرة النظر في وظيفة الحلم، فبدل كونه ناتجا ثانويا أو أداة لمعالجة الذاكرة فقط، قد يعمل كدعامة ذاتية تحافظ على استمرارية النوم كما يعاش. وهو تصور يقترب من الفكرة القديمة للحلم كـ"حارس للنوم"، ليس فقط عبر امتصاص المثيرات الخارجية، بل أيضا عبر تخفيف أثر النشاط الدماغي الداخلي وجعله يختبر كجزء من نوم متماسك.

إكلينيكيا، تفتح هذه النتائج آفاقا مهمة، إذ إن اضطرابات النوم كثيرا ما ترتبط بالشعور بأن النوم غير عميق رغم كفايته فيزيولوجيا. وإذا كانت طبيعة الخبرة الذهنية أثناء النوم تؤثر في هذا الشعور، فقد يصبح فهم الأحلام عنصرا أساسا في تفسير الأرق، لا مجرد جانب ثانوي منه.

دراسة ترابطية

ويشير الباحثون إلى أن الأحلام الأقل اندماجا والأكثر شبها بالتفكير، قد ارتبطت في دراسات سابقة بإحساس أسوأ بجودة النوم، بينما قد تؤدي الأحلام المفرطة الشدة أو الكوابيس إلى خفض جودة النوم عبر إثارة الاستيقاظات والاضطراب. في هذا المعنى، لا تكون "الأحلام الجيدة" مجرد أحلام ممتعة، بل ربما أحلاما تقع ضمن نطاق توازن دقيق: غامرة بما يكفي لتعميق الشعور بالنوم، لا مزعجة إلى حد تمزيقه.

مع ذلك، يحرص الباحثون على عدم المبالغة. فالدراسة ترابطية، أي إنها تكشف علاقات متماسكة لكنها لا تثبت السبب والنتيجة بشكل نهائي. كما أن منهج الإيقاظ المتكرر، رغم ضرورته العلمية، يظل تدخليا بطبيعته وقد يغير بنية النوم خلال الليل. 

علاقتنا بالنوم أكثر تعقيدا مما نتصور، فنحن لا نفقد الوعي ببساطة، بل نمر بطيف غني من الحالات الداخلية التي لا تختزلها المقاييس التقليدية

قوة الدراسة تكمن أيضا في حجمها النسبي، وفي استخدام تخطيط دماغ العالي الكثافة، وفي مزج القياس العصبي بالتقرير الذاتي المفصل، بدل الاكتفاء بأحدهما.

تعني هذه الدراسة أن علاقتنا بالنوم أكثر تعقيدا مما نتصور، فنحن لا نفقد الوعي ببساطة، بل نمر بطيف غني من الحالات الداخلية التي لا تختزلها المقاييس التقليدية. فالإحساس بعمق النوم ليس نتاج عامل واحد، بل نتيجة تفاعل معقد بين نشاط الدماغ، والساعة البيولوجية، وضغط النوم، وطبيعة التجربة الداخلية أثناءه.

كما تشير إلى أن الأحلام ليست عنصرا ثانويا، بل قد تعيد تشكيل معنى النوم نفسه. فحتى في مراحل لا تعرف بالأحلام الكثيفة، يمكن التجارب الحلمية الغامرة أن تعزز الإحساس بالعمق، مما يكشف عن بعد ذاتي لا تفسره المؤشرات العصبية وحدها.

والأهم أن الدراسة تقربنا من فهم الفجوة بين "النوم كما يقاس" و"النوم كما يعاش"، إذ توحي بأن جودة النوم لا تعتمد فقط على مدته أو مرحلته، بل على نوع الوعي الذي يحدث خلاله ومدى اندماج العقل في تجربته الداخلية.

في ضوء ذلك، لا يبدو النوم العميق مجرد هدوء عصبي، بل قد يكون نتاج عالم داخلي غني، حتى لو لم نتذكره. وربما تلعب الأحلام دورا في الحفاظ على هذا الإحساس بالعمق مع تقدم الليل، وهو تصور يجمع بين دقة العلم ولمسة التأمل الفلسفي.

font change

مقالات ذات صلة