خفايا التوجس الجزائري من "حرب إيران"

موقف مبدئي قائم على رفض العدوان ودعم سيادة الدول

أ ف ب
أ ف ب
يرفرف العلم الوطني للجزائر بالقرب من خليج الجزائر، ويظهر في الصورة المدينة القديمة للعاصمة المعروفة باسم "القصبة" (يسار) وحاويات الشحن (يمين) في الجزائر العاصمة بتاريخ 25 أغسطس 2022.

خفايا التوجس الجزائري من "حرب إيران"

من يستمع إلى تصريحات المسؤولين في الجزائر وقادة الأحزاب السياسية أو يقرأ البيانات الصادرة عنهم يلمس "القلق" و"التوتر" إزاء ما يعرف بـ"القوة الصلبة" وتحويل البيئة الدولية إلى فضاء مفتوح لا تحكمه أية قواعد إلى جانب التهديدات الإقليمية المعقدة الناتجة عن عدم استقرار دول الجوار (ليبيا، ومالي، والساحل الأفريقي).

وفي السياق، خصص الفريق أول السعيد شنقريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي الجزائري، الجزء الأكبر من خطابه الذي ألقاه خلال لقاء جمعه بالقيادات العسكرية بمناسبة عيد الفطر للحديث عما يعرف بـ"حروب القوة" أو "القوة الصلبة" التي تمنح الأولوية للأصول العسكرية والدفاعية على حساب أدوات التأثير الناعمة. وقال إن "أفراد القوات المسلحة مدعوون إلى ضرورة إدراك حيثيات التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها الوضع الدولي والتي تميزت بعودة خيار الحرب والتدخلات العسكرية وتراجع مكانة المنظمات متعددة الأطراف، وتجاهل قواعد القانون الدولي، بما يؤثر على سيادة الدول وخياراتها الوطنية".

وقال شنقريحة، خلال اللقاء الذي شهد حضور قائد القوات البرية والبحرية والجوية والحرس الجمهوري والدرك الوطني وقادة الأجهزة والمصالح المركزية للجيش، إن الاضطرابات والتصعيد العسكري الحاد الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط تتطلب من "الجميع رفع مستوى الوعي باحترافية عالية واستباقية متبصرة إزاء التحولات الجيوسياسية العميقة التي يعرفها العالم، لا سيما ما يتعلق بتداعياتها على دول الجنوب".

والخطاب نفسه يردده منذ فترة القادة السياسيون في البلد، واستدلت في هذا الإطار لويزة حنون، زعيمة "حزب العمال اليساري" ومرشحة انتخابات الرئاسة سابقا، في اجتماع مع المكتب السياسي بالعاصمة الجزائر، بالمثل الشعبي القائل: "إذا شفت الضرب في أصحاب فقل إنه وصل لجنابك". وهذا المثل الشعبي يضرب للحث على أخذ العبرة والحيطة مما يحدث للآخرين (الأصدقاء) من مكروه أو ضرر، وكانت حنون تشير بالدرجة الأولى إلى إيران، وفنزويلا أيضا التي شهدت تدخلا عسكريا أميركيا أطلق عليه اسم "عملية العزم المطلق"، وأسفر عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما خارج البلاد وسط توترات جيوسياسية متصاعدة.

وتحتاج الجزائر حاليا حسب حنون إلى "الحفاظ على الاستقرار الداخلي وتماسك المجتمع لأن الأزمات الدولية المتلاحقة تؤكد وتثبت أهمية امتلاك الدول لجبهة داخلية قوية قادرة على مواجهة الضغوط الخارجية"، ويتطلب ذلك حسبها "تعبئة سياسية واسعة وتعزيز الوعي الوطني".

من جانبه، أكد يوسف أوشيش، السكرتير الأول لـ"جبهة القوى الاشتراكية" (أقدم حزب معارض في الجزائر)، في كلمة خلال اجتماع لكوادر الحزب في العاصمة إن تصاعد التوترات في الشرق الأوسط "تفرض قدرا عاليا من اليقظة والمسؤولية الوطنية"، ولفت إلى أن "الدفاع عن السيادة الوطنية وتعزيز المناعة الاستراتيجية للدولة، يتطلبان مشروعا وطنيا قائما على التنمية والديمقراطية".

تحتاج الجزائر إلى بناء سلسلة شراكات وتحالفات قوية في الجوار وخصوصا الجوار المغاربي والمتوسطي، والفرصة سانحة جدا لأن التهديدات مشتركة والأمن الإقليمي صمام الدفاع عن الأمن الوطني

ومن وجهة نظر أوشيش، الذي سبق أن ترشح لانتخابات الرئاسة 2024، فإن "قوة الدولة لا تقاس بقدراتها العسكرية أو بمواردها الطبيعية، بل أساسا بمدى تماسك مجتمعها وثقة مواطنيها في مؤسساتها"، فلا يمكن على حد قوله لأي "دولة أن تكون قوية ومستقرة وآمنة دون مشاركة شعبها الفعلية في الحياة العامة ودون وجود حكم يتركز على الشرعية الديمقراطية". وأضاف أوشيش أن مواجهة التحديات والضغوط الخارجية، "تتم بفضل ترسيخ دولة القانون والحريات، وتعزيز استقلالنا الاقتصادي، وبناء اقتصاد وطني قادر على تحقيق الاكتفاء الذاتي في المجالات الحيوية، وعلى رأسها الأمن الغذائي والطاقوي والتكنولوجي والرقمي".

أ ف ب
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون وهو يستقبل رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في الجزائر العاصمة في 25 مارس 2026.

لماذا التوجس؟

التصاعد اللافت في نبرة القلق لدى القيادة العسكرية في الجزائر وقادة الأحزاب يطرح سؤالا جوهريا: لماذا تثير الحرب على إيران قلق النخب الرسمية الحاكمة وساسة البلاد؟

يجمع خبراء على أن الجزائر لا تعيش اليوم "شتاتا سياسيا" أو "تناحرا" مثل ذلك الذي كان سائدا في غضون العشرية السوداء التي شهدتها البلاد خلال تسعينات القرن الماضي والتي خلفت عشرات الآلاف من الضحايا، ولا أزمة مؤسساتية، لكن العامل الخارجي يفرض نفسه بقوة، ويقول البروفيسور محمد زناسني المتخصص في الدراسات الاستراتيجية في حديثه لـ"المجلة" إن "الجزائر وباعتبارها من الفواعل الإقليمية الوازنة تواجه تحديات جمة، وهي تستشعر اليوم تلك التهديدات الكبيرة التي تواجهها، وذلك حفاظا على سيادتها واستقلالها. ولذلك أطلقت القيادة العسكرية والسياسية الجزائرية مجموعة من الخطب ترمي من ورائها إلى رص الجبهة الداخلية تحسبا لأي طارئ". ويكمن الرهاب والتخوف الأساسي لدى الجزائر وفق زناسني في "الخطر المحتمل تجاه الوحدة الترابية وتماسك المجتمع من خلال من محاولة تقسيمه إلى طوائف لضرب الأمن الاجتماعي، وذلك يمر عبر ضرب الأمن القيمي، لذلك فالمطلوب من الجزائر قيادة وشعبا رص الأمن الفكري والقيمي والقانوني كصمام للأمن الاجتماعي، وبالتالي تعزيز اللحمة الوطنية".

وتحتاج البلاد وفق زناسني إلى "بناء سلسلة شراكات وتحالفات قوية في الجوار وخصوصا الجوار المغاربي والمتوسطي، والفرصة سانحة جدا لأن التهديدات مشتركة والأمن الإقليمي صمام الدفاع عن الأمن الوطني إضافة إلى الإبقاء على قنوات التواصل الدبلوماسي، فنحن في التوقيت الأمثل لتفعيل دبلوماسية الاحتواء وتجنب أي تصعيدات غير محسوبة من بعض القوى المعادية واستعمال كل الأوراق المتاحة وعلى رأسها ملف الطاقة".

الجزائر، كدولة طاقوية، قد تستفيد ظرفيا من ارتفاع أسعار النفط، لكنها تدرك تمام الإدراك في المقابل أن الحروب الكبرى تولد عدم يقين اقتصادي عالمي، وتضغط على سلاسل الإمداد

وتقدم الدكتورة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية نبيلة بن يحيى قراءة خاصة لتعاظم مستوى القلق لدى القيادة العسكرية في الجزائر حول تفاقم "حروب القوة"، وتقول في حديثها لـ"المجلة" إنه "يمكن تفسير تصاعد القلق لدى النخب الرسمية والعسكرية في الجزائر من خلال تداخل 3 مستويات تحليلية: بنيوية وإقليمية وداخلية".

أولا، على المستوى البنيوي، تدرك الجزائر وفق بن يحيى أن "الحرب على إيران ليست مجرد مواجهة تقليدية، بل تعكس تحولا في طبيعة النظام الدولي نحو منطق (حروب القوة) خارج الأطر القانونية، حيث يتراجع تأثير قواعد القانون الدولي لصالح موازين القوة الصلبة، هذا التحول يهدد الدول المتوسطة، ومنها الجزائر، لأنه يفتح الباب أمام شرعنة التدخلات والضربات الاستباقية، بما يعيد إنتاج نماذج الفوضى التي شهدناها في المنطقة منذ 2003".

أ ب
الأعلام الجزائرية على طول ممشى الواجهة البحرية في الجزائر العاصمة، يوم السبت 18 سبتمبر 2021

أما على المستوى الإقليمي، فتقول بن يحيى إن "الجزائر تسعى بكل الآليات المتاحة إلى الاستقرار الإقليمي كعمق استراتيجي لأمنها القومي، وأي انفجار كبير في الشرق الأوسط قد يعيد تشكيل تفاعلات أخرى، ويزيد من عسكرة المنطقة، مما يؤدي إلى بيئة مواتية لعودة الفاعلين غير الدوليين، خاصة في فضاء الساحل الهش أصلا".

وقد أدانت الجزائر التصعيد العسكري الذي شمل دول مجلس التعاون الخليجي، معبرة عن بالغ أسفها لتعثر المفاوضات الإيرانية–الأميركية. وعبّر بيان سابق لوزارة الخارجية عن أسف الجزائر من عدم نجاح المفاوضات التي توسطت بها سلطنة عمان والتي علق عليها كثيرون "آمالا كبيرة بإمكانية التوصل إلى تسوية سلمية للمباحثات الإيرانية الأميركية".

ويرتبط القلق على المستوى الداخلي بإدارة التوازنات الاقتصادية والاجتماعية، وقد شرحت بن يحيى هذا التفصيل قائلة إن "الجزائر، كدولة طاقوية، قد تستفيد ظرفيا من ارتفاع أسعار النفط، لكنها تدرك تمام الإدراك في المقابل أن الحروب الكبرى تولد عدم يقين اقتصادي عالمي، وتضغط على سلاسل الإمداد، وقد تعيد ترتيب أولويات القوى الكبرى على حساب استقرار الدول النامية، إضافة إلى ذلك، هناك هاجس (العدوى الأمنية) من خلال الهجرة غير النظامية، أو تنامي الشبكات العابرة للحدود".

ولذلك تتبنى العقيدة الأمنية في الجزائر موقفا مبدئيا قائما على رفض العدوان، ودعم سيادة الدول، وهو ما يجعلها تنظر بقلق إلى أي حرب قد تشرعن منطق الهيمنة وتكريس الاختلال في ميزان العدالة.

font change

مقالات ذات صلة